رِحلَةٌ قَصيرَة فِي البَحث عَن ثَقَل الله الأصغَر فِي الأرض!

هذا المجلس لطرح الدراسات والأبحاث.
أضف رد جديد
الكاظم
مشرف مجلس الدراسات والأبحاث
مشاركات: 565
اشترك في: الأربعاء مارس 24, 2004 5:48 pm

رِحلَةٌ قَصيرَة فِي البَحث عَن ثَقَل الله الأصغَر فِي الأرض!

مشاركة بواسطة الكاظم »

رِحلَةٌ قَصيرَة فِي البَحث عَن ثَقَل الله الأصغَر فِي الأرض

====================

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رَبّ العالمين، الذي منَّ عَلينا بِرَسُوله الكَرِيم وَنَبِيّه العَظِيم، لِيُزَّكِّيَنَا، وَيُخْرِجَنَا مِنَ الظّلُمَاتِ إلى النّور ، وَإلى الطّريقِ المُستَقِيم، وَأنْعَمَ عَلينَا بِأهْل بَيتِ نَبيّه المطَهَّرِين ، الذينَ قَرَنَهُم بِكِتَابِهِ المُبِين، وَاخْتَارَهُم مِنْ بَينِ بَريَّتِه أجْمَعِين ، لِيُواصِلوا نَهْجَ نَبيّهِ الأمِين فِي الدّعـوَةِ إلى الهُدى والدِّين، وَلِيَحْرُسُوا دِينَهُ مِنْ تَحْرِيفِ الغَالِين، وَانتحَالِ المُبطِلِين، وَتَأويلِ الجَاهِلِين، وَصَلواتُ الله، وَبَرَكَاتُه على محمَّـد وآله الطَّاهِرِين.

وبعد :

فإنّه ظهرَ لنَا من باب الإسهَام في خدمَة إخواني من الباحثين والباحثات عن الحقيقة في دينهِم ، تحريرُ رسالةٍ صغيرَة ، نرجو أن تكون بفضل الله تعالى ومنّهِ ذاتُ نفعٍ وفضل ، مفادُها أن يضعَ الباحث ثِقَلَه وجُلّ تفكيرِه على علاماتٍ ودلائلَ أوصى الله والرّسول (ص) باقتفائهِا ، وحتماً سيسهلُ معها التكليف بالبحث عن الحقيقة في ظلّ هذا الزّخَم الاختلافي العقائدي والفقهي عند أهل الإسلام على كثرَة فِرقِهِم وأقوالهِم ، وهذه الدّلالات والعلامات على الحقّ والهُدى هي من قول الرّسول (ص) مُوصياً أمّته : ((إنّي تاركٌ فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا من بعدي أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي إنّ اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يفترقا حتى يردَا عليّ الحَوض)) ، وهذا حديث الثّقلَين حديثٌ صحيحٌ مشهورٌ في كُتب أهل الإسلام الحديثيّة ، فهَل تدبّرنا أطرافَ هذا الحديث المحمّدي يوماً ما ؟! الله تعالى يقول عن رسوله (ص) : ((وما ينطقُ عن الهَوى* إن هُو إلاّ وحيٌ يُوحَى)) ، ثمّ نحن مع ذلك نُهملُ التدبّر لحديثٍ تصنيفُه من أهم الأحاديث المحمديّة ، وحديث الرّسول (ص) كلّه مُهمّ ، هل احترتَ أخي المُسلم يوماً في معرفة طريق الحقّ ؟! هل عزمتَ يوماً على المُضيّ في رحلةٍ بحثيّة في طيّات كُتب أهل المذاهِب والنّحل ، ثمّ أظناكَ التّعب ، وآثرتَ الكَسَل ، فالتّقليد لآبائك وأهل بلدِك دونا عن مُتابعَة رحلتك البحثيّة ؟! بإذن الله أخي القارئ هذا البحث يُسهم أقلّه باليسير في توسّع أفُقِك وتغيير مسار بحثِك ، نعم! هذا وقد تعمّدنا صياغَته بصياغَة الباحث المُستفهِم ، المُناقِش والمجادِل ، المقرّر والناقِد ، وجعلنَا أساس النّقض والنّقد على سادات أهل البيت (ع) من الزيدية ، ولكنّ وجهَه عامٌّ لو تدبّرت ، فكان ممّا جاء فيه قولُنا بعد التّوكل على الله تعالى :

أنّه يحقّ لنا إخوتي في الله أن نسألَ والآخَرُ يُجيب ، أن نطلبَ والآخرُ يُحضِر ويستدلّ ، ثم نشتركُ جميعاً في النّقاش والتأصيل ، قالوا : أنّ مذهب الزيدية في انتمائه إلى أهل البيت (ع) مُنفصل ، ليسَ لهم من زيد بن علي (ع) إلاّ الاسم دون العقيدَة ، هكذا يقولون ، وكذلك يقولون في حقّ بقيّة أئمّة أهل البيت (ع) وانتماء الزيدية لهم ، كالإمام الباقر ، والصّادق ، وعبدالله المحض ، وأبنائه الأئمّة ، وأحمد بن عيسى بن زيد ، والحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي ، وغيرهم من سادات أهل البيت ، عليهم جميعاً الصلاة والسلام ، فأمّا الإمام القاسم بن إبراهيم الرّسي ومَن بعدهُ فقد بدّلوا أقوالَ سلفهِم من أهل البيت (ع) إلى الاعتزال والاجتهاد ونحوه ، وقليلٌ يقول أنّ هذا ليسَ من القاسم بن إبراهيم بل من الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين (ع) ، ومَن بعدَه .

قُلنا : نحنُ وإيّا بعضكم الذين فهمنَا من حديث الثّقلين ، الذي هو قول الرّسول (ص) : ((إنّي تاركٌ فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا من بعيد أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي إنّ اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يفترقا حتى يردَ عليّ الحوض)) ، الذي فهمنَاهُ أنّ أهل البيت (ع) سيبقَى قولهُم العقائدي الأصولي هو المُلازمُ للقرآن ، هكذا فهمَ الزيدية حديث الرّسول (ص) ، وهكذا فَهِمَهُ القاري من أهل السنّة عندما قال مفسّراً للحديث السابق بما نقلهُ عنه أبو العلا في تحفته : ((والمُرادُ بالأخذ بهِم التمسّك بمَحبّتهِم ، ومُحافظة حُرمتهم والعمَل بروايتهِم ، والاعتمَاد على مَقالتهِم)) [تحفة الأحوذي:10/178] ، وكذلك نقل صاحب التحفة عن ابن الملك ، قال : ((وقَال بن الملك : التمّسك بالكتاب العمَل بمَا فيه ، وهو الائتمَار بأوامر الله والانتهاء عن نواهِيه ، ومعنى التمسّك بالعترَة مَحبّتهم والاهتدَاء بِهديهِم وسِيرَتهِم)) [المصدر السابق] ، ونقلَ أيضاً ، قال : ((قال الطيبي في قَوله : (إنّي تارك فيكم) إشارَةُ إلى أنّهمَا بمنزلَة التوأمَين الخَلفَين عَن رسول الله (ص) ، وأنّه يوصِي الأمّة بحُسن المُخالقة مَعهما وإيثار حقّهما على أنفسهِم ، كما يوصي الأب المُشفق النّاس فِي حقّ أولاده ، (ولن يَتفرّقا) أي كِتاب الله وعَترتي فِي مواقف القِيامَة،..، (فانظرُوا كيفَ تخلفوني) ،..، أي كَيف تكونُون بَعدي خُلفاء ، أي عَامِلين مُتمسِّكينَ بِهِمَا)) [المصدر السابق] ، وقال سعد الدين التفتازاني في معرض كلامه عن حديث الثقلين : ((ومِثلُ هذا يُشعِرُ بِفضلِهِم على العَالم وغَيره ، قلنا: نعم لاتّصَافِهم بالعِلم والتقوى مَع شرَف النّسب ، ألا يُرى أنّه (ص) قَرنَهُم بكتاب الله فِي كَون التمسّك بهِمَا مُنقذاً مِنَ الضّلالة ولا مَعنى للتمسّك بِالكتَاب إلاَّ الأخذ بمَا فِيه مِن العِلم والهِدَاية فكذا فِي العِترَة)) [شرح المقاصد في علم الكلام:2/303] ، وقال محمد بن محمد الفاسي المالكي مُتكلّما على حديث الثّقلين : ((كِتاب الله وسنّتي ، وفي رواية وعِترتي أهل بَيتي ، فجَعَل عَليه الصّلاة والسّلام النّجاة مِن الضّلالة فِي التمسّك بهَذين الثقلَين فَقط ، لا ثالِثَ لهُمَا)) [المدخل:4/287] ، وقال الذّهبي : ((وقوله (ص) : (لن يَتفرّقا) يدلّ على أنَّ إجمَاع العِترَة حُجّة وهَو قول طائفة مِن أصحَابِنا)) [المنتقى من منهاج الاعتدال:476] ، قلتُ : وقد أشارَ إلى هذا المعنى ابن تيمية ، وقال ابن حجر الهيثمي : ((والحَاصِلُ أنّ الحثّ وقَع على التمسّك بالكتَاب وبالسّنة وبالعُلمَاء بهِمَا مِن أهل البيت ويُستفادُ مِن مَجموع ذلك بَقاءُ الأمُور الثلاثة إلى قِيام السّاعَة)) ، وقال أيضاً : ((ثمَّ الذينَ وَقع الحَث عَليهم مِنهُم إنّمَا هُم العَارفون بِكتابِ الله وسنّة رَسوله (ص) إذ هُم الذين لا يُفارِقُون الكِتاب إلى الحَوض)) ، وزادَ قائلاً : ((وفي أحَاديث الحثّ على التمسّك بأهل البَيت إشارَةٌ إلى عَدم انقطَاع مُتأهِّلٍ منهُم للتمسّك بِه إلى يَوم القِيامَة كمَا أنّ الكِتاب العَزيز كَذلك)) ، [الصواعق المحرقة:2/439-442] ، نعم! هذا ولو زِدنا النظر في كتب الفرقَة السنيّة لوجدنَا أمثالَ هذا كثير ، مع عدَم التطبيق .

