أجب عن سؤالي // وضع سؤالك @@

هذا المجلس لتبادل الخبرات.
أضف رد جديد
أم نور
مشترك في مجالس آل محمد
مشاركات: 79
اشترك في: الخميس يوليو 07, 2005 4:04 pm

Re: أجب عن سؤالي // وضع سؤالك @@

مشاركة بواسطة أم نور »

مناقب الامام أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام
تأليف الحافظ محمد بن سليمان الكوفي القاضي من أعلام القرن الثالث

سؤالي:
اذكر اسماء من شرح نهج البلاغة؟ او علق عليه؟
لك الحمد من حزب الوصي جعلتني .... ومن تابعي آل الرسول لك الحمد
لك الحمد إذ دليتني وهديتني .... إلى مذهب الآل الشريف لك الحمد
لك الحمد لم أختر سواهم ولم أقل .... بغير مقال جاء عنهم لك الحمد
لك الحمد إذ جنبتني وحميتني .... عن الميل عن آل النبي لك الحمد

إبن حريوه السماوي
مشرف الجناح التاريخي
مشاركات: 679
اشترك في: الأحد مايو 30, 2004 3:03 am

Re: أجب عن سؤالي // وضع سؤالك @@

مشاركة بواسطة إبن حريوه السماوي »

الجواب هو :-

الإمام يحيى بن حمزة ( ع )

عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن الحسين بن أبي الحديد

محمد جواد مغنية

سؤال :-

ماذا تعرف عن الحريش ؟
مدحي لكم يا آل طه مذهبي .... وبه أفوز لدى الإله وأفلح

وأود من حبي لكم لو أن لي .... في كل جارحة لسانا يمدح


الحسن بن علي بن جابر الهبل رحمة الله عليه


أم نور
مشترك في مجالس آل محمد
مشاركات: 79
اشترك في: الخميس يوليو 07, 2005 4:04 pm

Re: أجب عن سؤالي // وضع سؤالك @@

مشاركة بواسطة أم نور »

رحمة الله تغشاه كان أحد أنصار آل محمد في (بلخ) ونزل عنده الامام يحيى بن زيد ع .. ذكر في الافادة في تاريخ الائمة السادة
في ترجمة الامام يحيى بن زيد ما لفظه:

أيام ظهوره وذكر بيعته رضي اللّه عنه
قد كان زيد بن علي رضي اللّه عنه أوصاه حين رُمِيَ بقتال الظالمين وأعداء الدين، فلما استشهد أبوه عليه السلام خرج من الكوفة متنكراً مستتراً مع نفر من أصحابه، فدخل (خراسان)، وانتهى إلى (بَلَخ) ونزل على الحُرَيش بن عبد الرحمن الشيباني.
وكتب يوسف بن عمر يطلبه إلى نصر بن سيار، فكتب نصر إلى عامله عقيل بن معقل الليثي عامله على (بلخ) يطلبه، فذكر له أنَّه في دار الحُرَيش، فطالبه بتسليمه منه، فأنكر أن يكون عارفاً لمكانه، فضربه ستمائة سوط، فلم يعترف، فقال له: والله لا أرفع الضرب عنك حتى تسلمه أو تموت. فقال له الحُرَيش رحمه اللّه: " والله لو كان تحت قَدَمَيَّ هاتين ما رفعتهما عنه، فاصنع ما بدا لك " !! فلما خشي ابنه ـ قريش ـ على أبيه القتل، دَسَّ إليه بأنه يدل عليه إن أفْرَج عن أبيه، فدل عليه وأُخِذ وحُمِلَ إلى نصر بن سيار، فقيده وحبسه وكتب بخبره إلى يوسف بن عمر.


سؤالي:
ما معنى الرقبى والعمرى والسكنى؟ مع الفرق بينهما إن أمكن (لتعم الفائدة)..

دمتم..
لك الحمد من حزب الوصي جعلتني .... ومن تابعي آل الرسول لك الحمد
لك الحمد إذ دليتني وهديتني .... إلى مذهب الآل الشريف لك الحمد
لك الحمد لم أختر سواهم ولم أقل .... بغير مقال جاء عنهم لك الحمد
لك الحمد إذ جنبتني وحميتني .... عن الميل عن آل النبي لك الحمد

إبن حريوه السماوي
مشرف الجناح التاريخي
مشاركات: 679
اشترك في: الأحد مايو 30, 2004 3:03 am

Re: أجب عن سؤالي // وضع سؤالك @@

مشاركة بواسطة إبن حريوه السماوي »

أم نور كتب:ر
سؤالي:
ما معنى الرقبى والعمرى والسكنى؟ مع الفرق بينهما إن أمكن (لتعم الفائدة)..

دمتم..
الجواب هو :-

الرقبى والعمرى هما :-

أن يقول الرجل لآخر: أعمرتك داري هذه أو غيرها، أو أرقبتك . فإذا قال ذلك فأيهما قال هذا فيه وأطلقه فهو هبة .

و في كتاب الأحكام :-
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه:

الرقبى والعمرى يجريان مجرى الهبة إذا دفعها الدافع إلى المدفوع إليه وقال هي لك ولعقبك، أو ولدك، فإذا قال له ذلك كان هو وولده أولى بها من المرقب أو المعمر، وجرت مواريث للمعطى والعقبة أبدا، وان قال قد أعمرتك هذه الدار حياتك فاسكنها ما عشت، أو هذه النخل فكلها ما عشت كانت له حياته، فاذا مات رجعت إلى ورثة المعمر لان المؤمنين على شروطهم وعلى هذا يخرج معنى الحديث الذي رواه جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي بعطاها لا ترجع إلى الذي أعطاها لانه أعطى عطاءا وقعت فيه المواريث)

قال يحيى بن الحسين رضي الله عنه: يريد بقوله وقعت فيه المواريث أن المواريث وقعت بقول المعطي لك ولعقبك وهذا فهو الذي لا يرجع إلى المعطي من الرقبى والعمري فاما ما لم يذكر فيه المعطي للمعطا عقبا فالناس فيه على شروطهم.

سؤالي :-

من مؤلف رسالة ( حليفة القرآن ) ؟
مدحي لكم يا آل طه مذهبي .... وبه أفوز لدى الإله وأفلح

وأود من حبي لكم لو أن لي .... في كل جارحة لسانا يمدح


الحسن بن علي بن جابر الهبل رحمة الله عليه


أم نور
مشترك في مجالس آل محمد
مشاركات: 79
اشترك في: الخميس يوليو 07, 2005 4:04 pm

Re: أجب عن سؤالي // وضع سؤالك @@

مشاركة بواسطة أم نور »

سؤالي :-

من مؤلف رسالة ( حليفة القرآن ) ؟
هو الإمام الشهيد المهدي لدين الله أحمد بن الحسين بن أحمد بن القاسم بن عبدالله بن القاسم بن أحمد بن إسماعيل، وهو أبو البركات بن أحمد بن القاسم بن محمد بن القاسم الرسي وهو القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب -عليهم السلام- وكان مولده -عليه السلام- بهجرة كومة بجبل شاكر من الظاهر، وأقام فيها (حتى بلغ) إثنتي عشرة سنة، ثم نقله عمه إلى مدرسة مسلت وكان فيها عدة من العلماء فقرأ في أصول الدين حتى تبحر، ثم في أصول الفقه كتباً كثيرة ثم في الفقه وكتب الحديث، ثم النحو واللغة والتفاسير

سؤالي:
من هو مؤلف كتاب الجواب الراقي على مسائل العراقي؟
لك الحمد من حزب الوصي جعلتني .... ومن تابعي آل الرسول لك الحمد
لك الحمد إذ دليتني وهديتني .... إلى مذهب الآل الشريف لك الحمد
لك الحمد لم أختر سواهم ولم أقل .... بغير مقال جاء عنهم لك الحمد
لك الحمد إذ جنبتني وحميتني .... عن الميل عن آل النبي لك الحمد

إبن حريوه السماوي
مشرف الجناح التاريخي
مشاركات: 679
اشترك في: الأحد مايو 30, 2004 3:03 am

Re: أجب عن سؤالي // وضع سؤالك @@

مشاركة بواسطة إبن حريوه السماوي »

الجواب هو :-

العلامة/ الحسين بن يحيى الحوثي .

سؤال :-

أم أين فيهم كالإمام الهادي مطهر الآباء و الأجدادي

أكمل الأبيات ؟ ومن قائلها ؟ وما إسم القصيدة ؟
مدحي لكم يا آل طه مذهبي .... وبه أفوز لدى الإله وأفلح

وأود من حبي لكم لو أن لي .... في كل جارحة لسانا يمدح


الحسن بن علي بن جابر الهبل رحمة الله عليه


أم نور
مشترك في مجالس آل محمد
مشاركات: 79
اشترك في: الخميس يوليو 07, 2005 4:04 pm

Re: أجب عن سؤالي // وضع سؤالك @@

مشاركة بواسطة أم نور »

هل لهذا السؤال من اجابة؟؟
او على الاقل مساعدة .. تقريب ..
لك الحمد من حزب الوصي جعلتني .... ومن تابعي آل الرسول لك الحمد
لك الحمد إذ دليتني وهديتني .... إلى مذهب الآل الشريف لك الحمد
لك الحمد لم أختر سواهم ولم أقل .... بغير مقال جاء عنهم لك الحمد
لك الحمد إذ جنبتني وحميتني .... عن الميل عن آل النبي لك الحمد

إبن حريوه السماوي
مشرف الجناح التاريخي
مشاركات: 679
اشترك في: الأحد مايو 30, 2004 3:03 am

Re: أجب عن سؤالي // وضع سؤالك @@

مشاركة بواسطة إبن حريوه السماوي »

أم نور كتب:هل لهذا السؤال من اجابة؟؟
او على الاقل مساعدة .. تقريب ..
السلام عليكم أختي الكريمة .

جواب السؤوال هو :-

1- تكملت الأبيات هي :-

ومنشر الملة في العباد و في رو اية و منشئ الملة في العباد
بعد ظهور ظلمة الإلحاد

الضارب الهام بذي الفقار
في كل يوم كوطيس النار

والسابق المذكور في الآثار
عن النبي المصطفى المختار

2- القائل هو :-

الإمام المنصور بالله الحسن بن بدر الدين .

3- إسم القصيدة هي أنوار اليقين في مناقب أمير المؤمنين و مطلعها :-

الحمد للمهيمن الجبار ... مكور الليل على النهار
ومنشئ الغمام والأمطار ... على جميع النعم الغزار
ثم صلاة الله خصت أحمدا ... أبا البتول وأخاه السيدا
وفاطماً وابنيهما سم العدا ... وآلهم سفن النجاة والهدا
يا سائلي عمن له الإمامة ... بعد رسول الله والزعامة
ومن أقام بعده مُقامه ... ومن له الأمر إلى القيامة
خذ نفثاتٍ عن فؤادٍ منصدع ... يكاد من بث وحزن ينقطع
لحادث بعد النبي متسِع ... شتت شمل المسلمين المجتمع
الأمر من بعد النبي المرسل ... من غير فصل لابن عمه علي
هذا بنص الواحد الفرد العلي ... وحكمه على العدو والولي
والأمر فيه ظاهر مشهور ... في الناس لا مُلغى ولا مستور
وكيف يخفي من صباح نور ... لكن نزل الخطل المخسور
ما قبض الله النبي المصطفى ... حتى أراهم الوصي خُلفاً
وحسبهم أخو الرسول وكفى ... لكن أرادوا ان يسموا خلفاً
فذاك قولي وهو قول الآل ... وهم أمان السهل والجبال
وشهداء الله ذي الجلال ... وقول كل الشيعة العمال
وقال قوم إنما الخلافة ... من قبله لابن ابي قحافة
مقالة تعزي إلى خرافة ... كم بين سبل الأمن والمخافة
وجعل الأمر عتيق لعمر ... من بعده كما استفاض واشتهر
ثمت ألقاه تراثاً لنفر ... فخف عثمان إليها ونفر

....... إلخ
مدحي لكم يا آل طه مذهبي .... وبه أفوز لدى الإله وأفلح

وأود من حبي لكم لو أن لي .... في كل جارحة لسانا يمدح


الحسن بن علي بن جابر الهبل رحمة الله عليه


mohammed alhadwi
مشترك في مجالس آل محمد
مشاركات: 535
اشترك في: الخميس يونيو 25, 2009 8:52 pm
مكان: اليمن & حجة
اتصال:

Re: أجب عن سؤالي // وضع سؤالك @@

مشاركة بواسطة mohammed alhadwi »

سلام عليكم ورحمة الله ..

فلتاذن لي أخي الكريم ابن حريوة السماوي بوضع سؤال ,


سؤال :

من عقيدة الزيدية أن من دخل النار فانه يبقى خالداً مخلداً فيها وهذا ما يسمى ب (( الخلود في النار)) وهي احدى مسائل أصول الدين .

إلى أي فرع من فروع أصول الدين تنتمي هذه المسألة ؟

أم نور
مشترك في مجالس آل محمد
مشاركات: 79
اشترك في: الخميس يوليو 07, 2005 4:04 pm

Re: أجب عن سؤالي // وضع سؤالك @@

مشاركة بواسطة أم نور »

سؤال :

من عقيدة الزيدية أن من دخل النار فانه يبقى خالداً مخلداً فيها وهذا ما يسمى ب (( الخلود في النار)) وهي احدى مسائل أصول الدين .

إلى أي فرع من فروع أصول الدين تنتمي هذه المسألة ؟
[
أخيراً..
كل يوم انتظر وضع سؤال..

جواب سؤالك أخي أن مسألة الخلود في النار من مسائل العدل .. حيث أن مسائل العقيدة تنقسم إلى ثلاثة أقسام ..
التوحيد .. العدل .. الإمامة
وكل قسم ينقسم إلى عدة مسائل ..

--------------
سؤالي :
اختلف في مسألة الرؤية العديد من المذاهب .. ما رأي الزيدية .. يرجى وضع أدلة عقلية ونقلية واضحة
الذي يجاوب هذا السؤال بالتفصيل له أن يضع سؤالين .. هدية مني.. :D
لك الحمد من حزب الوصي جعلتني .... ومن تابعي آل الرسول لك الحمد
لك الحمد إذ دليتني وهديتني .... إلى مذهب الآل الشريف لك الحمد
لك الحمد لم أختر سواهم ولم أقل .... بغير مقال جاء عنهم لك الحمد
لك الحمد إذ جنبتني وحميتني .... عن الميل عن آل النبي لك الحمد

إبن حريوه السماوي
مشرف الجناح التاريخي
مشاركات: 679
اشترك في: الأحد مايو 30, 2004 3:03 am

Re: أجب عن سؤالي // وضع سؤالك @@

مشاركة بواسطة إبن حريوه السماوي »

جواب سؤالك هو :-

يقول العلامة بن مداعس في الكاشف الأمين عن جواهر العقد الثمين :-

فصل في الكلام في أن الله سبحانه وتعالى لا تجوز عليه الرؤية بحال من الأحوال .

تقدم فيما مر أن الله ليس بجسم ولا عرض ولا يجوز عليه ما جاز عليهما، ومن المعلوم بالدلالة العقلية أن الرؤية لا تصح إلا على الأجسام والأعراض، فصار العلم بكونه تعالى لا تصح رؤيته داخلاً فيما مر، لكن اشتهرت المسألة وكثر الخلاف والشقاق فيها من الخصوم الأشعرية، والمجسمة، والحشوية وغيرهم، لما كان ديدنهم إيثار اتباع المتشابه ورفض المحكم ودلالة العقول الهادية إلى الرشاد، وتقليد الأسلاف وارتكاب متن الخلاف والشقاق لقرناء الكتاب وحجج الله على خلقه إلى يوم الحساب أولهم إمام خير القرون وآخرهم طائفة الحق الذين لم يزالوا عليه يقاتلون، وهذا المؤلف لهذا المختصر أحد أمرائهم العادلين فكيف بمجموع كبرائهم الفاضلين؟ فاسمع كلامه ما أبلغه في الاحتجاج وما أفصحه وأقطعه لألسنة أهل اللجاجقال عليه السلام [ فإن قيل ] لك [ أربك يُرى بالأبصار ؟ فقل: هذه مقالة الفجار وهي باطلة عند أولي الأبصار، ] فانظر إلى ما حوته هذه الفقرة من البلاغة في رد تلك العقيدة الردية والمقالة الفرية حيث سجل على القائلين بجواز الرؤية بأنهم فجار {وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ } [الإنفطار:14]،وإن مقالتهم باطلة والباطل نقيض الحق، وحيث جعل بطلانها ثابت عند أُولي الأبصار، لأن أُولي الأبصار هم الذين يدور الحق معهم حيث داروا، وليس المراد بهم إلا من جعلهم الله ورسوله قرناء كتابه على الإطلاق ونصبهم سفينة عاصمة لمن اتبعهم عن الإغراق، وترك الجواب في هذا الموضع الخارج على مقتضى السؤال عن كونه يُرى أولا يُرى كما مر، فلم يقل لا يرى الذي هو جواب طبق السؤال فتركه وعدل عنه إلى قوله: فقل: هذه مقالة الفجار وهي باطلة عند أولي الأبصار، إيذاناً وإعلاماً بأن هذا أمر قد فرغ من العلم به، إذ المعلوم بدلالة العقول أن الرؤية لا تصح على غير الجسم أو العرض، وقد قدمنا ما يفيد العلم أنه تعالى ليس بجسم ولا عرض فلا تصح رؤيته بحال، فتجويز رؤيته إما مع التجسيم والتكييف فذلك من أكفر الكفور، وإما مع عدم ذلك فالقول في نفسه غير معقول لما يشتمل عليه من التناقض المحال، فيكون هذا القول نوع من الفجور لأن الفجور نقيض الصدق وليس بصدق لتناقضه، ثم اختصر الرد على الفريقين المجسمة والأشعرية وغيرهم ممن يثبت الرؤية كضرار بن عمرو في قوله: إنه يُرى في الآخرة بحاسة سادسة، بقوله: هذه مقالة الفجار الخ .

فهذا ما يتعلق بكلامه عليه السلام في هذه الفقرة اليسيرة من البلاغة والفصاحة الراجعة إلى المعين، فأما ما يرجع إلى اللفظ، فذلك ظاهر لمن له ذوق سليم ولب مستقيم وعقل غير منحرف عن الآل سقيم، وذلك في جزالة اللفظ وحسن الألفاظ لسلامتها عن التعقيد والتنافر، واشتمالها على الجِنَاس التام، والمطرَّف الذي هو من أجل أنواع البديع، وعلى السجع الكامل الذي هو كذلك من أجل أنواع البديع، وعلى التقابل بين الفجار وأولي الأبصار وهو من مقابلة النقيض بما هو شبه النقيض ولازمه، وكون فِقَر السجع وفواصله في ذاته واقعة على جهة التوسط بين القصر والتطويل اللذين ربما يصير السجع معهما غير مدرك إلاَّ مع التأمل، وإسناد الرؤية إلى الأبصار لنكتتين:
أحدهما: التلميح إلى الآية الكريمة التي هي عمدة الدلالة السمعية في المسألة وهي قوله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ } [الأنعام:103].
وثانيهما: الإيماء والإشارة إلى أنه تعالى يُرى بالقلوب الرؤية العلمية اليقينية كما قال أمير المؤمنين: لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، بل تدركه القلوب بحقائق الإيمان. إلى غير ذلك من المعاني واللطائف التي لو اشتغلنا باستخراجها من هذه الجملة اليسيرة لطال الكلام، ولله سر في أئمتك الأعلام.
نعم والقول: بأنه عز وجل لا تصح رؤيته بالأبصار وهو مذهب جميع العترة الطاهرة شموس الدنيا وشفعاء الآخرة، وهو قول سائر الزيدية والمعتزلة وجميع أهل العدل من الإمامية وغيرهم، وهو قول النَّجارية من المجبرة والخوارج وأكثر الفرق الداخلة في الإسلام والخارجة عنه، وحكاه الإمام المهدي عليه السلام في القلائد وابن حابس في الإيضاح عن المرجئة، وفي هذه الحكاية عنهم نظر لأن أكثرهم أشاعرة وكل أشعري مرجي ولا عكس، ويمكن أن ذلك قول بعض المرجئة، فحق العبارة: وهو قول بعض المرجئة.
والخلاف في هذه المسألة مع المجسمة والأشعرية وضرار بن عمرو.

وأما المجسمة: فبناءً على أصلهم من: أنه تعالى جسم. والجسم يُرى بلا نزاع، فلذلك نص أئمتنا عليهم السلام لأنه لا كلام لنا معهم في هذه المسألة.
وأما الأشعرية: فلما وافقونا في أنه تعالى ليس بجسم ولا عرض كان من حق الكلام أن لا يخالفوا في عدم صحة رؤيته تعالى، لكنهم تركوا هذا الأصل المعلوم إلى أن قالوا: يُرى بلا كيف فراراً منهم من لزوم التجسيم، ومثل مقالهم مقال ضرار بن عمرو لما لم يكن المعلوم إلا المدرَك بإحدى الحواس الخمس ليس إلا جسماً أو عرضاً وليس ذلك من مذهبه، ذهب إلى القول: بأنه تعالى يُرى في الآخرة بحاسة سادسة والكل فروا إلى فئة غير منيعة واغترار بسراب بقيعة، واتفقوا على أن الرؤية بلا كيف إنما هي في الآخرة وإنما للمؤمنين ثواباً لهم دون الكافرين فيُحرَمونها عقاباً لهم، وخالفهم المجسمة فاثبتوها بالتكييف وفي الدارين وللمؤمنين والكافرين كسائر الأجسام لا تخصيص في رؤيتها بوقت دون وقت ولا شخص دون شخص.

هذا وقد علم مما مر أن المسألة لا تحتاج إلى استدلال بعد تحقيق الكلام على: أن الله تعالى ليس بجسم ولا عرض وأن الرؤية لنا تصح عليهما، لكن لعظم الخلاف والتعسف في تلك الأطراف من أولئك الأجلاف أخذ عليه السلام في الاستدلال على القول الحق بقوله [ لأنه ] تعالى [ لو رُئي في مكان ] كما تقوله المجسمة [ دل ذلك على حدوثه، ] سبحانه وتعالى عن ذلك [ لأن ما حواه المكان ] لا شك ولا ريب أنه [ محدود مُحدَث، ]،وقد ثبت أن الله تعالى قديم فلا يصح القول بذلك [ فإن قيل: إنه ] تعالى [ يُرى في غير مكان. ] كما تقوله الأشعرية حيث قالوا: يُرى بلا كيف. ومن جملة الكيف المكان، فنفوا الرؤية في المكان تبعاً لنفي الرؤية التي بالكيف واثبتوا رؤية بلا كيف ولا مكان، [ فهذا ] قول [ لا يعقل، ] وكل قول لا يعقل يجب رده، ولا يجوز القول به لأنه يفتح باب الجهالات وتجويز المحالات، ولما كان المعلوم أن لا رؤية إلا بكيف كما أشار الإمام شرف الدين عليه السلام بقوله:
وتَكَيُّفُ المرئِي أمرٌ لازمٌ .... فتبين القولَ الصحيحَ من السَّفَهْ
علم أنه إذا انتفى الكيف انتفت الرؤية، أشار إلى ذلك عليه السلام بقوله [ بل فيه ] أي في القول بنفي الكيف [ نفي الرؤية، ] فادعاء الرؤية مع نفيه كإثبات الفرع مع نفي الأصل المصحح لوجوده فيصير كتحيز بلا جسم وتناسل لدى عقم، وذلك ضرب من الهذيان وشطر من البهتان، وفي معنى ما ذكره المؤلف عليه السلام قول السيد الهادي عليه السلام في منظومته الميمية للخلاصة حيث يقول:
وإنْ يقولوا بلا كيفٍ فقد رَجَعوا .... إلى مَقالتِنا يا مَرْحَبَاً بهمُ

ومن ثمة قال الرازي فيما حكاه عنه الإمام القاسم عليه السلام في الأساس: أن معناه معرفة ضرورية وعلم يقين بحيث لا ينتفي عن النفس بشك ولا شبهة. قال عليه السلام: قلت وبالله التوفيق: فالخلاف حينئذ لفظي، وكذلك في رده عليه السلام على ضرار أنه إن أراد بالحاسة السادسة ما قاله الرازي فالخلاف لفظي أيضاً. وهذا الذي قاله الرازي وجه وجيه، ولكن نصوص الأشاعرة وعباراتهم واستدلالاتهم لا تساعده، فإنه لو كان الأمر كما ذكر لما أختص بالرؤية المؤمن دون الكافر لأن الكافر يعلمه سبحانه وتعالى في الآخرة علماً ضرورياً بلا خلاف، وأيضاً فمما استدل به المخالفون على إثبات الرؤية وأنها ثواب ما يروونه أنه صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن رؤية العباد ربهم يوم القيامة فقال: "منهم من ينظر إلى ربه في السنة مرة، ومنهم من ينظر إلى ربه في الشهر مرة، ومنهم من ينظر إلى ربه في الجمعة مرة، ومنهم من ينظر إلى ربه بكرة وعشياً" ذكره في شرح شواهد الكشاف، وهذا الدليل الذي ذكره المؤلف عليه السلام هو أحد الأدلة العقلية، قال شيخنا رحمه الله تعالى: وهو المسمى دليل المقابلة عند الأصحاب.