نعم! فالرّسول (ص) مات في العام الحادي عشر من الهجرَة المُباركَة ، فَبقيَ كلامهُ حجّةً إلى يوم القيامَه ، ليسَ ينطبقُ على أجيالٍ دون أجيال ، خصوصاً أحاديث الحثّ على التمسّك المُترتّب عليها النّجاة من الضلال ، حيث أنّها أعظمُ مُرشدٍ إلى بقيّة الأصول والفروع ، نعم! فثبتَ أنّ رسول الله (ص) حثّ على التمسّك بالكتاب وبعترتِه أهل بيتِه ، وأنّهما (الكتاب والعترَة ثقلا الله في الأرض) لن يفترقَا حتى يوم القيامَة ، المُتبعُ لهما ناجٍ، والمُخالفُ عليهِما خاسِر ، فيُستفادُ من هذا الحديث عدّة أمور أشارَ إلى بعضها علماء السلفية في النّقل القريب السّابق ، منها :

1- أنّ الرّسول (ص) أوصَى عبادَه بالتمسّك بالكتاب (القرآن) ، وبأهل البيت (العُلمَاء منهُم) ، وعلّق على ذلك النّجاة وعدم الضّلال .

2- لابدّ أن تكون هذه العلامات المؤدّية إلى النّجاة موجودةً سهلٌ الوصول إليها ما بقيَ التّكليف ، وهذا هو الواقع ، فالقرآن الكريم موجودٌ بين أيدينا ، محفوظٌ مصونٌ عن التحريف ، وعلماء أهل البيت (ع) لابدّ وأن يكونوا موجودين ، يُفهّمون النّاس الكتاب ، ويستنبطون لهُم منه أصولَهُم والفروع ، والسنّة النبويّة الصحيحة فرعٌ من ذلك كلّه داخلةٌ معه .

3- أن يكونَ المُراد بالتمسّك (بأهل البيت) في الحديث التمسّك بأشخاص أو جماعَات ، بمعنى أقوال أشخاص عاشوا جيلاً وفهموا القرآن بفهمٍ اجتهدوا فيه ، أو قلّدوا فيه غيرَهُم من غير أهل البيت ، فدرّسوه للنّاس ، فاغترّ بهم النّاس لمكانهِم من النسب المحمديّ العلويّ الفاطميّ ، فيقول العامّة : هذا العالمُ من أهل البيت يُدرّس كُتُبَ الدّين ، فهُو أحدُ مصاديق حديث الثّقلين ، وهذا لا يصحّ ، لأنّ ذلك العالِم المحمّدي العلوي الفاطميّ لا يُدرّس علومَ أهل البيت واستنباطاتهِم وتأصيلاتهِم إنّما هُو في الحقيقَة يُدرّس وينشرُ علوم شيوخهِ غير المحمّديين العلويين الفاطميين ، فمَن خرجَ من الإسلام مثلاً من ذريّة عليّ وفاطمة وقام ينشرُ دين اليهود أو النّصارى أو أهل الإلحاد فإنّه بهذا الحال ليس بمُعتمدٍ على علوم أهل البيت السّابقينَ له ، بل مُعتمدٌ على أقوال اليهود والنّصارى وأهل الإلحاد ، #0002efودَاخلُ دائرة الإسلام فلو قام الشيخُ الفاطميّ يُدرّس النّاس عقيدَة وفقه الحنابلَة والحنفيّة والشافعيّة والمالكيّة مُستنداً في كلّ هذا على أقوال هؤلاء الأربعَة أصحاب المذاهب ، وحصّل وخرّج أقوالَهُم فهُو في الحقيقَة ليس ممّن يشملهُم حديث الثّقلين ولا ينطبقُ عليهم الحثّ بالاتباع ، فهم ليسوا بأهلٍ للاتباع ، عليه فالمُرادُ من حديث الثّقلين ، والحثّ على التمسّك بأهل البيت (ع) هُو التمسّك بالقائمين بنشر الكتاب وصحيح سنّة الرّسول (ص) في كلّ جيلٍ ، وهُم مُستندون إلى (الكتاب والعترة) ، وقولُنا : (مُستندون على الكتاب) وذلك لمكان عدم تبدّله على مرّ الأجيال ، وقولُنا : (مُستندون على العترة) ، لمكان أنّهم أهل الحقّ في سابق الزّمن وحاضرِه ، فكانَ علماء أهل البيت الموجودين في القرن الأوّل المُتّبعون للكتاب ولعليٍّ والحسن والحسين هُم الأولى بالتبعيّة ، ثمّ كانَ علماء أهل البيت الموجودين في القرن الثاني المُتّبعون للكتاب ولأهل الحقّ من علماء العترة ممّن سبقَهُم في القرن الأوّل ولعليّ والحسن والحسين ، هُم أولى بالتّبعيّة ، لأنّ علماء أهل البيت الموجودين في القرن الثاني لَو خالفوا على علماء أهل البيت الموجودين في القرن الأوّل وفهموا الكتاب بفهمٍ ناجمٍ جديد ، يكون قد وقعَ عليهم الاحتمال : فإمّا أن يكون القرن الأوّل خلا ممّن يُلازم المنهج الكتابيّ القرآنيّ الصحيح ولذلك ردّوهُ عليهِم أهل القرن الثاني عندما بدّلوا قولَهُم . وإمّا أن يكون : علماء أهل البيت ممّن عاصر القرن الثاني هُم من وقعَ في المُخالفَة لسلفهِم علماء القرن الأوّل وعلي والحسن والحسين ، وهذه فصورَةٌ واضحَة جليّة أخي القارئ نريدُ من خلالها أن تستدركَ أنّه لا يوجدُ فصلٌ على مرّ الأجيال من وجود علماء من أهل البيت (ع) يُتابعون ويُجمعون مع أسلافهِم على قولٍ واحدٍ في الأصول وأصول الفروع وهو بنصّ حديث الرّسول (ص) سيكون المُلازم للصحيح من التأويل والتفسير والاستنباط من القرآن الكريم ، وذلك أنّكَ متى لم تؤمن بأنّه يجبُ أن يكون هُناك جماعَة من أهل البيت في كلّ زمَن يقولون بالحقّ الذي ينطقُ به القرآن ، وأنّ هذا قد يحصُل على انقطاع ، فيوجدُ أمثال هؤلاء العلماء في أزمانٍ دون أزمان ، نعم! فإنّك متى قُلتَ هذا فقد أسقطتَ ثمرَة حديث الثّقلين ، وقُلتَ رأساً : بأنّ ثمرَة حديث الثّقلين مُنقطعَة ، حيث أنّ التكليف بالعمَل بهذا الحديث يُخاطب جميع المُكلّفين على مرّ الأزمان ، فوجود هاتين الدّلالتين على أرض الواقع لازمَة لأصحاب كلّ جيل للعمَل بموجِبه ، خلاصَة كلامَنا السّابق : أنّ المُراد بالتمسّك بأهل البيت (ع) في حديث الثّقلين هُو التمسّك بإجماعات أهل البيت خلفاً عن سلَف ، وأنّ الخلَف فيما يستجدّ من الأمور الدينيّة يكون معهم ألطافٌ توفيقيّة لمعرفة الحقّ من عدمه أكثرُ من غيرهِم من علماء الأمّة .

4- قد يُقال إنّ مذهب أهل السنّة والجماعَة قد حوى العشرات أو المئات من أسماء العُلماء ممّن ينتسبون إلى أهل البيت (ع) ، وتحديداً إلى عليّ وفاطمَة ، فهل هؤلاء ممّن ينطبقُ عليهِم حديث الثّقلين ، بمعنى هل هؤلاء العُلماء ممّن ضمنَ الله والرّسول مُلازمتهُم للكتاب ، وأنّ التمسّك بهم نجاةٌ من الضّلال والهلاك .