دليل الموانع ودليل المقابلة
قلت: وفي جعله إياه نظر، فإن الأظهر أن دليل المقابلة غير هذا الدليل وتحرير دليل المقابلة مبني على أصلين:
أحدهما: أن الأبصار لا تَرى إلا ما كان مقابلاً كالجسم أو حالاًّ في المقابل كاللون، أو في حكم المقابل كالوجه في المِرآة، فإنه ليس مقابلاً ولا حالاًّ في المقابل ولا في حكم المقابل.
وثانيهما: أن الله تعالى لا يصح أن يكون مقابلاً ولا حالاًّ في المقابل ولا في حكم المقابل لأن ذلك كله جسم أو عرض، وقد مَرَّ أنه تعالى ليس بجسم ولا عرض، فلا تصح رؤيته بحال.
دليل: وهو المسمى في لسان الأصحاب بدليل الموانع، ورجحه على الدليل السابق السيد مَانِكْدِيْم والمهدي عليهما السلام وأبو هاشم وغيرهم، ورجح أبو طالب عليه السلام وحكاه عن شيخه أبي عبد الله الدليل السابق وهو قول أبي علي، واختلفت الروايات عن المؤيد بالله فإحدى روايتي شيخنا وابن حابس عنه أنه يُرَجِّح دليل المقابلة، وبه استدل غالب الأئمة كالقاسم والهادي عليهما السلام وغيرهما، وإحدى روايتي شيخنا عن المؤيد بالله ترجيح دليل الموانع، وقال القاضي وغيره: هما مستويان في إفادة المطلوب.
قلت: دليل المقابلة يُرَجَّح على دليل الموانع بقرب تركيبه وعدم توقفه على اجتماع شروط اعتبرت في دليل الموانع وإفادته المطلوب من حيث اللفظ بخلاف دليل الموانع، فإنما يتناول المراد من محل النزاع وهو انتفاء الرؤية في الآخرة من حيث القياس على انتفائها الآن، وتحرير دليل الموانع مبني على أصلين:
أحدهما: لو كان الباري تعالى يُرى في حال من الأحوال لرأيناه الآن.

الثاني: أنَّا لا نراه الآن.
أما الأصل الأول: وهو أنه لو رُئي في حال من الأحوال.

فتصحيحه مبني على ثلاثة شروط قد حصلت وهي: أن الحواس سلمية، والموانع مرتفعة، والباري موجودٌ، أما أن الحواس سليمة، فمعلوم أن أحدنا على الصفة التي معها يرى المرئيات وهي سلامة حاسة البصر، وأما أن الموانع مرتفعة، فلأن الموانع ثمانية تجمعها قول الإمام المهدي عليه السلام:
حجابٌ وبُعدُ رِقَّةٍ ولَطَافَةٍ .... وفقدُ محاذاتٍ حلولٍ ببعضِها
وسابِعُها قُربُ كميلٍ بِمُقْلَةٍ .... وفقدُ الضياءِ كالليلِ فاعْنَ بِحفظِها
الحجاب الكثيف،والقرب المفرط كالميل في العين،والبعد المفرط، وكون المرئي لطيف الجسم كالجوهر الفرد أو رقيقة كالملائكة عليهم السلام، وكونه غير مقابل للرآئي، وكونه حالاً في أحد هذه المذكورات كاللون فيما قرب أو بعد أو نحوهما،والثامن فقد الضياء المناسب للعين كالظلمة، والذي يدل على ارتفاعها أنها لا تصح إلا في الأجسام والله ليس بجسم، وأما أن الباري موجود فمعلوم.
فكملت الثلاثة الشروط وبكمالها صح الأصل الأول.
وأما الأصل الثاني: وهو أنا لا نراه الآن.
فذلك معلوم ولا منازع فيه، فثبت أنه تعالى لا يُرى في الآخرة لعدم رؤيته الآن، فهذا دليل الموانع، فكان دليل المقابلة أرجح لاستغنائه عن دليل الموانع ولا عكس فتأمل، والله أعلم.

مسألة: أن الله تعالى لا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة

[ وقد قال تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ ] وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام:103].
اعلم أولاً أنه يصح الاستدلال على هذه المسألة بالسمع اتفاقاً، لأنه لا يتوقف صحته على كونه غير مرئي فلا وجه له فتأمل، والله أعلم.

ووجه الاستدلال بالآية المذكورة من وجهين:

الوجه الأول: ما ذكره عليه السلام بقوله [ فنفى ] بذلك أن تدركه الأبصار [ نفياً عاماً لجميع المكلفين، ولـ ] جميع [ أوقات الدنيا والآخرة. ] فاقتضى ذلك العموم والشمول لجميع الأفراد في الطرفين الأشخاص والأوقات من حيث أن حرف النفي إذا دخل على الفعل المضارع نفاه على سبيل الإطلاق من دون تقييد بوقت دون وقت، وكذلك آلة التعريف إذا دخلت على اسم الجمع أفادت العموم لجميع أفراده وهذا لا ينكره الخصوم، ولكنهم أرادوا أن يتخلصوا عن هذا بما ليس بمخلص فقالوا: وإنه وإن كان عاماً فقد خصص بأدلة أُخر دلت على أنه تعالى يراه المؤمنون في الآخرة ثواباً لهم. قالوا: وكل عام إذا ورد ما يخصصه وجب العمل بالخاص فيما يتناوله، وفي العام فيما بقي بلا خلاف.

والجواب: أنَّا وإن سلمنا هذه القاعدة فلا نسلم ورود ما فيه تخصيص العموم المذكور في الآية الكريمة، لأن ما تمسكوا به أحاديث آحاد منازع في صحتها ومحتملة للتأويل ومعارضة بما هو أقوى منها وأصح إسناداً كما سيأتي بعض من ذلك، وكذلك ما تمسكوا به من قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌoإِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة:22،23]، إنما هو مجرد ظاهر لا يفيد العلم لاحتماله للتأويل المطابق للآية المحكمة التي لا يجوز تركها والتمسك بالمتشابه، فبقيت الآية على عمومها من نفي الرؤية لجميع المكلفين ولأوقات الدنيا والآخرة.

فإن قيل عليه: إنه استدلال بالعموم ودلالة العموم ظنية كما هو مقرر في موضعه من أصول الفقه.

فالجواب:-
أنَّا وإن سلمنا هذه القاعدة فلا نسلم أنها مطردة في كل عموم، بل ذلك خاص بالأحكام الشرعية والأخبار بالمخبرات عن الحوادث والتاريخ المتعلقة بمفردات يمكن اختلافها في تعلق المصالح بها، وفي الصدق والكذب بنسبة تلك الحوادث إلى بعض دون بعض، فأما ما يتعلق بالمعارف الإلهية والمسائل الدينية كالنبوة ونحوها فلا يسلم أن دلالة العموم فيه ظنية بل قطعية تتناول كل فرد من أفراد ذلك العموم قطعاً كقولنا: {لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ} [محمد:19]، {لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ} [البقرة:255]، {وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف:49]، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: "لا نبي بعدي"، ومن ثمة نص أئمة الأصول أن دلالة العموم ظنية إلا في الوعيد، لأنا لو لم نقل بذلك أدى إلى الشك وعدم القطع في كل فرد من أفراد هذه المنفية ودخول كل فرد من أفراد الأنبياء والمؤمنين الجنة، ودخول كل فرد من أفراد الكفار النار،وفي ذلك هدم للدين ولحوق بزمرة الكفرة الملحدين.

فتقرر بهذا أن دلالة العموم فيما يتعلق بالمعارف الإلهية ونحوها قطعي، وثبت الاستدلال بالآية المذكورة على نفي رؤيته تعالى لجميع المكلفين ولجميع أوقات الدنيا والآخرة.

الوجه الثاني:-

ما ذكره المؤلف عليه السلام في كتابه المعروف بينابيع النصيحة في العقائد الصحيحة، وذكره القرشي في المنهاج وغيره من علماء العدلية وهو: أنه تعالى تمدح بنفي إدراك الأبصار له وأنه تمدح راجع إلى ذاته، وكل مدح راجع إلى الذات فإثبات نقيضه نقض والله تعالى لا يجوز عليه النقص، وهذا الدليل مبني على أربعة أصول:

أحدها: أنه تمدح بنفي إدراك الأبصار له تعالى. ثانيها: أنه تمدح راجع إلى ذاته.ثالثها: أن كل مدح راجع إلى الذات فإثبات نقيضه نقص.رابعها: أن النقيض على الله تعالى لا يجوز.

أما الأصل الأول:-

فلا خلاف أن الآية واردة مورد المدح له تعالى ولأن أول الكلام مدح وهو قوله تعالى: {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ { الآية{الأنعام:101]، وآخره مدح أيضاً وهو قوله تعالى: {وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ{، فيجب أن يكون المتوسط مدحاً وهو قوله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ {، وإلا لزم أن يتوسط ما ليس بمدح بين أوصاف المدح وهو مستهجن عند أهل العربية فلا يصح في كلام الحكيم، وهذا لا ينكره الخصوم ولكنهم زعموا: أن وجه التمدح في ذلك من حيث أنه تعالى لا تحيط به الأبصار لا من حيث أنها لا تدركه وتراه.

قلنا: هذا كلام ساقط وخلاف لما يسبق إلى الفهم من معنى الآية فلا يجوز العدول إليه، وبعد فمن شأن التمدح أن يكون وصفاً لا يشاركه غيره فيه إلا ويكون ممدوحاً بما مدح به، وهذا المعنى الذي حملوا المدح عليه وهو أن الأبصار لا تحيط به تعالى مع إدراكها له بزعمهم لا يختص به الباري تعالى، لأن السماوات والأرض والبحار والقفار الواسعة تدركها الأبصار ولا تحيط بها بل هذا معلوم في أكثر المرئيات، فإنا نرى الجبال والأشجار والأحجار والحيوانات لا تحيط أبصارنا منها إلا بما قابل الرائي منا لها دون سائر الجوانب الاخَرة وبطونها وقعورها فبطل ما زعموه بلا ريب، وإنما وجه التمدح في ذلك من حيث أنه تعالى يرى المرئيات جميعاً ولا هي تراه ولا يرد عليه أن القدرة والعلم والحياة ونحوها من سائر المعاني، وكذلك المعدوم على القول بأنه شيء قد شاركته تعالى في أنها لا ترى بالأبصار فيبطل التمدح، لأنا نقول: وجه التمدح مركب من الوصفين كونه تعالى يرى الأشياء كلها ولا يراه شيء منها، وهذه المذكورة وإن شاركته عز وجل في الوصف الأخير وهو كونها لا يراها أحد فهي لا تشاركه في الوصف الأول وهو كونه يراها كلها، فصار ذلك كقوله تعالى: {لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ {، فإن هذا الوصف وحده غير كاف حتى ينضم إليه الوصف بكونه تعالى حياً، كالوصف بكونه تعالى لا يطعم حتى ينضم إليه الوصف بكونه يُطعِم، لأن الجمادات والأعراض تشاركه في كونها لا تأخذها سنة ولا نوم وكونها لا تَطعَم، ولكن لم يضر ذلك مدحاً في حقها لاختلال المصحح والمقتضِي لذلك الوصف وهو الحياة فيصير وجه التمدح وعدم حصول المقتضى وهو السِنَة والنوم، وأن لا يطعم مع حصول المصحح وهو كونه تعالى حياً، وهو وصف خاص بالله تعالى لا يشاركه غيره فيه، فكذلك كونه تعالى يرى كل الأشياء ولا يراه شيء منها، ويصير الجميع كالشاهد والكاشف على أنه تعالى لا يشبه الأشياء ولا تشبهه ولا يجوز عليه ما جاز عليها.

واعترض هذا الرازي بأن قال: إنما يحصل المدح بنفي الرؤية إذا كانت جائزة وكان تعالى قادراً على منع الإبصار عن ذلك، وجعل هذا وجهاً مستقلاً في جوازها.

قال القرشي رحمه الله تعالى: والجواب: يقال له: وكذلك السِّنَة والنَّوم والصاحبة والولد وجوابه جوابنا، وأما قياسه لذلك على التمدح بنفي الظلم والعبث فغير صحيح، لأن التمدح هنا راجع إلى الفعل وما كان كذلك فلا يتم المدح فيه إلا مع القدرة عليه، ولهذا لا يصح التمدح بنفي الجمع بين الضدين ونحو ذلك بخلاف ما كان راجعاً إلى الذات، فإنه غير مقدور على أنا ننفي ما تمدح الله بنفيه وإن رجع إلى الفعل فنقول لا يظلم لا في الدنيا ولا في الآخرة، فهلا قال بمثله في نفي الإدراك؟‍ انتهى كلامه رحمه الله تعالى، وهو كلام جيد في رد ذلك الاعتراض فتأمله.

قلت: ويزاد في الرد على الرازي بأن يقال له: وما تريد بقياسك لنفي الرؤية أنه لا يصير مدحاً إلا إذا كانت جائزة وكان تعالى قادراً على منع الإبصار لكن ذلك على نفي الظلم والعبث؟ فإن أردت به الاستدلال على صحة مذهبك لإمكان الرؤية وجوازها فالأصل المقيس عليه وهو نفي الظلم هو مستحيل الوقوع على أصلكم: أن حقيقة الظلم هو التصرف في ملك الغير إذ لا ملك لغير الله تعالى، فكيف تستدل لإمكان شيء وجوازه بالقياس على شيء مستحيل في نفسه؟! وإن أردت به إبطال استدلالنا وإلزامنا الخروج عنه بالقياس على التمدح بنفي الظلم والعبث، فلسنا نحد الظلم بما ذكرتم فيلزمنا التمدح بنفي المحال ولا نُجَوِّز صدوره من الله تعالى لقبحه، لا لكونه تعالى غير قادر عليه بل هو قادر عليه، ولكن لا يفعله لكونه تعالى عدلاً حكيماً وليس ذلك من شأن العدل الحكيم.

وتحقيق المسألة: أن المدح والتمدح بالنفي إن كان راجعاً إلى نفي وصف عن الذات كان إثبات نقيضه نقصاً، ولا يلاحظ في ذلك هل يقدر على الاتصاف بذلك أو لا يقدر عليه كالتمدح بنفي الولد والصاحبة والسِّنَة والنوم ونحو ذلك، وإن كان بنفي فعل فلا يكون نفيه مدحاً إلا إذا كان الممدوح قادراً على فعله كالمدح بنفي الظلم والعبث والكذب ونحوه، فما ذكره الرازي من الاعتراض مغالطة والأمر كما قيل:
من لم يكن آل النبي هُدَاتُه .... لم يأت فيما قَالَه بدليلِ
بل شُبْهَةٌ وتَوهمٌ وخَيَالَةٌ .... ومَقَالَهٌ تُنْبِي عن التضليلِ
وأما الأصل الثاني: وهو أن ذلك تمدحٌ راجعٌ إلى ذاته.
فهو معلوم، ونعني بذلك أن هذا التمدح مرجعه نفي وصف يتعلق بذاته من حيث أنه لا يُرى، فصار كالوصف بأنه لا يُمثل، ولا يُكيف، ولا يُطعَم ولا تأخذه سِنة ولا نوم، وليس من باب التمدح بأمر راجع إلى فعله ككونه تعالى لا يظلم ولا يُظهر على غيبه أحداً، ولا يحب الجهر بالسوء من القول، والفرق بينهما أن ما كان مرجعه التمدح به إلى الذات فإنه لا يصح نقيضه بأي حال كان، وما كان مرجع التمدح به إلى الفعل فإنه قد يصح نقيضه أو ضده، ولذلك صح الاستثناء بقوله تعالى: {إِلا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ } [الجن:27]، {إلا من ظُلِم} [النساء:148]، بخلاف الوصف بأنه لا يمثل ونحوه مما يعود إلى الذات، فلا يصح فيه استثناء ولا غيره مما يرفع ذلك الوصف نفياً كان كما في الآية، أو إثباتاً كوصفه بأنه قادر وعالم وحي، وهذا واضح.
وأما الأصل الثالث: وهو أن كل مدح راجع إلى الذات فإثبات نقيضه نقص.
فذلك معلوم، بدليل أنه إذا تمدح شخص بأنه ليس بشويه المنظر ولا مختل الحواس علم أن إثبات نقائض هذه الأوصاف نقص، وهذا واضح أيضاً.
وأما الأصل الرابع: وهو أن النقص على الله تعالى لا يجوز.
فذلك معلوم وهو إجماع لا يخالف فيه أحد.

معنى الإدراك في قوله تعالى:{لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ{
واعلم أن الاستدلال بالآية الكريمة ينبغي معه معرفة مفردات الكلمات المذكورة فيها باعتبار الحقيقة والمجاز فيستلزم معرفة معنى الإدراك، ومعرفة معنى الإبصار، ومعرفة معنى إسناد الإدراك إلى الإبصار وإلى الله تعالى، وقد جمعنا الجميع في هذه الجملة لتقرير الدلالة على وجه يسقط معه اعتراض الخصوم ويكون منزلة هذه الجملة من الوجهين الأولين بمنزلة التكميل والتحقيق وبمثابة التفصيل والتدقيق، لأن الرازي اعترض استدلال أصحابنا بالآية مع أنها دلالة ظاهرة لا يسبق الفهم عند سماع الآية إلا أن المراد منها هو نفي أن تراه سبحانه وتعالى أعين الناظرين ويخفى عليه شيء من أحوال المبصرين، ولكن العلم نقطة كَثَّرَها الجاهلون.
فاعترض الرازي ذلك الاستدلال بأن قال ما معناه: غاية ما في الآية أن الأبصار لا تدركه.
وهو مسلم لأن الأبصار هي المعاني القائمة بالأحداق وهي لا تراه وإنما يراه الإنسان المبصر بها، فظاهر الآية متروك إجماعاً فلا بد من التأويل حيث قد ترك ذلك الظاهر بالاتفاق، فإمَّا أن يجعلوا الإبصار بمعنى المبصرين بالأبصار فهو تعالى من جملة المبصرين فيدخل في ما شمله العموم في: {وهو يدرك الأبصار {، فيلزم أن يرى نفسه، فصارت رؤيته تعالى جائزة في نفس الأمر غير مستحيلة، وكل من صح أن يرى نفسه صح أن يراه غيره، فتنقلب الآية دليلاً لمثبتي الرؤية لا لمن نفاها.
وكذلك اعترض بأن النفي في الآية موجه إلى كل الأبصار.
وهو مسلم لأن الكفار لا يرونه، لأن هذه سالبة كلية ونقيضها موجبة جزئية، وإذا نفي أحد النقيضين ثبت الآخر لاستحالة ارتفاع النقيضين ونحو ذلك من الاعتراضات التي بلي بها أهل التحقيق والتدقيق.
فينبغي معرفة الثلاثة الأبحاث المذكورة ليتم المراد من الاستدلال، ويعرف بطلان هذين الاعتراضين المذكورين بخصوصهما.

فنقول وبالله نصول: الإدراك يأتي في اللغة بمعنى: اللحوق، يقال فلان أدرك الصحابة، وفلان أدرك فلاناً في محل كذا -أي لحق به-، وبمعنى: البلوغ، يقال قد أدرك الغلام -أي بلغ-، وبمعنى: يناع الفاكهة وصلاحها، يقال: قد أدرك الثمر إذا صلح وينع، وبمعنى: إدراك المحسوس بإحدى الحواس الخمس، فيعلق حينئذ بذلك المحسوس ليميز عن غيره كأدركت صوت فلان في المسموع، أو ريح كذا في المشموم، أو لون كذا أو شبح كذا في المبصر، أو طعم كذا في المطعوم، أو حرارته أو برودته في الملموس، ويقيد بذكر المخصوصة به كأدركت ببصري أو سمعي أو نحو ذلك، فإذا ذكر معه أي الحواس الخمس أو الخمس الجوارح أو الخمس المحسوسات علم أنه المراد، فإن أسند ذلك الإدراك إلى الإنسان نفسه ثم عَدَّى الفعل بعد ذلك إلى تلك الحاسة بحرف الجر كأدركت ببصري فالإسناد على حقيقته،وإن أسند ذلك الإدراك إلى الحاسة أو الجارحة فالإسناد مجازي وهو نوع من الفصاحة والبلاغة ليفيد التأكيد للإثبات في الإثبات كقولك: هذا شيء أدركته الأبصار وعقلته الأفكار، وللنفي في النفي كقولك ما أدركته الأبصار ولا نالته الأفكار، ومنه قوله تعالى: { لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ{ فإن الإسناد إلى الأبصار مجاز، لأنه لا يخفى على عارف باللغة ووجوه البلاغة والفصاحة أنه لا معنى للإسناد الحقيقي إلى نفس المعاني القائمة بالجوارح ولا إلى نفس الجوارح وإنما المراد المبالغة في ذلك، ولأنه لا يشتبه على العارف بالله تعالى وحكمته أنه لا يصح منه تعالى الإسناد الحقيقي إلى المعاني التي هي نفس البصر المركب في العين ونفس السمع المركب في الصماخ اللذين امتن الله على المخلوقين بهما قال تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ} [السجدة:9]، وكذلك لا يصح منه تعالى الإسناد الحقيقي إلى الجوارح التي هي نفس العين ونفس الأذن.

فبهذا علم أن المراد بنفي إدراك الأبصار له هو نفي رؤيته تعالى من المبصرين بالأبصار، وسواء جعلنا الأبصار باقية في معناها الأصلي وهو المعنى القائم بالحدق، أو أريد بها المبصرين بها إلا أنه يفترق الحال بينهما في وجه التجوز، فعلى الأول التجوز واقع في الإسناد نفسه والأبصار باقية على أصلها وحقيقتها، وعلى الثاني التجوز في نفس الأبصار حيث جعلناها بمعنى المبصرين بها والإسناد باق على أصله وحقيقته، وبهذا سقط اعتراض الرازي كيفما أراد إيراده وأينما راود انتشاده.
فإن قلت:أي الوجهين أولى وأرجح، وأي المعنيين أبلغ وأفصح، التجوز في الإسناد وإبقاء الأبصار على حقيقتها، أو العكس حسبما مر إيضاحهما ؟