إن قيلَ هذا قُلنا : نجيبُ على هذا بطرح عدد من الضوابط ، التي يتم عرضُ حال كلّ عالمٍ علويّ فاطميٍّ عليها ، فإن خالفَ على أيّ هذه الضوابط لم يكُن من أهل الاقتداء والتمسّك ، خارجٌ رأساً عن التبعيّة المُنجيَة ، فمن هذه الضوابط :

الضّابط الأوّل : أن يكون هذا العالمُ الفاطميّ مُستندٌ في استنباطِه وتأصيلِه واحتجَاجِه وإبرامِه على سلفهِ من أهل البيت ، فمتَى أصبح كثيرُ احتجاجه أصولاً ، وفروعاً ، واجتهاداً ، بعلماء العامّة من غير أهل البيت ، لم يكُن من أهل التبعيّة ، وممّن لا ينطبقُ عليهِم حديث الثّقلين ، مثالُه : عندمَا تسألُ العالِم الفُلاني السّني المذهب عن المسألَة الفلانيّة في العقيدَة ، فيُجيبُ العالمُ الفُلاني بفهمِهِ ، ثمّ يُقوّي قولَه بقول سلفهِ شيخ الإسلام ابن تيمية ، وابن القيّم ، والذّهبي ، وأحمد بن حنبل ، والزّهري ، وابن المُبارَك ، ثمّ هو مع ذلك لا يَظهرُ له أن يُشيرَ إلى فهم علماء آبائه من أهل البيت ببعض تفخيم أو تدقيق لمكانهم من حديث الثّقلين ، بل هُو يرَى حالهم كحال غيرهِم من العلماء ، فإنّ هذا العالِم الفاطمي ليسَ بأهلٍ للتبعيّة والقدوة وأن يكون خلفَ السّلف الفاطمي الواجبُ علينا اتّباعهُم لمكان اعتمادهِ في فهمهِ على فهمِ علماء لم يحثّ الله والرّسول (ص) على التمسّك بهم ، كما حثّ على التمسّك بعلماء آبائه الفاطميين ، نعم! وعكسٌ من ذلك العالم الفاطميّ الدائم الإشارة والاحتجاج بأقوالِ سلفه من أهل البيت في المسائل عند الاحتجاج ، وعند الاستنباط ، وعند الترجيح ، فافهمَ هذا .

فرعٌ من الضّابط الأوّل : وهُو أنّ العالِم الفاطمي المُستقي علومه من غير سلفه باعتمادٍ رئيسيّ ، فإنّه ربّما يُحيل إلى كلام علماء فاطميّون ممّن سبقَه ممّن طريقهُم هُم الآخَرين إلى سلفهم مُنقطعِ ، مُعتمدون على غيرهم في التأصيل والاستنباط أو التقليد ، فيظنّ الباحث أنّهم بهذا قد كوّنوا سلسلَةً فاطميّة ، وهذا لا يصحّ لمكان انقطاع المُحيِل والمُحاَل إليه عن السلسلة العلويّة الفاطميّة ، أضف إلى ذلك أنّك نادراً ما ترى العالم الفاطميّ المُتأخّر الذي يُحيلُ إلى العالم الفاطميّ السّابق له والذي قد يُعتبرُ من المُتقدّمين أو من المتأخّرين ، نادراً أن تجدَ عقائد العالِمَين مُتطابقَة في الأصول تماماً ، ومثالُه اعتماد سلفّ الفرقَة السنيّة على علماء من بني فاطمة من الأشاعرة وهم مُختلفون معهم في أمورٍ كثيرَة عقائديّة ، أو العكس ، ولسنَا نخصّ السلفيّة والأشاعرة ، بل نضربُ هذا على أغلب المذاهب ، خصوصاً أنّك لو تعمّقت في دراسَة سلف السلفيّة مُفسّرينَ وأصحاب حديث وأهل جرحٍ وتعديل وأصحاب أصول وفقه لوجدَت عدداً منهم ليس باليسير مُختلفون في مسائل الأصول ، كمسائل التأويل للصفات ، والقَدر ، وخلق القرآن وغيرها ، فيكون ذلك العالم الفاطميّ المُعتمدُ على هؤلاء العلماء سواءً كان منهم فاطميّ أم لم يوجَد ، قد اعتمدَ على علماء مختلفِين ، ظهرَ واشتهرَ من حالِ مذهبهِم عقيدةٌ ما ، فُعمِّمَت عليهم باعتبارهِم من السّلف ، فنقولُ عقيدة السّلف في مسالة الصفات كذا ، وأنتَ عندما تُفتّش أقوال هؤلاء السّلف تجد منهُم من يُخالفُ على هذا الذي نُقلَ عنهُم ، وهذا أصلٌ مهم ، شواهدهُ على مذهب الفرقَة السلفيّة سهلَة التتبّع ، وليسَ أقلّ ذلك إلاّ اعتمادهِم تقليد أربعَة من التابعين اعتماد رئيسي في مسائل الفقه والاجتهاد وهي دون الأصول والعقائد!! ، ولا نعمّم هذا فقد يعتمدُ بعضهم على غيرهم من السّلف في القليل من المسائل كتقليد سفيان الثوري ، أو إبراهيم النخعي ، أو الحسن البصري أو غيرهم ، ولكنّ من يعتمدُ هذا هم القلّة ، فإن ذُكِرَت آرائهم فمِن باب المُتابعة لقول إمامهم العُمدَة صاحب أحد المذاهب الأربعَة ، وإن كان الترجيح رُجِّح قول الإمام العُمدَة ، نُعيدُ ونقول أنّ هذا هو في الغالب الكثير للمذاهب السلفيّة .

الضّابط الثّاني : أن يكونَ هذا العالم الفاطميّ مُوافقٌ في أصولِه لما أجمعَ عليه سلفه من علماء العترة الطّاهرَة ، فلا يشذّ عنهم برأي ناجمٍ في مسألةٍ من مسائل الاعتقاد ، لأنّه محجوجٌ بالإجمَاع ، حيث أنّ دورَ العالم الفاطميّ في زمانه هُو تدريس الكتاب وصحيح السّنة وما أجمعَ عليه سلفه من أهل البيت في تبيين مُقتضاهما (الكتاب والسنّة) ، فيُعضِّدُ أقوالَهم ، ويُفهّم أهل جيلِه طريقَ النّجاة والحقّ الذي أصّلوه ليُكمِلَ بذلك السلسة العلوية فيكون من حجج الله تعالى على أهل زمانِه ، ويكونُ قولُه وشرحُه وتأليفُه وذبّه ، إضافةً إلى أقوالِ سلفه ، دليلاً للعلماء الفاطميين الذين سيأتون بعدَه ، فهُو يكونُ مصداق حديث رسول الله (ص) : ((يَرِث هَذا العِلم مِن كلّ خَلفٍ عُدولُه يَنفون عنهُ تَأويل الجَاهِلين وانتحَال المُبطلين وتحَريف الغَالين)) ، وكَم من شبهةٍ في هذا الزّمان لم يكُن قد سمعها السّلف الفاطميّ ، فيسدّ المحلّ علماء بني فاطمة الحاضرين ، ويكون نبراسُهم الكتاب والسنّة وقول سلفهِم وتوفيقُ الله تعالى الذي خُصّوا بها لاستمراريّة مُلازمَة الكتاب . تنبيه : لا يُفهم من كلامنا هذا هو دعوةُ الخلف لتقليد السّلف في مسائل الأصول تقليداً أعمَىً ، بل تقليدٌ عن طريق البحث والتمحيص ولن يكون الحقّ إلاّ فيه.

نعم! فإن انطبقَت أخي في الله الباحث عن الحق ، غير الباحث عن الإجابات الواهيَات ، والتقليد الأعمَى ، والتأثّر بالبيئة والمُجتمَع ، إن انطبقَت هذه الضوابط على أولئك العلماء الفاطميون فهم أهلٌ للتقليد والاتباع بإذن الله تعالى ، وهم من مصاديق حديث الثّقلين .

5- أيضاً ممّا يُستفادُ من حديث الثّقلين ، هُو أنّ أهل البيت المعنيّين في الحديث هُم عُلماءٌ حاضرون مُعايشون للنّاس مُخالطون لهُم ، يستفتونَهم ، ويدخلونَ عليهِم ، ويتعلّموا منهُم ، وهذا لا ينطبقُ على مَن قال بالغيبَة في حق العالِم الفاطميّ ، كما ادّعته الجعفريّة من حالِ الإمام الثاني عشر المهدي محمد بن الحسن العسكري الغائب من عام 255 هـ تقريباً .

6- أنّه سيكونٌ هُناك لا بدّ من إجماعٍ قائم لعلماء أهل البيت (ع) على مرّ الأزمان ، لعدَم خلّو الزّمان من طريق الحقّ القويم ، ولضمان الله والرّسول ببقاء العترة مُلازمَةً للكتاب ، فالحقٌ مُتمثّل في الكتاب وأهل البيت موجودٌ على مرّ الأزمان ، والحقّ من طريق هذين الثّقلين في القرن الرابع ، لن يكون غير طريق الحقّ من طريقهِما في القرن الخامس أو السّادس ، فترتّبَ عليه أن يكونَ الحقّ قائمٌ بالكتاب والعترَة على مرّ الأزمان ، وعلماء العترة يموتون جيلاً يعقبُه جيل ، فيكون الخلفُ لابدّ مُقتدياً بسلفِه من العُلماء ، فيكون هذا حتى آخر الزّمان قد شكّل إجماعاً قويّاً لا يُبارَى ، ولا ينهدّ له رُكن .