قلت: في كل منهما قوة وضعف لأنا إذا تجوزنا بالإسناد وأبقينا الأبصار على حقيقتها فهو قوي في {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ { لكنه ضعيف في:{ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ{ إذ المعلوم أنه ليس المراد من الآية أنه تعالى يدرك المعنى القائم بالحدق لأنه تعالى يدرك ذلك المعنى وغيره من سائر المدركات وجميع المعلومات فلا وجه لتخصيصها بالذكر من هذا الوجه،وإن تجوزنا في الأبصار وجعلناها بمعنى المبصرين وأبقينا الإسناد على حقيقته فهو قوي بالنظر إلى إفادة المطلوب، لكن بقاء الإدراك على حقيقته في {وَهُوَ يُدْرِكُ{لا يتأتى، لأن الإدراك في حقه تعالى ليس على حقيقته بل عبارة عن العلم بالمدرك، لأنا قد بينا أنه حقيقة في الإحساس بإحدى الحواس الخمس ويلزم معه العلم بالمدرك، فاستعماله في حق الله تعالى من استعمال اللازم في الملزوم وذلك نوع من المجاز، فالأَولى أن يقال: أنه لا مانع من أن يؤخذ من كل من الوجهين بالطرف الأفصح والأرجح بطريقة الاستخدام بين الحقيقة والمجاز فيجعل الإدراك المنفي في قوله {لا تُدْرِكُهُ{ألا تتركه على حقيقته وهو الإحساس بإحدى الحواس، ويجعل الإدراك المثبت في قوله:{وَهُوَ يُدْرِكُ{مجازاً عن العلم، ثم بعد هذا تجعل الأبصار الأَوَّلَة على حقيقتها فيصير التجوز في إسناد الإدراك إليها لا في نفس الإدراك فلا بد من بقائه على حقيقته بكل حال، أو بمعنى المبصرين بالأبصار فيصير التجوز فيها لا في الإسناد ولا في الإدراك، وأيَّمَّا كان من الاعتبارين فالأبصار الثانية إما أن تجعل تابعة للأولى بأن يجعل الكل على حقيقته أو على مجازه أو نخالف بينهما بأن نجعل الأولى في حقيقتها والثانية في مجازها على سبيل الاستخدام أيضاً، فإن جعلناها في الكل حقيقة فلا يحسن إلا مع قصد المبالغة في الثانية بأنه تعالى يدرك البصر الذي هو المعنى القائم بالحدق الذي يستحيل عليكم أن تدركوه بأي حاسة من حواسكم، فكيف لا يدرككم أو يخفى عليه شيء من حالاتكم ويصير هذا كقوله تعالى: { يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ } [غافر:19]، ونحو ذلك مما لا يتمكن من العلم به بواسطة الحاسة ؟ وإن علم لنا وجوده بالدليل كما نعلم وجود البصر في العين بحصول المقتضىَ عنه وهو الإدراك، فهذا وجه بليغ لا غبار عليه، وإن لم تقصد معه المبالغة فهو ضعيف كما مر إيضاحه فلا ينبغي حمل الآية عليه،وإن جعلناها في الكل مجازاً بمعنى المبصِرين فهو ضعيف أيضاً إلا مع القيد المذكور بأن يقال المبصرين بالأبصار، وإن خالفنا بينها بأن جعلناها في الأول على حقيقتها وفي الثاني بمعنى المبصرين فلا يحسن إلا مع القيد المذكور، أو جعلنا الأولى بمعنى المبصرين والثانية على حقيقتها فمع ذكر، القيد في الأولى وقصد المبالغة في الثانية يصير وجهاً بليغاً في غاية من البلاغة والإفادة والإجادة، ولعل أن الاعتبار الأول في منزلته ومنهما يعرف سقوط كلام المعترض بقوله: فهو تعالى من جملة المبصَرين فيدخل فيما شمله العموم الخ الاعتراض المذكور، لأنه لم يرد بالأبصار الثانية مطلق المبصرين فيدخل سبحانه في جملتهم، وكذلك على سائر الاعتبارات المذكورة مهما قيد المبصرين بقولنا: بالأبصار، وإنما يرد الاعتراض على أحد الاعتبارات المذكورة وهو حيث أريد بالأبصار بالثانية المبصرين من دون القيد المذكور، وقد بينا أنه أضعف الوجوه والاعتبارات فلا ينبغي حمل الآية عليه، لأن كلام الله تعالى يجب حمله على أبلغ الوجوه والاعتبارات.
فهذا الكلام في تقرير الاستدلال بالآية الكريمة وإبطال الاعتراض الأول، فلنثني العنان حينئذ إلى إبطال الاعتراض الثاني.

فنقول وبالله نصول: قد حرر الرازي هذا الاعتراض على طريقة المَنَاطِقَة من أن السالبة الكُليِة نقيضها موجبة جزئية، فيلزم من نفي السالبة الكُلِيَّة إثبات الموجبة الجزئية فقوله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ {، بمنزلة لا تدركه كل الأبصار وهذه سالبه كلية، وحيث أنها منفية يلزم ثبوت نقيضها ونقيض السلب الموضوع له حرف النفي الإيجاب ونقيض الكل المعلوم من صيغة العموم البعض فيصير التقدير بل تدركه بعض الأبصار، وهذا الكلام كما تراه غير جار على قواعد الاستدلالات القطعية لأن مداره على الأخذ بالمفهوم، وهو لا يعمل به في الفروع إلا إذا لم يعارض المنطوق، فكيف يصح العمل به في الأصول المطلوب فيها القطع مع أنه معارض لأدلة العقول وجملة صرائح من المنقول، فإذاً لا يلتفت إلى هذا الاعتراض الساقط الأركان المنهدم البنيان، لكنا نناقش فيه لنكشف بطلان ما عَوَّل عليه.
فنقول: هذا التأويل العليل والتحرير الذي ما عليه من دليل مبناه على أن النفي موجه إلى سلب العموم، ولسنا نسلمه بل هو في الآية موجه إلى عموم السلب لأن لا نافية للجنس والماهية من حيث هي فهو كقوله تعالى: {وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً} [آل عمران:80]، فكما أنه لا يصح أن يقال تقدير الكلام لا يأمركم أن تتخذوا كل الملائكة وكل النبيين أرباباً بل يأمركم أن تتخذوا بعض الملائكة وبعض النبيين أرباباً كذلك لا يصح أن يقال: لا تدركه كل الأبصار بل تدركه بعض الأبصار.

وبعدُ فإنما كان تستقيم له هذه الدعوى لو كانت لفظة كل مذكورة في الكلام مصرح بها بأن يكون لفظ الآية: لا تدركه كل الأبصار، فأما مع عدمها ودعوى تقديرها فلا يسلم له ما يفرعه من أنه يفهم منه بل تدركه بعض الأبصار، لأنك إذا قلت: زيد لا يتزوج النساء. كذبت هذه القضية بتزوجه واحدة من النساء لتوجهه إلى الجنس والماهية دون الجملة والكل المجموع بخلاف ما لو صرحت بلفظة كل بأن قلت: زيد لا يتزوج كل النساء، لم تكذب هذه القضية بأن تزوج واحدة أو اثنتين أو أكثر لاحتمال أن المراد لا يتزوج كل النساء بل يتزوج بعض النساء.

فعلمت بهذا الكلام أن سلب العموم الذي بنى عليه المعترض استدلاله إنما يستقيم على التنزل لو ذُكرت لفظة كل، وهذا واضح لمن أنصف دون من حاد عن الحق وتعسف.
وبعدُ فالآية واردة مورد المدح إجماعاً، ولا مدح له تعالى في أنه لا تدركه كل الأبصار، بل تدركه بعض الأبصار لأن كل أحد من البشر والحجر والشجر وأكثر المرئيات كذلك لا تدركها كل الأبصار بل تدركها بعض الأبصار، فيبطل المدح له تعالى بذلك لعدم الاختصاص بذلك الوصف، وهذا أيضاً واضح بلا ريب ولا شبهة.
فثبت استدلال الأصحاب بهذه الآية الكريمة على الوجه الذي لم يبق للمخالف مطمع ولا موضع للمنازعة إلا مجرد الاعتساف والارتكاب لمتن الخلاف ولله الحمد.


دليل على أنه تعالى لا تصح عليه الرؤية بحال من الأحوال

[ و ] مما يدل على أنه تعالى لا تصح عليه الرؤية بحال ما [ قالـ ]ـه تعالى [ لموسى عليه السلام لما سأله الرؤية ] بقوله: {رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ [ لَنْ تَرَانِي ] وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي{ الآية{الأعراف:143]، ووجه الاستدلال بها أن لن موضوعة في لغة العرب للنفي المؤبد ما لم تقيد بما يرفع التأبيد كما حكى الله تعالى عن مريم عليها السلام: {فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا} [مريم:26]، فلولا أنها قيدت نفي تكليمها عليها السلام بذكر اليوم لاقتضى النفي المؤبد كما في قوله تعالى: {لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا} [الحج:73]، {لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا } [الحج:37]، {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ } [آل عمران:92]، {لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا} [المجادلة:17]، وقد نفى الله الرؤية عن موسى عليه السلام بلفظة {لن { ولم يقيده بوقت فاقتضى التأبيد، ثم أكد نفي الرؤية بأن علقها بشرط مستحيل حصوله وهو أن يكون الجبل مستقراً حال أن جعله دكاً - أي مدكوكاً- مصدر بمعنى اسم المفعول، والدَّك: الدَّق، فجعله سبحانه مدكوكاً مُسَوَّى بالأرض، وجعل الرؤية بأن يراه مستقراً جبلاً على حالته الأولى في حالة جعله دكَّاً مسوى بالأرض، وقيل: إن دَكّاً بمعنى: متحركاً:{إِذَا دُكَّتْ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا} [الفجر:21]، - أي حُرِّكَت -كما في قوله تعالى: { إِذَا زُلْزِلَتْ {، فيكون أيضاً مما علق بالمحال فهو محال، لأن استقرار الجبل حال تحركه محال، لأنه جمع بين النقيضين من حيث أن الاستقرار هو السكون الذي هو نقيض الحركة، فاجتماعهما في حالة واحدة محال، وما علق بالمحال فهو محال كما في قوله تعالى في حق الكفار: {وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ } [الأعراف:40]، وكقول الشاعر:
وأقسم المجدُ حقاً لا يُخَالِقَهُمْ .... حتى يُخالقُ بطنُ الراحةِ الشعرُ
فإن قيل: أليس أن الله تعالى قادر على أن يجعل الجبل مستقراً بعد أن جعله دكاً أو جعله متحركاً، فكيف جعلتم استقراره بعد ذلك محالاً وليس بمحال بل هو جائز، وما علق على الجائز فهو جائز، وقد عُلِّقت الرؤية بذلك فهي إذاً جائزة؟
قلنا: لم يجعل الله الرؤية متعلقة باستقرار الجبل بعد أن صار دكاً أو متحركاً بل حال أن صار كذلك وفرق بين الأمرين، فإن جَعْلَه مستقر في حال كونه دكاً أو متحركاً يلزم منه الجمع بين النقيضين بخلاف جعله مستقراً بعد أن صار مدكوكاً أو متحركاً فلا كلام أنه ليس بمحال، إذ لا يؤدي إلى الجمع بين النقيضين وأن الله على كل شيء قدير، لكن لم تكن الرؤية معلقة على ذلك.
دليله: أن الرؤية لم تحصل لموسى عليه السلام وقد استقر الجبل وعاد إلى حالته التي كان عليها، فعلم أنها لم تعلق باستقراره بعد الدك بل حاله.
وقد أكثر المخالفون التشبث في هذه المسألة بسؤال موسى عليه السلام الرؤية، وقالوا: لو كانت مستحيلة في حق الله تعالى لما سألها عليه السلام سيما وهو أعلم الناس بالله وكليمه وصفيه؟

[ و ] الجواب عليهم وبالله التوفيق: أنه لما أكثر قوم موسى التعنت عليه وقالوا له: أرنا الله جهرة، ولم يقنعوا بالأدلة العقلية في إثبات الصانع تعالى وتوحيده وعدم تجسيمه وتجسيده تعالى، وأنه لا يشبه الأشياء ولا يجوز عليه تعالى ما يجوز عليها من الرؤية ونحوها حتى علقوا إيمانهم لموسى عليه السلام بالصانع وما يترتب عليه من نبوة موسى عليه السلام وسائر ما جاء به على رؤية الله تعالى، وقالوا له: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فأراد عليه السلام أن ينضم إلى أدلة العقل دليل سمعي يقطع عنده حجاجهم وينقطع بعده لجاجهم، وسلك في طلب ذلك الدليل أبلغ مسلك ليكون أبلغ وأقطع لمحاججتهم بأن أسند الرؤية إلى نفسه ليعلموا أنه إذا مُنِعَها مع كونه كليم الله وحبيبه فهم بالمنع أولى بخلاف ما لو أسندها إليهم وقال: أرهم ينظرون إليك، لبقي الشغب معهم ومع غيرهم من أهل الضلال بأنهم إنما مُنِعُوها لكونهم ليسوا من أهلها، ولو سألها لنفسه لأُجيب إلى ما سأل فظهر بهذا أنه [ لم يسأل موسى عليه السلام الرؤية لنفسه، بل عن قومه، ] ولم يقل المؤلف عليه السلام لقومه، لئلا يوهم بذلك أنها تصح لهم أو له، ولو قال: بل لقومه، لأوهم جوازها لهم وله من باب الأولى، فعدل عن اللام المفيدة الجواز والصحة إلى عن التي لا تفيد ذلك، وإنما قلنا: إن موسى عليه السلام لم يسأل الرؤية لنفسه لدليلين:

أحدهما: ما ذكره المؤلف عليه السلام بقوله [ كما حكى الله عز وجل في قصص قومه ] في قوله تعالى خطاباً لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى موسى وعلى سائر الأنبياء وآلهم الطاهرين: { يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنْ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ [ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً ]} [النساء:153]، فقضت هذه الآية أن سؤال أهل الكتاب الرؤية أمر فضيع، واعتقادها قبيح شنيع فضيع، وأشنع في القبح من سؤالهم لنبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم كتاباً غير القرآن مع أن سؤالهم كتاباً غير القرآن كفر بلا ريب فكيف بما هو أكبر منه إثماً وأغرق ظلماً، لذلك عقب هذه الجملة بقوله عز وجل {[ فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَةُ ] بِظُلْمِهِمْ } [النساء:153]، وقرنها بالفاء المفيدة التعقيب والتسبيب لأخذ الصاعقة إياهم حتى هلكوا وماتوا من حينهم وسيما ما طلبوه ظلماً وأي ظلم {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ{ [ و ] إذا كان اعتقاد وجواز الرؤية وطلبها أكبر من سؤال كتاب غير القرآن وسبباً لإهلاك من طلبها واعتقدها وتسميته ظالماً، وجب أن ينزه عنها موسى عليه السلام لأنه [ لو سألها ] عليه السلام [ لنفسه ] وشاركهم في اعتقاد جوازها على الله تعالى [ لصعق معهم، ] ولكان ظالماً مثلهم، وذلك مما ينزه عنه الأنبياء عليهم السلام إجماعاً، وإنما قلنا: لو سألها عليه السلام لنفسه لصعق معهم ولكان ظالماً مثلهم، لأنه حينئذ يكون قد شاركهم في السبب والعلة التي لأجلها نزلت بهم الصاعقة وسموا ظالمين، لأن الاشتراك في السبب والعلة يوجب الاشتراك في الحكم، وهذا واضح كما ترى.