7- فائدةٌ جانبيّة تتعلّق بأصل موضوع الاتّباع لإجماع أهل البيت (ع) ، وهُو أنّه قد يُقال إنّ بعض المسائل الأصوليّة العقائديّة أو تلكَ التي من أصول الفروع الظاهرَة ، قد يكون لبعض علماء أهل البيت من السّلف أو الخلف آراءٌ مُخالفَة لما حُكِي أو يُحكَى من الإجماع التام على المسألة المُدعّى الإجماع حولَها .

إن قيل هذا ، قُلنا : اعلَم أنّه لا ينقضُ الإجماع إلاّ إجماعٌ آخَر ، ولن يتحقّق على مذهب أهل البيت (ع) ، لمكان مُضيّ الحق عن طريق السّلف الفاطميّ ، والحقّ واحدٌ على مرّ الأزمان ، هذا من جهَة ، وبخصوص هذه المُخالفَة الصادرة من بعض علماء بني فاطمَة في مسائل الأصول أو أصول الفروع فإنّا ننظرُ في حالِها ، وفي تحريرِ الإمام لها ، لأنّه لا شكّ مُصرّحٌ بالاتباع لأقوالِ سلفِه ، والخلفُ يُنزّهونَه عن هذا القول الخاطئ ، فننظرُ إلى قولِه محلّ النّقاش والخطأ فنتدبّره ، فإن كان مُحتمَل التأويل أرجعنَا الفروع إلى الأصول ، إذ قد يستخدمُ عبارات مُتشابهَة مُوهمَِة ، أو قد يكون سياق كلامه موهماً فيُعمِّم أو يُخصِّص ، وقد يكون بنَى قولَه على مصدرٍ استحسنَ الاعتمادَ عليه ظنّاً بأنّه قويّ وهو ليسَ كذلك ، ولو ظهرَ لهُ حينَها أنّه غير قويّ لما تمسّكَ به ، أو قد يكون وصلَه نقلٌ خاطئٌ عن أحدٍ من سلفهِ فاعتمدَهُ وهو لو ظهرَ له أنّه خاطئٌ ما اعتمدَه ، أو أن يكون قد أٌقحِمَ على خوض مسائل أصوليّة كلاميّة وهُو ليس بمولَعٍ في هذا الخَوض ، وغير مُحيطٍ بأبعادِه ، فتصدرُ منه ألفاظٌ موهِمَة ، وذلكَ أنّ السلف المُتقدّمين كانوا أقلّ علماً بمسائل علم الكلام من المتأخرين ، ولم يكُن لهُم عُمدةً في طلب العِلم ، وكانوا يُجملون العقائد إلاّ ما كانَ ظاهراً منها فيُفصّلونَه ، فلذلك قد تصدرُ منهم أقوالٌ مُوهمَة مُحتملَةٌ للتأويل ، يأتي من طريقهِم أنفسهُم في مواضع أخرى ما ينقضُ على الفهم الخاطئ الذي نُقلَ عنهُم ، نعم! فمَا كانَ هذا حالُه من المُؤاخذات فلا يجبُ على الباحث أن يجعلُه قادحاً في إجماع أهل البيت من هؤلاء الأفراد الأعلاَم ، لأنّه متى استحضرَ أنّ إجماعَ الخلف لابدّ أن يكون فرعٌ من إجماع السّلف ، لمكان عدم انقطاع الحقّ على مرور الأزمان ، هانَ عليه ذلك ، ولجأ إلى التأويل والتنزيه لأولئك العُلماء ، فافهم هذا فإنّه أصلٌ عظيمٌ في الاختلاف ، وأعِد قراءتَهُ قراءة مُتدبّر ففيه فائدةٌ بإذن الله ، نعم! أمّا إن كانَت مُخالفَة ذلك العالِم الفاطمي الُمجتهِد في الاتباع سلفه من أهل البيت مُخالفَة ظاهرَة غير قابلَة للتأويل ، بمعنى أنّه قد بيّنها بموقفٍ ظاهرٍ شاهرٍ ، فإنّه لا يُؤخَذُ بهذا القول الشاذ منه ، ويكونُ محجوجاً بالإجماع السّابق ، وحتماً لن يعتمدَ عليه سوادُ الخلف من علماء بني فاطمَة لمكان استمرار الفئة الفاطميّة على الحق كما قال الله والرّسول (لن ينفكّا حتى يردَا عليّ الحَوض) ، هذا كلّه في الأصول ، أمّا الفروع فلا بأس بالاجتهاد فيها دون التخطئة ، دوناً عن أصول الفروع التي أثِرَ فيها إجماعٌ فاطميٌّ قائم .

نعم! وهُنا نأتي أخي القارئ على أصل ومطلَب الموضوع ، وهُو أن نذكُرَ علماءً من أهل البيت ، من ذريّة عليّ (ع) ، وفاطمة الزّهراء ، ونثبتُ مطابقَتهم لما ذُكِرَ أعلاه من ضوابط ، وأنّ عُلومَهُم هي علوم سلفهِم ، خلفاً ، عن سلَف ، وعليها وجدوا آبائهم وبني عمومتهم وأخذوا عنهم ، وهكذا ، ونجعلُ غرضَنا الرئيسي من هذا الفِعل ، هُو الوقوف على ثَقل الله الأصغر في الأرض .

فهل نستطيعُ وأنت أخي الباحث أن نَقِفَ على ثِقَل الله الثاني في الأرض (العترة المحمديّة) ، فالثّقل الأوّل والأكبر بين يديك بلا شكّ ، ولكن كيفَ نقفُ على ثقل الله الأصغَر (أهل البيت) ، مَن هُم ، أين هُم ، معَ من هُم ؟!!! ، أم أنّ الله تعالى ورسولَه (ص) كلّفونا بما لا نستطيع ؟! عياذاً بالله تعالى ، وكيفَ يكون هذا والله القائل: ((لا يُكلّف الله نفساً إلا وُسعَها)) .

وبهذا نختم الكلام على رحلَة البحث عن الحقّ ، مُصلّينَ ومُسلّمين على سيّدنا محمّد وعلى آله الطيبين الطاهرين .

كتبه / الشريف أبو الحسن الرّسي ، غفر الله له ولوالديه وللمؤمنين .
27/1/1430هـ .
صورة
الوالد العلامة الحجّة عبدالرحمن بن حسين شايم المؤيدي
صورة

مواطن صالح
مشترك في مجالس آل محمد
مشاركات: 1606
اشترك في: الجمعة يونيو 24, 2005 5:42 pm
مكان: صنعاء حده
اتصال:

Re: رِحلَةٌ قَصيرَة فِي البَحث عَن ثَقَل الله الأصغَر فِي الأرض!

مشاركة بواسطة مواطن صالح »

احسن الله اليكم اخى الكاظم على هذه الرحله القيمه استفدت منها
تم الغاء عرض الصورة التي استخدمتها في التوقيع كون المستضيف لها يحتوي على برمجيات ضارة، يرجى رفعها على موقع آمن .. رابط صورتك القديمة::
http://www.nabulsi.com/text/02akida/4ot ... age023.gif

الكاظم
مشرف مجلس الدراسات والأبحاث
مشاركات: 565
اشترك في: الأربعاء مارس 24, 2004 5:48 pm

Re: رِحلَةٌ قَصيرَة فِي البَحث عَن ثَقَل الله الأصغَر فِي الأرض!

مشاركة بواسطة الكاظم »

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد .......

[خلاصَة حوار قائم حول عدم وجود مذهب لأهل البيت مستقرّ معلوم يكونون به متبوعين ]

* خُلاصَة الطرح ، تركيزاً على الشاهد ، كامنٌ في أمرَين اثنين :

الأمر الأوّل : أنّه لا يوجد لأهل البيت (ع) مذهبٌ مُستقلٌّ مُستقرٌّ يُعرفَون به ، ويكونون به متبوعين.

الأمر الثّاني : أنّ إجماع أهل البيت (ع) على مسائل الاعتقاد وأصول الفروع ، أمرٌ مُستحيلٌ غير مُمكن ، لتفرّقهم في البلاد من قديمِ الزّمان ، ولانخراطهم مع أهل المذاهب المختلفَة ، فدعَوى الإجماع مُـتعسّرٌ الوقوف عليها ، والحجّة في قولِ مَن قال أنّ إجماع العترة حُجّة ، أنّه معنىً ينصرفُ إلى إجماع الأمّة وأنّه هُو الحجّة .

هذا باختصار ، والجوابُ عليه نسردهُ من عدّة وجوه :

* بالنسبَة للأمر الأوّل ، فإنّ أوّل ما يُجابُ عليه به قولُنا :

الوجه الأوّل : اعلَم أخي الباحث رحمنا الله وإيّاك ، أنّ من يقول أنّه لا يوجد لأهل البيت (ع) مذهبٌ منسوبٌ إليهِم ، ولا أقوالٌ أو اجتهاداتٌ تميّزوا بها عن غيرهِم من أهل الإسلام ، فقولُه هذا قولُ مَن لم يُطالع كُتُب أهل الإسلام مُطالعَة المُدقِّق المُقارِن ، ولم يُعنَ بتدوين أقوالهِم وآرائهِم ، بل لم يهتمّ سلفَه بالجلوس والرّكون إليهِم حتّى يعلَم قولَهُم ومذهبَهُم ، فأتى الخلف لألئك السّلف فوجودوا مُصنّفاتهم جوفَاء من ذكر أقوال وحُجج أهل البيت واستدلالاتهم ، فإن هُم اجتهداو في تدوين أقوالهِم فردّاً على الشيعَة بما يُضادّ عقيدَتَهُم ، فيأخذون من لسانِ كلّ راوٍ بدون تحرٍّ منهُم كالعادَة ، فالغرض أخذُ حديثٍ يردّ على الشيعَة ، ولذلك لا تكاد تقفُ على أحاديث صحيحة النّقل والضّبط عن أهل البيت في كُتب السلفيّة ، نعم! ثم رَووا مع هذا أحاديثاً في فضل أهل البيت ، والاقتداء بهم ، والتمسّك بهم ، وذهبَت طائفةٌ منهُم إلى تفسير هذه الأحاديث فاستنبطَت من هذه الأحاديث حُجيّة إجماعهِم ، وآخرون استنبطوا الاقتداء بهديهِم وقولهِم ، وقد نقلنَا من أقوال هؤلاء العلماء من السلفيّة لُمعاً ، ثمّ هُم مع هذه الروايات لأحاديث التمسّك والفضل ، وما ذهبَ إليه بعض علمائهم من استنباط الاتّباع ، هم مع ذلكَ لم يجدوا في كُتبهم ومسانيدهِم طريقاً يوصلُ إلى عقائد أهل البَيت (ع) وإجماعهم ، وأقصَى ما يفرحون به روايات ضعيفَة واهيَة ، وأقصَى فرحتهم من أقوالهم هي ما جاء في أبي بكر وعُمر وتنزيههم لهما كُرهاً في الشيعَة لا حُبّاً في تدوين أخبار أهل البيت ، إذ لو كانَ هذا منهُم حبّاً لمكثوا أما بيت مدرسَة أهل البيت في زمانه ، بل مدرسَة الدّنيا أبي عبدالله جعفر بن محمّد الصادق (ع) ، ولمَا استنكرَوا خروجَ أهل البيت دون معاضدَةٍ أو مُناصرَة ، ولسنا نُعمّم بل نقول منهُم القليل المُخلِص ولكنّ كثيرَهُم لم يكونوا مؤيّدين لهم ، أيضاً جرحوهُم ووهّوا روايَتهم ، ولستُ بمنّ الله وفضلِه أنطقُ أيّ جُملة من كلامي هذا إلاّ ولديّ من النّقل والدّليل الكثير الطّيب ، فهذا أخي الُمحتّجّ بعدم وجود مذهبٍ لأهل البيت (ع) يُقيّدهُم ، أو يُقيّدونَه ، هذا هُو السّبب فيما ذهبتَ إليه ، فلو دوّنَ سلفُك آرائهم وأقوالهَم فقهاً وعقائداً لقُلتَ كانَ لهم من العقيدة والفقه كذَا وكذَا ، ولسردتهُ بأنصعِ الأسانيدِ وأنظفهِا ، حافظاً عن حافظ ، وإماماً عن إمام ، وإلاّ فما حالُ مَن كان من سلفكم من يتمرّغُ أمام أبواب الفُقهاء ليأخذُ الحديث الواحد ، ويتردّدون على المدينة ذاهباً ومرجعاً على باب مالك بن أنس دون أن يطرقوا باباً لزيد بن علي ، زيدٌ ، عن مَن يا أهل الرّوايَة ؟! عن زين العابدين عليّ بن الحسين أزهدُ العابدين وأكملهُم ؟! زين العابدين عَن مَن يا أهل الرّوايَة ؟! عن الحسين بن علي سيّد شباب أهل الجنّة ؟!! والحسين عَن مَن يا أهل البحث والتفتيش ؟! عن عليّ أمير المؤمنين وقائد الغرّ المُحجّلين ، أخو رسول الله (ص) ، وزوج البَتول ، إنّا لله ، هيضَت أخي المُحتجّ أشجاناً ، وأوقضتَ مَارداً مِن نور ، هل فعلاً أخي الباحث بعد هذا ، وبعدَ ما سيظهرُ لكَ إن أنتَ بحثتَ المسألة بحثَ الُمنصِف المُتجرّد ، هل فعلاً تقولُ قول المُوقِن أنّ أهل البيت ، سادات بن علي وفاطمَة لم يكُن لهُم قولٌ في الدّين معروف ، ولا مذهبٌ متبوع ؟! ، إن قُلتَ قولُهم معروفٌ ولكن مغمور وهو على منهج أهل السنّة والجماعَة ، قُلنا : لو كانَ كلامُك صحيحاً لاستزادُ من أقوالهِم سلفُكَ ، ولملأوا القراطيس نقولاً تترَى بعقائدِهم واستنباطاتهِم ، ولجفّت المحابرُ ونفُدَت ممّا يُملا عليهِم منهُم ، ولكنّ هذا عن طريقكم سرابُ بقيعَة ، بل هو معدومٌ وهذه صيغَة مُبالَغة ، إذ ما دوّنتُم من أقوالِهم إلاّ النزر اليسير ، والله أعلمُ بحال ما دوّنتموهُ عنهُم هل هُو يرقَى لأسانيد البخاري ومُسلم عندَكم أم أنّه منه من روايات الأجزَاء الزائدَة ، فهذا من سلفكمُ قرينةٌ على أنّهم كانوا أصحابَ فِكرٍ مُغايرٍ لفكرِهم ، أهملوهُ لمّا خالفوا عليهِم ، والله المستعان .

والعجيب في هذا الموضوع ، أن صاحب الاحتجاج بهذا القَول ، وهو استبعادُ أن يكون لأهل البيت (ع) مذهبٌ متبوع ، تميّزوا به عن الفرقَة السنيّة ، العجيبُ أن صاحب هذا الاحتجاج رجلٌ عرفَ الزيدية من أتباع أهل البيت ، ولو كانَ جاهلاً بحالهم ، ورجالِهم ، لعذرنَاهُ ، وقُلنا إنّما يتكلّم مما عرفَهُ من حال الإماميّة الجعفريّة حيث هُم الكُثُر وأقوالهُم المُخالِفَة مزبورةٌ في بطون الدّفاتر والكُتب ، ولكنّه عكسُ ذلك مِنَ العارفينَ العالِمين بحال الزيدية ورجالِها وأئمّتها واتّصالهم برجالات أهل البيت قديماً وحديثاً ، إذ هُو لا يجهلُ أمراً من عدّة أمور :

- لا يجهلُ أنّ الإمام الهادي إلى الحق (ع) أتَى في الثلاثين من عمره من مدينته مدينة الرّسول (ص) ، من بين سادات أهل البيت وأعلامهِم ، وعمّه مَن ؟! عمّه شيبَة الحمد محمد بن القاسم بن إبراهيم الرّسي (ع) مَن كان يُودّعه بدموع غزرة تتهمرُ من عينَيه ، ليسَ هذا وحَسب بل رافقَهُ ابن عمّه عبيدالله العباسي العلوي من ذريّة العبّاس بن علي بن أبي طالب وقُتِلَ تحت رايتِه ، فهَل هذا لا يجعلُك تستشفّ أمراً من أمور ، هُناك تماسُكٌ علويّ ، هُناك ثناءٌ من العمّ العالِم على الابن العالِم ، هناك تكافلٌ وترابط ، قالَ له أخوه عبدالله العالم بن الحسين بن القاسم الرّسي وهُو نسيج عصره في العلم والوَرع ، لن تبرحَ إلاّ وأنَا معَك ، هكذا عبَّرَت المواقف ، فَهل يحيى بن الحسين صاحبُ عقيدَة كُفريّةٍ معتزليّةٍ مُعطّلةٍ قدريّةٍ رافضيّةٍ عند هؤلاء الأعلام ، أخي الباحث ، لن تُجيبَ إلاّ وقد قدَحتَ في مَن تابَعَهُ منهُم ، فتقدحُ في محمّد بن القاسم ، وعبدالله بن الحسين ، وعبيدالله العباسي العلوي ، سلّمنا لقدحِكم فيهم إن جرحتُم أنفُسَكم بالقدحِ فيهِم .