الدليل الثاني: على أنه عليه السلام إنما سألها عن قومه و المخالف مسلم لنا أن الرؤية لا تجوز على الله تعالى في الدنيا والسؤال وقع لطلبها في الدنيا، فأما أن يكون سألها وهو عالم بأنها لا تجوز على الله تعالى في الدنيا فذلك اقتراح وطلب لما لا يجوز، وأما أن يكون طلبها وهو غير عالم بأنها لا تجوز على الله تعالى في الدنيا فذلك جهل شديد، وحاشا نبيه وكليمه وصفيه عن ذلك لقد برأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيهاً، وأما قوله تعالى: { وخر موسى صعقاً {، فإنما أُغمي عليه عليه السلام لشدة ما رأى من حالهم عند أن أخذتهم الصاعقة بدليل قوله تعالى: { فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ { الآية {الأعراف:143].
ولما رأى الخصوم تحرير هذا القول الفصل أرادوا الانفصال عنه بما لا محصول له من الكلام الهزل، فقالوا: إنه لم يكن عقابهم بالصاعقة ووسمهم بالظلم لمجرد كونهم طلبوا الرؤية فقط بل لأنهم اقترحوها من بين سائر المعجزات وعلقوا إيمانهم عليها، ولم يعتبروا المعجز من حيث هو كما هو الواجب في حق المعجز؟

والجواب عليهم: أن الفاء موضوعة للسببية فيقتضي أن ما ذكر بعدها سبب عما ذكر قبلها، ولو صح ما ذكروه من التأويل الفاسد والتعليل الكاسد لبطلت الأحكام الشرعية وغيرها من الأمور المسببة عما قبلها والمقرونة بفاء السبب نحو زَنَى ماعز فرجم، وسَرَقَ فلان فقطع، ولجاز لقائل أن يقول إن الرجم ليس مسبباً عن الزنا مع الإحصان، وإن القطع لم يكن مسبباً عن السرقة، وهذا معلوم البطلان مع أن الرؤية لو كانت جائزة لكان طلبها مثل طلب سائر المعجزات في الجواز والإباحة ولا حرج في طلب ما يوصل إلى معرفة الحق كيفما كان، ألا ترى أن الرسل صلوات الله عليهم لم تزل تطلبهم الأمم الذين أُرسلوا إليهم المعجزات ويقترحونها عليهم حسبما يريدون، فإن كانت المصلحة في ذلك أظهره الله عليهم وإلا فلا من دون أن ينزل بهم ما نزل بهؤلاء الذين طلبوا من الله تعالى مالا يجوز في حقه وما يقتضي الإشراك به تعالى ومشابهته لخلقه، ومن أعظم خطبهم في هذه القصة وفرط غلطهم ولغطهم في هذه الآية قالوا: إن موسى عليه السلام لما علم بجواز رؤيته تعالى طلبها في دار الدنيا فأخبره الله تعالى أنه لا يراه في الدنيا، وصار ذلك أصلاً عنده وعند بني إسرائيل مقرراً أنه لا يراه في دار الدنيا والخبر واجب الصدق، وبعد استقرار هذا الأصل المعتقد طلب بنو إسرائيل الرؤية في دار الدنيا تعنتاً أو شكاً في الخبر فأنزل الله تعالى بهم تلك العقوبة.
قالوا: فكان طلب موسى عليه السلام الرؤية جائزاً لأنه طلبها قبل العلم أنها لا تجوز على الله تعالى في الدنيا، وطلب قومه الرؤية غير جائزة لأنه بعد أن قد علموا أنها لا تجوز على الله تعالى، ولو كان طلبها عليه السلام له لا يجوز لكان حكمه حكمهم، ومعاذ الله لقد برأه الله من ذلك وكان عند الله وجيهاً، هذا ما قاله أحمد في حاشيته على الكشاف.

والجواب :-

كما ذكره القرشي رحمه الله تعالى في المنهاج بقوله: فيقال للخصوم: إما أن تزعموا أن سؤال الرؤية كان مرتين، وهذا شيء بعيد لأنه كيف يسألها موسى وقد صعق قومه عند سؤالها وعلم تعذرها أو يسألها قومه وقد صعق هو عند سؤالها لهم وهو نبي الله وكليمه، وإما أن تعترفوا أن السؤال كان مرة واحدة، فلا يمكنهم القول بأن سألها لنفسه لأنه لو كان كذلك لما كان لهم ذنب فصعقوا من أجله، ولبطل ما علمناه من إضافتها إليهم في قولهم: أرنا الله، وهذا من أوضح دليل على أنه سألها عن قومه. انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وقد ذكر شيخنا رحمه الله تعالى في حاشيته أن الخصوم يجعلون طلب الرؤية مرتين وأنها قضيتين لأنه عليه السلام سأل ربه أن يريه نفسه المرة الأولى ولم يكن معه قومه والصاعقة في المرة الأخرى، وأكثروا الكلام في هذا، وزعموا أن الزمخشري بنى تفسير هذه الآية على التلبيس ليتم له مذهب قومه. قال: ولم أجد من أجاب عنه إلا أن المَقْبَلِي في الإتحاف قال: هو أجل قدراً من أن يكون بنى التفسير على التلبيس ولكنه سهى فخلط القصتين. قال وأورد مضمون ما قالوا الأمير الحسين عليه السلام في الينابيع وأفاد في الجواب ومعناه قالوا: القصة الأولى حين ذهب للمناجاة والصاعقة حين ذهب للألواح، وأجاب ما معناه: أنا لا نسلم لأن بعد سؤال الرؤية قال تعالى: { ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ } [النساء:153]، فلو كانت الصاعقة بعد اتخاذ العجل ما قدم الآية عليها، قال: قال الديلمي عليه السلام في تفسير {وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ } [الأعراف:155]: هو الميقات الأول الخ ما ذكره رحمه الله تعالى.

قلت: يفهم من هذا الكلام جميعه أن السؤال على كلام الأمير عليه السلام لم يكن إلا مرة واحدة وأنها قصة واحدة، وعلى كلام الإمام الناصر أبي الفتح الديلمي في تفسيره المعروف بالبرهان في تفسير القرآن وصرح به المقبلي في الإتحاف أنها قصتان، فأما تكرر السؤال ووقوعه فيهما معاً فلا مأخذ فيما حكاه عنهما له فلتتأمل المسألة لتكمل الإفادة ويتضح الحق بطلب الإجادة، والأظهر والله أعلم أنه لا يمتنع تكرر السؤال منهم فقط لا منه عليه السلام كما ذكره أحمد في حاشيته على الكشاف من أن التكرر كان بوقوعه من موسى عليه السلام أولاً لنفسه ثم بسؤال قومه ثانياً، ولا كما يفهمه كلام الأمير المؤلف عليه السلام عنهم أنه عند القصة الأولى حين ذهب للمناجاة وعند الصاعقة حين ذهب لأخذ الألواح، بل التكرر باعتبار طلبهم له عليه السلام أن يريهم الله جهرة وقولهم: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة، فلما لم يرعووا عن غيهم أراد أن يسمعهم الدليل السمعي فقال: ربي أرني، على نحو ما سبق أنه عن قومه، بل هذا هو الظاهر أعني أن السؤال متكرر باعتبار وقوعه منهم لا منه، فأما ذهاب موسى لميقات ربه فليس في القرآن ما يدل على أن ذلك مرتين ولا ما يدل على أنه مرة فقط، بل من تأمل آياته وتدبر مدلولاته علم أن الأمر محتمل، ومحتمل لأنه قال تعالى في سورة البقرة: { وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ } [البقرة:51]، ثم ساق الآيات في العفو عنهم وإيتاء موسى الكتاب والأمر بقتلهم عن اتخاذهم العجل حتى قال: { وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمْ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنظُرُون o ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [البقرة:55،56]،وهذا كما ترى يحتمل أنه ذهب إلى الجبل غير المرة الأولى المذكورة{ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً{، إذ لم يذكر فيها ذهاب قومه معه، ولم يذكر فيها أخذ صاعقة ولا وقوع رجفة، فيكون قولهم: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً في المرة الثانية، لذلك أُفردت لها آية أخرى وخطاب متجدد وذكر فيها أخذ الصاعقة لهم وتوسطت بينهما الآيات المذكورة في شأن العجل وإيتاء الكتاب والأمر بقتل أنفسهم، ويحتمل أنها قصة واحدة وإنما ذهب إلاّ مرة واحدة وقومه معه والسؤال وأخذ الصاعقة إياهم كان فيها، إذ لا يمتنع أن ما ذكر في الآية الأولى وما ذكر في الآية الأخرى إخبار عن قصة واحدة وإن توسطت بينهما الآيات في شأن العجل وإيتاء الكتاب، فذلك لا ينافي اتحاد القصة وإنما حسن توسيط الآيات في شأن العجل وإيتاء الكتاب لأن الذين اتخذوا العجل هم أصحاب السامري وكان ذاك عند أن كان موسى ومن معه من السبعين الرجل المختارين في الجبل والسامري وأصحابه ممن استخلف موسى هارون عليهم وإيتاء موسى الكتاب كان عند أن كان موسى ومن معه في الجبل، فلما كانت الأربعون الليلة ظرفاً للمجموع كان لا مانع من توسيط ما ذكر بين الآيتين المسوقتين لقصة واحدة، وكذلك قوله تعالى في سورة الأعراف فإنه قال تعالى: { وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ o وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ o قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنْ الشَّاكِرِينَ o وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ{ الخ الآيات {الأعراف: 142-145]، المذكورة في شأن الكتاب.
وهذا أيضاً كما ترى لم يذكر فيها أن قومه كانوا معه ولأن الصاعقة كانت فيها، ثم ذكر قصة العجل بقوله: { وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا } [الأعراف:148]، أو المراد بعض قوم موسى وهم أصحاب السامري إذ المعلوم أنه لم يتخذه إلا السامري ومن تبعه، ثم ساق عدة آيات في شأن العجل ونحوه إلى قوله: { وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا } [الأعراف:155]، وهذا كما ترى يحتمل نحو ما ذكرنا في آيات سورة البقرة أنهما قصتان الأولى ذهب فيها موسى وحده وفيها وقعت مناجاته لربه وسأل الرؤية لكنه لا يستقيم أن السؤال لقومه لأنهم على هذا لم يكونوا معه، وهو محمول على أحد تأويلي الزمخشري والمتوكل على الله وهو تفسير القاسم والهادي والحسين بن القاسم وغيرهم عليهم السلام فقالوا: لم يسأل موسى الرؤية نفسها بل سأله تعالى أن يريه آية من عظيم قدرته تعالى ينظر بها إليه أي يُعلمه تعالى بها علماً ضرورياً كما قال إبراهيم عليه السلام { رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة:260]، فقال تعالى: {لَنْ تَرَانِي{ أي لن تقدر على أن ترى آية من عظيم آياتي الباهرة، ولكن انظر إلى الجبل الذي هو أعظم منك كيف يكون حاله فإن استقر مكانه بعد أن أفعل به ما تراه فسوف تراني- أي فستعلم - الآية العظيمة، فلما ارتج الجبل وادك لم يملك موسى نفسه أن خر مغشياً عليه { فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ { الآية.
قال شيخنا رحمه الله: وهذا عجيب إلا أن المأثور والظاهر خلافه ذكره في سمط الجمان بأخصر من العبارة المذكورة وذكره في الكشاف أخيراً بالمعنى وزيادة بعض ونقصان بعض كما يظهر لمن طالع الجميع، لكنا أخذنا المعنى من الجميع مع بعض تصرف للإيضاح.
قلت: وعلى هذا التأويل يسقط احتجاج الجميع بالآية الكريمة، وحيث أن القائل به من قد رأيت من العلماء الأعلام والأئمة الكرام فلا يمتنع صحته، والله أعلم، ولعله يحتمل معه أنهما قصتان: إحداهما: كان منها ما ذكره وكان وحده عليه السلام. والأخرى: كان فيها قومه معه وقالوا له: أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم.