- فهَل تجهلون حال ناصر العِترَة ، النّاصر الكبير الأطروش الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب (ع) ، وهُو في بلاد الجيل والدّيلم يبعُد عن الهادي إلى الحق آلاف الفراسخ ، وقيلَ لم يلتقِ بالهادي قطّ ، هل تجهلونَ ما كان يدَعوا إليه من إحياء مذهب أهل البيت (ع) ، فيُصرّح نهاراً جهاراً ، قال أهل البيت ، وهذا مذهبُ أهل البيت ، والزموا منهجَ أهل البيت ، وحرّر على ذلك المصّنفات الرائقَات ، فكانَ قولَه وعقيدته قولُ الهادي إلى الحق وعقيدته التي كان يدعوا بها على لسان أهل بيته في بلاد اليمَن ، هل النّاصر كذّاب ؟! كافرٌ أقلّها كُفر تأويل معشر السلفيّة الُمعاصرين للزيديّة ؟!! ، هل كانَ في منهجه هذا مُعتزليّاً مُعطّلاً رافضياً كاذباً على أهل البيت ، حينما دعا بمذهب أهل البِدَع وقال هُو مذهبُ أهل البيت ؟!! .

- هذا مُقامُ الاختصار في بسطِ السّير والأفعال لهؤلاء العلويون الفاطميّون وانتاسبهِم نسباً ، ومذهباً ، وإلاّ ففي البال الإشارَة إلى أنّ مُتقّدمي أهل البيت (ع) ، جماعاتهم ، وأهل القرون المُتقّدمة ، لم يكُونوا إلاّ على مذهب الزيدية ، وقد بسطنَا القولَ على ذلك في رسالَتنا (إثبات تمذهب السادة الأشراف المذهب الزيدي) ، فلتُراجَع ، فهل هذا كُلّه لا يرقَى في عينِكَ أخي المُحتجّ ، حتّى تُرجّح ما ذهبتَ إليه من سلفيّتهم بالظّن دون العلم ، المُشكلُ هُنا أنّ علماء المذهب الزيدي هُم بنوا فاطمَة أنفُسَهُم ، خلفٌ عن سلَف ، وسلفٌ عن سلَف ، قال الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة (ع) ، وهو يُفهّم بعض النساء عقائدَ أهل البيت ودَعوتَهُم : ((والمَذهب الذي دَلَلناكُنّ عليه ، أدركتُ عليه أبي حمزَة ، وحمزةُ أدركَ عليه أباهُ سليمان ، وسُليمان أدركَ عليه أباهُ حمزَة ، وحمزَة أدركَ عليه أباهُ عليّاً ، وعليّ أدركَ عليه أباهُ حمزَة، وحمزة أدركَ عليه أباهُ أبا هاشم ، وأبو هاشم أدركَ عليه أباهُ عبدالرحمن ، وعبدالرحمن أدركَ عليه أباهُ يحيى ، ويحيى أدركَ عليه أباه عبدالله ، وعبدالله أدركَ عليه أباهُ الحسين ، والحسين أدركَ عليه أباه القاسم ، والقاسم أدركَ عليه أباهُ إبراهيم ، وإبراهيم أدركَ عليه أباهُ إسماعيل ، وإسماعيل أدرك عليه أباهُ إبراهيم ، وإبراهيم أدركَ عليه أبا الحسن ، والحسن أدركَ عليه أباه الحسن ، والحسنُ ولد رسول الله (ص) ، وفاطمة وعلي سلام الله عليهم أجمعين)) اهـ كلامه (ع) ، اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد ، وكذا أشراف مكة والكوفة والجيل والديلم في القرون الأربعة الأولى .

الوجه الثّاني : أنّه يقال لمَن قال بهذا القول من عدم تمذهب أهل البيت (ع) بمذهبٍ متبوع كما تقوله الزيدية وهم الأقربُ صلةً بهم ورايةً ونسباً ودعوةً ، يُقال لمَن قال بهذا القَول ، أنّ هذه منكَ دَعوى ، وعليكَ البيّنَة ، فإنّك نفيتَ أن يكون مذهب الزيدية هُو مذهب أهل البيت ، فهلاّ أخبرتَ ما هو مذهب أهل البيت ، يا مَن تدّعي محبّة أهل البيت ؟!! .

نعم! أخي القارئ ما أشرنَا إليه قريباً ، ما هُو إلاّ متنٌ بشرحه وتفصيله سنحتاج لمجلّدات ضخام بدون مبالغَة في القَول ، فدليلُها موجود مزبور ، وقد كَفتني الإشارَة لمكان محلّك من البحث والإنصاف .

وأمّا بخصوص الأمر الثّاني الذي احتجّ به المُخالِف ، وهُو أنّه لا يُمكن الوقوف على إجماع أهل البيت (ع) ، وتعذّر هذا بانتشارهِم في أصقاع الأرض من سالف الزّمن وقديمِه ، وأنّ معنى قولَ مَن قال بحجيّة إجماع العترة ، فإنّما هُو ينصرفُ إلى إجماع الأمّة ، ولا إجماعُ يُحتجّ به إلاّ هذا الإجماع ، وأنّه ما أُخذِ واستُنبِطَ حجيّة الإجماع الفاطميّ إلاّ من حديث الثّقلين ، وهو حديثٌ آحاديّ لا يفيدُ العلم والقَطع ، فهو ظنّي لا يُتمسّك به .

والجواب على هذا القول ، نسوقُه من عدّة وجوه ، منها :

الوجه الأول : أن تعلَم أخي أنّ من تعذّر عليه الوقوف على إجماع العترَة ، سواءً كان انتماؤهُم إلى السلفيّة أقرب أو إلى الزيديّة ، فإنّه قطعاً سيتعذّر عليه الوقوف على إجمَاع الأمّة ، لكثرَة أقوالهِم واختلافِ مذاهبهِم ومشاربِهم .

الوجهُ الثّاني : تفصيلٌ لسابقِه ، وهُو أن يُقال للمخالِف ماذا أردَت بقولِك أنّ الحقّ في ما أجمعَت عليه الأمّة ؟! إن قال : أردتُ ما أجمعَت عليه من العقيدة والفقه والعبادات وما إليها ممّا جاء به الإسلام ؟! قُلنا : وهل تعلمُ أنّ الأمّة أجمعَت على عقيدةٍ في الله واحدَة ، غير ما جاء في الجُمَل؟! وهل تعلمُ أنّ الأمّة أجمعَت على قولٍ واحد في الفقه والمعاملات وفروع العبادات ؟! ، إن قُلتَ : لا ليسَ نعلمُ أنّهم اتّفقوا على أيٍّ من ذلك أبداً بدليل الاختلاف والتنازع والتناحُر . قُلنا : فأينّ الحجّة في الإجماع المأثور عن الرّسول (ص) ، وأنّه في مجموع الأمّة ، إن لم يكُن منه ثمرَةٌ مُستفادٌ منها؟!! ، نعم! ثمّ كيفَ ستعرفُ إجماع الأمّة وهُم أمّمٌ وجماعاتٌ متفرّقة في البلاد ، مختلفوا اللهجات والألوان والانتماء والاتّبَاع ؟!! ، إن قال : قد صعبّتم الوقوف على الإجماع بهذا الطّرح ، فوجه الحقّ فيه أنّه إن أجمعَت طائفةٌ من أهل العلم الموثوقُ بهم خلفٌ عن سلَف على قولٍ في العقائد والفروع كان هذا هُو الإجماعُ المُرادُ بالعصمَة والصحّة ، وقد أشار إليه ابن تيمية ، فقال في الواسطية : ((والإجمَاع الذي يَنضَبط مَا كَان عليه السّلف الصّالح)) ، نعم! فليسَ هُو ما ذهبتُم إليه من اجتماع جميع الأمّة على نفس هذه العقيدة فإنّ هذا مُستحيل . قُلنا : فقد رجعتُم إلى قولِنا من حيثُ عَلِمتُم أو جَهلتُم ، وذلكَ أنّكم أبطلتُم حجيّة أو معقوليّة إجماع العترة الفاطميّة لمكان انتشارهِم في الأمصار ، وعدم حدّهم بعدد ولا بلَد ، وقلُتم كيف تدّعي الزيدية إجماع أهل البيت ، وأهل البيت مُنتشرون في الأصقاع ليس يُعلمُ جميعُ أقوالهِم ، وهُم مختلفون مُتمذهبون ، فهذا عينُ ما أنكرتَه أيّها المُخالف من حال إجماع الأمّة ، ولم تجعلهُ لازماً لإتمام الإجماع ، وقُلتَ أنّ الإجماع قد ينعقدُ ببعض الأمّة من العلماء ، ونحنُ ما قُلنا إلاّ بهذا ، فإجماع أهل البيت (ع) مُتحقّقٌ بإجماعِ عُلمائهم المُتبّعون لأسلافهِم ، خلفاً عن سلَف ، وسلسلة علومهِم موصولَة بعلوم مُتقدّميهم إلى رسول الله (ص) ، فثبتَ معقوليّة وقوع إجماع أهل البيت (ع) ، والحمدلله تعالى .

الوجه الثالث : قولُكم أخي في الله أنّ حديث الثَّقلين ، حديثٌ آحاديّ لا يرقَى إلى مرتبَة القَطع بمضمونِه ، وأنّه إن صحّ وجهه فإنّما بلفظ التوصيَة من الرّسول (ص) : (أذكّركم الله في أهل بيتي) ، وهذا منكم إهمالٌ لتصحيح أعلامِكم لهذا الحديث وما استنبطوه منه وأصّلوه بما نقلناه سابقاً ، حتى قال بعضهم بحجيّة إجماع العترة بسببه، نعم ! ليسَ يهمّ الآن مُناقشَة إثبات صحّة حديث الثقلين المشهور بين الأمّة ، وجمع طُرق هذا الحديث ومُناقشته ، وذكرُ من صحّحه ، وإن سمحَ الوقت وأعان الله أفردنا لهذا رسالةً جامعَة ، على أنّ قولكم أنه حديث آحاديّ قولٌ غريب وعجيب ، وهو قول من لم يطّلع على طُرق هذا الحديث ، نعم! يهمّنا هُنا هُو ترجيحكم لأن يكون وجه هذ الحديث هو ما رواه مسلم في صحيحه بمعنى التوصية بأهلى البيت (أذكركم الله بأهل بيتي) رواه عن زيد بن أرقم ، ولم نقف له -فيما بحثنا عنه- على روايه بهذا الوجه إلاّ عن زيد بن أرقم ، علماً بأنها مروية بوجه (كتاب الله وعترتي) بطرق أخرى عن زيد بن أرقم نفسه ، وعن غيره من الصحابة ، منهم جابر بن عبدالله ، وأبو سعيد الخدري ، وعلي بن أبي طالب ، وزيد بن ثابت ، وحذيفة بن أسيد الغفاري ، وأبو ذر الغفاري ، ولستُ أدري سبب تمسّك السلفيّة بهذه الرواية بهذا الوجه علماً أنّها قد رويت من طرق غيرها بأسانيد صحّحها عدد من العلماء منهم ابن حجر ، وابن كثير ، ومحمد بن إسحاق ، وحسّنها الترمذي ، وأشار إلى توثيق عدد من أسانيدها صاحب مجمع الزوائد .

اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد .........
صورة
الوالد العلامة الحجّة عبدالرحمن بن حسين شايم المؤيدي
صورة

الكاظم
مشرف مجلس الدراسات والأبحاث
مشاركات: 565
اشترك في: الأربعاء مارس 24, 2004 5:48 pm

Re: رِحلَةٌ قَصيرَة فِي البَحث عَن ثَقَل الله الأصغَر فِي الأرض!

مشاركة بواسطة الكاظم »

بسم الله الرحمن الرحيم

[خلاصة حوار قائم حول إجماع أجماع أهل البيت (ع) ]

اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد ......

قالوا : قد أخبرَ عن عدم قيام الإجمَاع الفاطمي لانتشار ذرية بني فاطمة في الأصقاع ، عدد من أئمة الزيدية ، منهم الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة ، والإمام يحيى بن حمزة ، والإمام الحسين بن بدر الدّين ، وجاء لهذا ذكرٌ في الدراري المُضيئة الموصلَة إلى الفصول اللؤلؤية ، فكيفَ يستقيمُ هذا مع كلامكم السابق ؟!! .

قُلنا : اعلم أخي أنّهُ يُحمَل قولُ مَن قالَ ذلكَ على الكلام على الإجماع الفاطمي التامّ ، بمعنى أخذاً في الاعتبار جميع بني فاطمَة ، وأنّ هذا مُتعذّرٌ الوقوف عليه لمكان انتشارهم في الأمصَار ، كما نقولُ أنّ إجماع الأمّة أمرٌ غير مُمكن باعتبار جميع النّاس ، أو قُل جميع علماء المذاهب المُختلفَة دون العامّة ، وهذا مُتعذّر ، ومن ينفي هذا الإجماعَ ، فإنّه قد يقول بالإجماع المُنحصر بطائفَة الحقّ من العلماء المحقّين ، فنحنُ نحملُ مَن قال بهذا من الأئمّة على هذا المَحمَل ، ويُقوّي هذا عنهُم أنّهم يعتبرونَ بالإجماع الفاطميّ المُنحصِر في سادات أهل البيت (ع) أئمّة الزيديّة ، ويقولون به، ويحتجّون به ، ويعتبرونَهُم ثقَل الله الأصغَر في الأرض ، المعصومَة عقائدهُم وما أجمعوا عليه عن الباطِل والخطأ ، فقولُهم السابق قولٌ عامّ ، يُخصّصونَه بإجماع الفئة المحقّة من علماء بني فاطمة (ع) ، ونحنُ نبيّن لك ذلك بأحسنَ البيَان بإذن الله تعالى ،

فأمّا ما أثرَ عن الإمام المنصور بالله بن حمزة وقد أشارَ إلى ذلك عنه ابن الوزير رحمه الله نعني (امتناع الإجماع الفاطمي للانتشار في الأقطار) ، فستجد صدقَ تأويلِنا لكلام الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة (ع) ظاهراً ، وأنّه ما كان يعني بهذا التعذّر إلاّ الوقوف على الإجماع العام التامّ المشتمل لجميع علماء بني فاطمة ، وهو مع ذلك يُثبتُ إجماعاً خاصّاً مُنحصراً في مَن اقتفى أثرَ السّلف من أهل البيت (ع) منقولاً ومعقولاً ، فتجدهُ يحتجّ بأنّ إجماعَهم حجّة في غير موضعٍ من كتبه ورسائله ، فقال (ع) في معرضٍ نقاشٍ له في الإمامة : ((وممَّا يدل على أنّ المُراد بالآية وَلد الحسن والحسين عليهم السلام ، إجمَاع العِترة عليهم السلام على أن الإمَامَة مَخصوصة فيهم، (تأمّل) والذي يدلّ على أنّ إجمَاعهم حجّة قوله ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ﴾) الآية ، والإستدلال بهذه الآيَة يبتني على وجوه..إلخ)) [المجموع المنصوري] ، وقال (ع) في موضعٍ آخَر ، مُظهراً دلالة وحجيّة الإجماع الفاطمي : ((وكمَا أنّا نستدلّ به لهُم على ثبوت الإمَامة ، نستدلّ به على أن إجمَاعَهم [أي أهل البيت] حُجّة ، لأنّ الحُجّة لا تكون أكثر ممّا يَجب اتبّاعه ويَحرم خلافه ، وقد ثبت بمَا قدّمنا وجوب اتّباعهم ، وتَحريم خِلافِهم ، فَكان إجمَاعُهم حجّةٌ لذلك ، ومِن إجمَاعِهم أنَّ الإمَامَة فِيهم دون غَيرهم مِن أجنَاس الأمم)) [المجموع المنصوري] ، وهُنا قد أقرّ الإمام (ع) وقوع الإجماع ، ولو لم يكُن قائلاً بالإجماع الفاطمي لما حكمَ بوقوعِه ، فافهمَ هذا .

وأمّا ما حُكيَ عن الإمام يحيى بن حمزة (ع) ، فإنّه يظهرُ وجهه من تأويلِنا أعلاه ، وذلك من قوله (ع) في كتابه العظيم (الانتصار) ، فقال (ع) محتجّاً على صحّة قولِنا (حيّ على خير العمل في الأذان) وأنّه إجماع العترة ، فقال : ((وأمّا أنَّ إجمَاعهم حُجّة فَللآية والخَبر، أمّا الآية فَقوله تعالى: ((إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً)) ، [الأحزاب:33]. فَظاهرُ هَذه الآية دَالٌّ عَلى تطهيرِهم مِن جَميع الأرَجاس كلّها، والمَعاصي مِن جُملة الرّجس ، فَيجبُ تبرئتهُم عنهَا ، ولا نُريد بكون إجمَاعِهم حُجّة إلا أنّهم لا يُجمِعُون على خَطأ ، وأمّا الخَبر فقوله (ص) : ((إنّي تَاركٌ فِيكم مَا إن تمَسّكتُم بِه لن تَضلّوا ، كِتابَ اللّه وعِترتي أهل بَيتي إنّ اللطيف الخَبير نبّأني أنّهُما لَن يَفترقَا حتّى يَردا عليَّ الحَوض)) ، فظاهِر هَذا الخبر دَالّ عَلى وجوب التمّسك بالكتاب والعِترة ، ولن يَكون الأمر هكَذا إلا وهُم مَعصومون فيمَا أجمَعوا عَليه عن الخَطأ والزّلل ، وقَد دَلّلنَا فِي كُتبنا الأصوليّة على أنّ إجمَاعَهُم حُجّة وأجَبنَا عَن الأسئلَة الوَارِدَة على الآيَة والخَبر فمَن أرادَها فَليأخذها مِن كتاب (الحَاوي) ، فإنّه يَجد فِيه مَا يشفي ويكفي من ذلك ، وَوضّحنَا أنّ الأدلّة الشّرعية الدّالة على كَون إجمَاع العِترة حُجّةٌ أصَرح وأقوى مِن الأدلّة الدّالة على أنّ إجمَاع الأمّة حُجّة لمَا فِيها مِن التّصريح بالغَرض المَقصود)) [الانتصار] ، قلتُ / وهذا فواضحٌ من رأي الإمام (ع) الأخذ في الاعتبار بحجيّة إجماع أهل البيت (ع) ، ولو كان غرضهُ أو غيرهُ من الإشارَة إلى انتشار بني فاطمة في الأصقاع هو الإتيانُ على الإجمَاع أو نقضُه لما كانوا يحتجّون به ، فكانَ نقلُنا القريبُ هذا رادّاً بإذن الله تعالى لهذا الفَهم ، ونزيدُ فائدةً عزيزَة لأهل البحث بخصوص رأي الإمام يحيى بن حمزة (ع) في إجماع العترة ، فإنّ كثيراً من اللبس يأتي الباحث من جهَة تصريح الإمام (ع) بعدم تفسيق مُخالف إجماع العترة ، فيظهرُ له أنّ الإمام يوهّن هذا الإجمَاع ، والحقّ أنّ الإمام (ع) لا يقول بهذا إلاّ في المسائل الاجتهاديّة الُمتنازَع حولَها ، وأنّ الحقّ سيكون في جانب أهل البيت (ع) وما قالوا به ، إلاّ أنّ الاجتهاد حملَ المُخالف في الفقهيّات على المُخالفَة وهذا لا يوجبُ فسقاً عندَ الإمام ، فتوهّمه البعض القليل على أنّ هذا محمولاً على الأصول والفروع من إجماع العترَة وهذا وَهم ، ومقدّمته في الانتصار تنصبّ على فحوَى ما ذكرناه ، فتنبّه إن كُنتَ تبحث عن الحق دون التعلّق بالشّبه والفرَح بها .