ويحتمل أنها قصة واحدة على نحو ما سلف من توجيه ذلك عند ذكر آيات البقرة، وأما على ما يقتضيه كلام الإمام الناصر في البرهان في تفسير: { وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً{، أنه الميقات الأول، فالأمر بالعكس من الترتيب المذكور والآية وإن تأخرت في الذكر في القرآن فما تضمنته واقع قبل إيتاء الألواح في الميقات الثاني، فيكون على هذا أنه ذهب في المرة الأولى للمناجاة وقومه معه فقالوا له: { أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمْ الصَّاعِقَةُ {، وفي الآية السابقة قوله: { رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ { الخ كان أيضاً هو الظاهر من قوله: { فَلَمَّا أَخَذَتْهُمْ الرَّجْفَةُ{الخ، كان فيها ذهب لأخذ الألواح المعبر عنها بإيتاء الكتاب، ويستبعد معه أنه قال { رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ {على التأويل الثاني، لأن إيتاءه الألواح آية تغني عن طلب غيرها مع أنه قد تقدم قبل ذلك ما هو من أعظم الآيات كقلب العصا حية وتلقفها ما يأفكون، وإغراق فرعون ومن معه في اليم، وعلى التأويل الأول أبعد بل ممتنع لأنه إذا قد كان ذلك في القصة الأولى التي عبر عنها عليه السلام بقوله هو الميقات الأول وأخذتهم الصاعقة إذ ذاك، فكيف يستقيم أن يكون مثل ذلك في الميقات الآخِر؟

وأقول والله أعلم: لا طائل تحت هذا النزاع والاختلاف في أنها قصة أو قصتين لأن عمدة الاستدلال هو قوله تعالى: { لَنْ تَرَانِي {وتسميته الله سبحانه وتعالى سؤال الرؤية ظلماً وأنه أكبر إثماً من سؤال كتاب غير القرآن وجعله سبباً لأخذ الصاعقة إياهم، وهذا لا يفترق الحال فيه بين أن يكون واقعاً في قصة واحدة أو في مجموع قصتين غير أن الواجب تنزيه موسى عليه السلام أن يسأل الرؤية لا عن قومه لئلا يشاركهم في تلك المعصية، وأن يكون تكرر منه السؤال لاستلزام العبث والتعنت منه عليه السلام إن أجيب عليه عند السؤال الأول أو ترك البيان عند الحاجة منزلته بعد ما جاءته واطراح سؤاله إن لم يجب عليه إلا عند السؤال الثاني.
قالوا: لو كان السؤال لقومه لما خر صعقاً ما ذاك إلا أنه لنفسه؟.
قلنا: ولو كانت الرؤية جائزة عليه تعالى لما خر صعقاً إذ لا ذنب لمن طلب ما هو جائز.
قالوا: إنما كان ذلك به لطلبها في الدنيا وهي جائزة في نفسها وإنما محلها الآخرة؟
قلنا: فيلزم أنه عليه السلام إما جاهلاً لعدم جوازها في الدنيا ففي ذلك نسبة الجهل إليه، أو عالماً ففي ذلك نسبة التجاري إليه والكل لا يجوز.
قالوا: لو كان السؤال لقومه لما صحت منه التوبة ما ذاك إلا أنه لنفسه حين لا تجوز؟.
قلنا: ولو كان لنفسه مع أنها جائزة ما صحت منه التوبة فما أجابوا به فهو جوابنا، وقولهم: ما ذاك إلا أنه لنفسه حين لا تجوز، يلزم تجهيله أو نسبة التجاري إليه.

والتحقيق: أنه عليه السلام لما أكثر قومه السؤال وعلقوا إيمانهم على الرؤية استعجل في الرد عليهم قبل المؤاذنة، فكانت منه خطيئة كما يصدر من سائر الأنبياء عليهم السلام نحوها من الصغائر [ فلما لم يقع منه عليه السلام خطيئة إلا سؤاله لهم الرؤية من دون ] تقدم استئذان ولا انتظار وحي يقع معه [ إذن، ] من الله أو مَنْع، اعتذر عليه السلام بالتوبة [ قال لربه عز وجل ] { رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ [ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ]{، وفي آية أخرى { أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ } [الأعراف:173].
وأما السنة: فأخرج أبو القاسم الكعبي في السنة وابن ناجية الأصفهاني عن أبي الزبير عن جابر قال صلى الله عليه وآله وسلم: " اعلموا أنكم لن تروا الله في الدنيا والآخرة "، وفي لفظ الفقيه حميد اعلموا.
وأخرج الرَّامَهُرمزي والحاكم أبو سعيد عن سمرة بن جندب: " أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وآله وسلم هل نرى ربنا في الآخرة؟ فانتفض ثم سقط فلصق بالأرض وقال: "لا يراه أحد ولا ينبغي لأحد أن يراه ".
وروى أبو رشيد مرسلاً عنه صلى الله عليه وآله وسلم: " لن يرَ الله أحد في الدنيا والآخرة ".
وروى المؤيد بالله عليه السلام مرسلاً عن أبي ذر قلت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم هل رأيت ربك؟ فقال: " نور هو أنَّا أره " قال المؤيد بالله عليه السلام معناه: نور هو لا أراه.
وأخرج أبو رشيد في الخلافية: أخبرنا عمران بن أحمد أن النيسابوري وأبو بكر المقري، قالا أخبرنا أحمد بن علي بن المثنى بن عيسى بن هلال الموصلي قال: حدثنا محمد بن المنهال عن عمر بن حبيب عن خالد الحذاء عن أبي ذر فذكره، وأخرجه أبو يعلى والسيد محمد بن يحيى.

وأخرج البخاري والترمذي والحاكم وأبو سعيد عن عائشة أنها سُؤِلت هل رأى محمد ربه؟ قالت: يا هذا لقد قُفَّ شعري مما قلت، ثلاثاً من حدثكهن فقد أعظم على الله الفرية من قال: إن محمداً رأى ربه، والله تعالى يقول: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ{الخ الخبر. ذكر هذا كله شيخنا صفي الإسلام رحمه الله في السمط، ونقل عن أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء صلوات الله عليهما وابن عباس وزين العابدين عليه السلام ومجاهد والحسن وغيرهما من التابعين صريح أقوالهم بنفي الرؤية في الدنيا والآخرة، فلا نطيل الكلام بذكره فليؤخذ من ذلك الكتاب.

بعض شبه المخالفين حول الرؤية عليها

تتمة نذكر فيها بعض شبه المخالفين، فمنها: من جهة العقل أنهم قالوا: هو تعالى موجود فتصح رؤيته.
قلنا: لا نسلم أن كل موجود تصح رؤيته، أوليس أن كثيراً من الموجودات لا تصح رؤيته كالقدرة والعلم والحياة والعقل والروح ونحوها؟!.
والتحقيق: أن الوجود ليس هو المصحح لرؤية المرئيات وإلا لزم رؤية كل موجود، وإنما المصحح لرؤية المرئي صفته الذاتية من كونه جسماً كثيفاً أو لوناً لا غير، لذلك انقصرت الرؤية عليهما دون سائر الموجودات، وهذا واضح بلا ريب.
قالوا: القول برؤيته تعالى لا يستلزم حدوثه تعالى، فلا محذور في ذلك، فيجب القول بصحتها.
قلنا: والقول بنفي صحة رؤيته تعالى لايستلزم حدوثه تعالى، فلا محذور، فيجب القول بنفي صحتها فيقتضي القولان وقوع التناقض وهو محال، فلا بد من إبطال أحدهما وبقاء الآخر والجزم بصحته وثبوته، فنقول قولكم: لا يستلزم حدوثه، غير مسلم لأن الرؤية هي تعلق البصر بالمبصَر، ومن المعلوم أن ذلك التعلق يستحيل بلا متعلق فلا بد له من متعلق إما ذاته المقدسة كانت إذاً مُعترضا لحدوث الإبصار والإدراك، وما كان معترضاً لحدوث الحوادث كان محدثاً لأن هذا هو الدليل على حدوث الأجسام لما كانت محلاً ومُعترضاً لحدوث الأعراض، وإن كان المتعلق غير ذاته المقدسة كان المرئي غيره بخلاف ما قلناه من نفي الرؤية فلا يتطرق إليه شيء يقتضي الحدوث، وإذا كان نقيضه يقتضي الحدوث كما أوضحناه وجب القول به ولزم الجزم باستحالة رؤيته تعالى بكل حال، ولا يمكن فيما قالوه لو سلمنا على التنزل أن الرؤية لا تدل على الحدوث حصول نتيجتهم المطلوبة وهي وقوع الرؤية لأن غايته صحة الرؤية لا وقوعها، إذ ليس كلما صحت رؤيته وقعت عليه وإلاَّ لزم في كل مرئي أن تقع عليه رؤية كل راءٍ والمعلوم خلافه، ولهذا اعترف نقادهم أنه لا دلالة من جهة العقل على وقوع الرؤية وقصروا الاستدلال على السمع فقط.

وقال الرازي في مفاتيح الغيب عند تفسير قوله تعالى: {لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ{ مستدلاً على الرؤية من جهة العقل: إن القول برؤيته تعالى يؤدي إلى العلم اليقيني بوجوده تعالى وحقيقته، فيجب القول بذلك.
قلنا: وسائر الحواس الخمس توصل إلى العلم بوجود سائر الموجودات، فيجب القول بأنه تعالى يدرك بالحواس الخمس، إذ ذلك أبلغ من اليقين بوجوده تعالى فيكون تعالى مطعوماً وملموساً ومشموماً ومسموعاً ومبصراً، والعجب كل العجب من مثل هذا التحرير يصدر من مثل ذلك النحرير لولا اتباع الأسلاف، وإلا فالمعلوم بالضرورة اليقينية أن البعث والإعادة لجميع الخلق إلى عرصة المحشر ومشاهدة الجنة والنار وجميع أهوال القيامة ملجي إلى العلم الضروري بالله تعالى وبوجوده سبحانه، فلا حاجة إلا ارتكاب نحو هذه الخرافة، ولكل جواد كبوة ولكل صارم نَبْوَة، ولقد كان يكفيه الاعتراف كغيره من الأشاعرة أنه لا دلالة في العقل ويقتصر في دعواه على ذلك المذهب الباطل والاعتقاد العاطل على السمع.
وأما شبهتهم من جهة السمع:
فقالوا: قال تعالى: { وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ o إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ {، {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ } [الأحزاب:44]، {كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ } [المطففين:15]، فدلت الآيات على وقوع الرؤية للمؤمنين ثواباً لهم.
قلنا: قد دلت الآيتان المذكورتان والأحاديث في استدلالنا على انتفاء الرؤية وهي صرائح لا تحتمل التأويل، فيستحيل أن تدل هذه الآيات على الرؤية وإلا لتناقض القرآن في دلالته، ولكذبت الأحاديث المذكورة، وحينئذ فيجب تأويل ما احتجوا به من أن النظر بمعنى الانتظار كقوله تعالى: {فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ } [النمل:35]، وقال الشاعر:
وكنا ناظريك بِكُلِّ فَجٍّ .... كما للغيثِ تُنْتَظَرُ الغمامُ

وهو شائع كثيرٌ أو أن {إلى} بمعنى النعمة واحدة الآلاء، واللقاء لا يستلزم الرؤية يقال لقي الضرير الأمير، وقد قصروها على المؤمنين فلو كان يدل على الرؤية لناقض ذلك قوله تعالى: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } [التوبة:77].
وحكي أن رجلاً من مشيخة الأشعرية ركب سفينة فقعد وحوله جمع ممن فيها يحدثهم أن الرؤية ثواب خاص للمؤمنين لقوله تعالى: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ} [ الأحزاب:44] وكان قائماً في تلك الحال أحد شقاة السفينة يسمع ذلك التحديث، فقال: أيها الشيخ أتقول إن الرؤية ثواب؟ قال: نعم. قال: وتقول: إن اللقاء يدل عليها؟ قال:نعم. قال: فما تقول في قوله تعالى: {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ } الآية، فرفع رأسه فنظر رجلاً لا يتأتى منه هذا الاستنباط البديع فقال له: من أخبرك بهذا؟ فقال: سمعته من شيخ ببغداد يقال له: أبو علي الجبائي، فقال: قاتله الله لقد بث الاعتزال في البر والبحر.
فانظر إلى انقطاع حجة هذا المحتج كيف لم يجد سوى هذه المقالة الدالة على بطلان وانقطاع ما في يده وقوله تعالى: {كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ }، كناية عن الاستهانة بهم، ومحجوبون عن رحمته كقوله تعالى: {مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ} [البقرة:102] {لا يكلمهم ولا ينظر إليهم } ونحو ذلك.
قالوا:قال صلى الله عليه وآله وسلم: " سترون ربكم كالقمر ليلة البدر لا تضاموا في رؤيته ".

قلنا: معارض بأكثر منه وأصرح دلالة وأعدل رواية كما مر نقل ذلك، ولانعقاد إجماع العترة الطاهرة شموس الدنيا وشفعاء الآخرة على عدم رؤيته تعالى، وظاهره يقتضي التجسيم والتشبيه المجمع على بطلانه لاستلزامه أن يكون تعالى في جهة العلو وفي شكل الاستدارة وعلى صفة الإنارة، وكل ذلك أوصاف تفتقر إلى محدث يجعلها له تعالى، ثم إن سلمنا الحديث فقد فرض أئمتنا عليهم السلام وأتباعهم تأويلاً له حذاراً من رد السنة النبوية على صاحبها وآله أفضل الصلاة والسلام بأن معناه: ستعلمون ربكم كما تعلمون القمر ليلة البدر والرؤية بمعنى العلم كثير {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل:1]،{أَلَمْ تَرَى إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل} [الفرقان:45]، وقال الشاعر:
رأيتُ الَلهَ أكبرَ كُلَّ شَيءٍ .... محاولةً وأكثرُهُم جُنْودَا
ثم يقال لهم في قولهم: يُرى بلا كيف. فهل تميزونه عن غيره أم لا؟ إن قلتم: نعم. قلنا: وبماذا يميز وقد قلتم بلا كيف؟ وإن قلتم: لا. قلنا: فهو إذاً باق في حيز المجهول الملتبس بكل مرئي، وقد قال الحقير غفر الله زلته مشيراً إلى هذا المعنى وإلى غيره من ضلالات القوم:

قل للذين تنكبوا سُفُنَ النَّجَا .... وأتوا بقولٍ مُشْبِهٍ للفلسفهْ
زعموا بأن اللهَ جَلَّ جَلاَلُهُ .... في الحشر تُدرِكُه العيونُ المُطْرِفَه
ويُرى بلا كيفٍ وهذا باطلٌ .... يَعرِفُه كلٌّ من صحيحِ المعرفَه
أوما علمتم أن ذا متناقضٌ .... تَبَّاً لكم من معشرٍ كم ذا السفه؟
أوليس أن الطَّرفَ قطعاً لا يَرى .... إلا جَسِيْماً مُحدَثاً فيه الصِّفَه؟
أوما فهمتمْ ما نفى في قولهِ .... لن ثم لا وحديثُ تلك القَفْقَفَه؟
أوليس أخبر أن قوماً أُصعقوا .... لسؤالهم موسى وظُلْماً أَرْدَفَه؟
ولهم من الأقوالِ كم من فريةٍ .... كالجبرِ والإرجاءِ وكم يا عَجْرَفَه
والقولُ أن الآلَ ليسوا حجةً .... إن أجمعوا أين العقولُ المُنْصِفَه؟
فاركبْ سفينةَ نوحٍ إن رُمْتَ النَّجَا .... أهلُ البصائرِ والعقولِ العارِفَه
واثْنِ الصلاةَ مع السلامِ عليهمُ .... من بعدِ طه كي تَفُزْ في مَوْقِفِه


نلقت لكي أختي بحث متكامل .

و قال الهادي صلوات الله عليه :

وأنه لا يحتجب بشيء من خلقه، ولا يستتر به، ولا يبدو له فيدركه (وأن الفكر لا يبلغه، وأن العقول لا تقدره، والأوهام لا تناله، والضمائر لا تمثله، والأبصار لا تدركه)(5)، وأن العيون لا تراه لا في الدنيا ولا في الآخرة. وأن من زعم أن الأبصار تدركه، وأن العيون تراه مجاهرة؛ فقد قال قولاً عظيماً. وأن من زعم أن العيون(6) تكيفه، أو قال يرى في القيامة بشيء مما عليه العباد، فيرونه بذلك الشيء أو يدركونه، وسمي ذلك الشيء حاش لله فقد قال إفكاً وزوراً؛ لأن كل من وقفت عليه الرؤية فمحدث ، وما مسته الأيدي أو سمعته الأذان أو أدركه الذوق أو الشم فمحدث.

وكذلك كل ما خلقه الله أو يخلقه فلا يُدْرَكُ به إلاَّ ما كان محدثاً، وكذلك كل ما في قدرته أن يخلقه؛ مما ليس في حكمه أن يكوِّنَه؛ فلو خلقه أو صنعه لم يُدْرَكْ به إلاَّ ما كان محدثاً. والله فهو القديم الدائم، فلا عين تراه، ولا يدرك بأداة، إنما يعرف بخلقه، ويستدل عليه بآياته، وتدبيره في سمائه وأرضه، من صغير الخلق وكبيره، وقليله وكثيره. فذلك سبيل العلم به، والوصول إلى معرفته، وتحقيق ربوبيته.

وقال :-

والمتشابه مثل قوله: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}[القيامة: 22]، معناها بَيَّن عند أهل العلم، وذلك أن تفسيره عندهم: أن الوجوه يومئذٍ تكون نضرة مشرقة ناعمة، إلى ثواب ربها منتظرة، كما تقول: لا أنظر إلاَّ إلى الله وإلى محمد، ومحمد غائب، ولا ينظر الله إليهم يوم القيامة، معناه: لا يبشرهم برحمته، ولا ينيلهم ما أنال أهل الجنة من الثواب، فعندما لا ينظر الله إليهم يوم القيامة يراهم(1).
ثُمَّ قال: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ}، يقول: ثواب ربه {فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً}[الكهف: 110] وقال: {كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ}[المطففين:15](2).
وأما الله عز وجل فلا يُرى في الدنيا ولا في الآخرة، وذلك أن ما وقع عليه البصر فليس بخالق ولا قادر.


سؤااال :-

اذكر بعض الأدلة العقلي التي تدل على أن الله واحد لا ثاني له ؟
مدحي لكم يا آل طه مذهبي .... وبه أفوز لدى الإله وأفلح

وأود من حبي لكم لو أن لي .... في كل جارحة لسانا يمدح


الحسن بن علي بن جابر الهبل رحمة الله عليه


حسين ياسر
---
مشاركات: 513
اشترك في: الخميس فبراير 14, 2008 3:43 pm
مكان: صدر مجالس آل محمد
اتصال:

Re: أجب عن سؤالي // وضع سؤالك @@

مشاركة بواسطة حسين ياسر »

الاخت ام نور ..
للتوضيح .. بس
الاجابة بشكل دقيق ..
مسئلة .. الخلود في النار هي احدى مسائل كتاب الوعيد .. وعندما كتبتيها في العدل ليس بخطأ

الاخ ابن حريوة .. أعتقد ان الافضل ان تكون الاجابة لا تتعدى السطرين ..

___________

اجابة سؤالك الدليل على أن الله واحد ..
هو لو انه كان هناك الهة أخرى لاختل نظام التوازن في هذا الكون .. ولأتتنا رُسل الرب الثاني وكتبه .. وهذا محال ..

: سؤال
رتب الابواب التالية وفقاً لما هو معروف في كتب الفقه الزيدية ..

كتاب الحج
كتاب الصوم
كتاب الخمس
كتاب الطهارة
كتاب النكاح
كتاب الوصايا
كتاب الحدود
]صورة




url=http://almajalis.org/forums/viewtopic.php?f=46&t=12913]بيان علماء الزيدية[/url]

mohammed alhadwi
مشترك في مجالس آل محمد
مشاركات: 535
اشترك في: الخميس يونيو 25, 2009 8:52 pm
مكان: اليمن & حجة
اتصال:

Re: أجب عن سؤالي // وضع سؤالك @@

مشاركة بواسطة mohammed alhadwi »

حسين ياسر كتب:اجابة سؤالك الدليل على أن الله واحد ..
هو لو انه كان هناك الهة أخرى لاختل نظام التوازن في هذا الكون .. ولأتتنا رُسل الرب الثاني وكتبه .. وهذا محال ..

: سؤال
رتب الابواب التالية وفقاً لما هو معروف في كتب الفقه الزيدية ..
للتوضيح ..لو كان فيه الهة غير الله
فهم اما ان يتفقو واما أن يفترقوا ..
فلو قيل بانهم يتفقو فهذا محال ..
ولو قيل بانهم يفترقو .. فان ذالك يودئ الى اخلال النظام في الكون .. فهذا الاله ياتي بالشمس من المشرق .. وهذا يشتي ياتي بها من المغرب ..
وهذا يريد أن يقربها من الارض .. وهذا يريد يبعدها ..
وهكذا ..

____________

اجابة سؤالك .. أتركها لغيري
والسلام ..

أم نور
مشترك في مجالس آل محمد
مشاركات: 79
اشترك في: الخميس يوليو 07, 2005 4:04 pm

Re: أجب عن سؤالي // وضع سؤالك @@

مشاركة بواسطة أم نور »

إبن حريوه السماوي كتب:نعم والقول: بأنه عز وجل لا تصح رؤيته بالأبصار وهو مذهب جميع العترة الطاهرة شموس الدنيا وشفعاء الآخرة، وهو قول سائر الزيدية والمعتزلة وجميع أهل العدل من الإمامية وغيرهم
مشكور أخي الفاضل على النقل المفيد..
حسين ياسر كتب:الاخت ام نور ..
للتوضيح .. بس
الاجابة بشكل دقيق ..
مسئلة .. الخلود في النار هي احدى مسائل كتاب الوعيد .. وعندما كتبتيها في العدل ليس بخطأ
مشكور أخي على التوضيح
:D

إجابة السؤال:
كتاب الطهارة
كتاب الخمس
كتاب الصوم
كتاب الحج
كتاب النكاح
كتاب الحدود
كتاب الوصايا

سؤالي:
لماذا يعتبر التفكر أول ما يجب على المكلف معرفته؟ نكتفي بالأدلة العقلية
لك الحمد من حزب الوصي جعلتني .... ومن تابعي آل الرسول لك الحمد
لك الحمد إذ دليتني وهديتني .... إلى مذهب الآل الشريف لك الحمد
لك الحمد لم أختر سواهم ولم أقل .... بغير مقال جاء عنهم لك الحمد
لك الحمد إذ جنبتني وحميتني .... عن الميل عن آل النبي لك الحمد

mohammed alhadwi
مشترك في مجالس آل محمد
مشاركات: 535
اشترك في: الخميس يونيو 25, 2009 8:52 pm
مكان: اليمن & حجة
اتصال:

Re: أجب عن سؤالي // وضع سؤالك @@

مشاركة بواسطة mohammed alhadwi »

لان التفكير .. هو الطريق الموصل الى معرفة الله سبحانه وتعالى ..

ولن نستطيع معرفة الله .. وعله وتوحيده الا عن طريق التفكر في مخلوقاته .. وما ابدع فيها من النظام و التراكيب ..

سؤال :-

ما هو الوقت الاختياري والاضطراري لصلاة الفجر ؟

أضف رد جديد

العودة إلى ”مجلس تبادل الخبرات“