وأمّا ما أثرَ عن الإمام المنصور بالله الحسين بن بدر الدين (ع) ، فإنّه يُقال فيه بالوجه الذي قُلناه سابقاً في حقّ الإمام عبدالله ، والإمام يحيى ، وذلكَ أنّ من طالعَ كُتُبَه وجده يحتجّ بإجماع أهل البيت (ع) المُختصرَة منها قبلَ المُطوّلَة ، وشاهدهُ في كتابه النّافع (العقد الثمين في معرفة ربّ العالمين) ، فقد صرّح بالاحتجاج بإجماع العترة في غير موضع ، فليُراجَع .

فوائد في إثبات حُجيّة إجماع العترَة على لسان سادات سلفنا من بني فاطمة (ع) :

وجميع ما أذكرهُ هنا فمن نَقل الشريف الحافظ مُسند الكوفة أبي عبدالله محمد بن علي البطحاني الحسني (ع) ، من كتابه العظيم (الجامع) :

1- قال الإمام محمّد بن علي الباقر (ع) ، وقد سُئلَ عن اختلافِ أهل البيت (ع) : ((إنّا نَختلفُ ونَجتمِع، ولَم يَجمَعَنا الله على ضَلالَة)) .

2- قال الإمام الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي (ع) : ((كلّ مَا أجمَعَ عَليه أبرَار العِترَة أنّ رَسول الله (ص) قَالَه فقَد لَزِم أهلُ الإسلامِ العَملُ به)) .

3- وقال أيضاً الإمام الحسن بن يحيى (ع) مُبيّنًا حصرَ حصول الإجماع الفاطمي في الطائفَة المُتّبعَة لنهج أبائها السّابقين الأبرار دوناً عمّن اتبّعَ غيرَهُم ، وهو قول الزيديّة ، قال (ع) : ((المَخرَجُ مِن الاختلاف فِي الحَلال والحَرام اتّباع المُحكم المَنصوص عليه مِن كِتاب الله، والأخذُ بالأخبَار المَشهورة المُتسق بهَا الخَبر عَن غَير تواطئ عَن رَسول الله (ص) ، أو عن عَليٍّ -صلّى الله عليه - ، أو عَن خِيار العِترَة [تأمّل شرط اتّباع العترَة] المُوافقة للمُحكَم مِن كتاب الله واتّباع الأبرَار الأتقياء الأخيار مِن عِترة رَسول الله، فَهذه الحُجج الوَاجبَة على المُسلمين)) . قلتُ : فهناك شرطَين لتحقيق صفَة المُحقّ في التبعيّة من علماء بني فاطمَة ، والواجب الاقتداء به ، وهي ، أن يكونُ مُقتدياً بالكتاب الكريم ، وأن يكون مُوافقاً لسلفه من أخيار العترَة الفاطميّة وأبرارها ، ولن يحصُل لهم اتّباع الكتاب إلاّ بموافقَة رأي سلفه من أهل البيت (ع) ليعرفَ وجه الكتاب وتأويله ، إلاّ في النّادر .

4- وقال الإمام الحسن بن يحيى (ع) أيضاً ، قاطعاً طويل اللّجاج ومُتغطمِطَه في مسألَة حديث الثّقلين ودلالته على الإجماع الفاطمي ، لمَن كانَ من الصّادقين في التّبعية لأهل البيت (ع) : ((فِيمَا اجتمَعَت الأمّة عَليه مِنَ الفَرائض فَإجمَاعُهم هُو الحجّة على اختلافِهم ، لأنّ النّبي (ص) ، قال: ((مَا كَان الله ليجمَع أمّتي على ضَلالة)) ، ومَا اختَلفُوا فِيه مِن حَلالٍ أو حَرام ، أو حُكمٍ أو سُنّةٍِ فَدلالَة رَسول الله (ص) فِي ذَلك قَائمَةٌ بِقوله: ((إنّي تَاركٌ فِيكم الثّقلين كِتاب الله وعِترتي أهل بَيتي ولَن يتفرّقا ، حتّى يَرِدَا عَليّ الحَوض)) ، فَهذا مَوضعُ الحُجّةِ مِنهُ عَليهِم ، وهَذا خَبرٌ مَشهور ، ونقَلته الأمّة عَن غَير تواطئ، فَأبرَار آل رَسول الله (ص) رُؤسَاءُ الأمّة وقَادَتُهَا وسَادَتُها ، الذين قَال رَسول الله (ص) إنّ الهُدَى فِي التمسّك بِهم، وإنّمَا هَذا خَاصٌّ لَهُم دون غَيرِهم، وهُم الذين أورِثوا الكِتاب، وأُمِرَ بِردِّ الأمورِ إليهِم ، فَقال: ((فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)) )) اهـ كلامه (ع) ، وهُنا لو تأمّلت لوجدتَ الإمام (ع) ضمناً يردّ على من استبعدَ أن يكون لأهل البيت (ع) مذهبٌ وأقوالٌ يكونون متبوعين من خلالها ، والله المُستعان ، وفيه إثباتُ أنّ الحقّ لن يكون إلاّ معَهُم ، إذ لن يُجمعوا على باطلٍ أبداً ، والحمد لله رب لعالمين .

اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد .......
صورة
الوالد العلامة الحجّة عبدالرحمن بن حسين شايم المؤيدي
صورة

أبودنيا
مشترك في مجالس آل محمد
مشاركات: 786
اشترك في: الثلاثاء أكتوبر 02, 2007 5:45 am
مكان: al-majalis

Re: رِحلَةٌ قَصيرَة فِي البَحث عَن ثَقَل الله الأصغَر فِي الأرض!

مشاركة بواسطة أبودنيا »

بورك فيكم سيدي
وزادكم الله بسطة في العلم

أتابع معظم أبحاثك ولو - أصدقك القول - أني لا أكملها لكسلي
لكن ظني في محله أني لا أعدم الفائدة فيها .
الروافض: هم اللذين رفضوا نصرة أهل البيت عليهم السلام تحت أي مبرر.

الكاظم
مشرف مجلس الدراسات والأبحاث
مشاركات: 565
اشترك في: الأربعاء مارس 24, 2004 5:48 pm

Re: رِحلَةٌ قَصيرَة فِي البَحث عَن ثَقَل الله الأصغَر فِي الأرض!

مشاركة بواسطة الكاظم »

بسم الله الرحمن الرحيم

[خلاصَة حوار قائم حول دلالة قطعيّة لإثبات اتّباع أهل البيت (ع) ]



تمهيد عام
:


* أولاً: نحنُ لم ندّعِ أنّ الشرعَ أمرَ باتّباع طائفَة اسمها (أهل السنّة والجماعَة ، أو السلفيّة) في كلامِنا أعلاه ، حيثُ لم نطلُب إلاّ الإتيان بالدّليل القطعي أنّكم الطائفَة المُحقّة الذي يصدقُ عليه ما رواهُ أهل الحديث من صفة الإحقاق ، فرويتُم أنّه (ص) ، قال : ((تركتُ فِيكم أمرَين لَن تضلّوا مَا تمسكّتم بهِمَا كِتاب الله وسُنّتي)) ، فذهبتُم بالجَزم والحَزم والقَطع إلى أنّكم وسلفكم ، المُطلَقُ عليكم (أهل السنة والجماعة أو السلفيّة) ، مصاديقُ هذا الخبَر وأنّكم من يُمثّلهُ ويُمثّلونَه ، فحكمتُم لأنفُسكم وعقائدكم بالنّجاة والصحّة دوناً عن بقيّة المذاهب التي تدّعي الكتاب والسنّة ، وكذلكَ قُلتم في قوله (ص) : ((بسّنتي وسُنة الخُلفَاء الرّاشدين المَهديين مِن بَعدي ، تمسّكُوا بهَا وعُضّوا عَليها بالنواجِذ)) ، فأنتم تدّعون أنّكم أصحاب السنّة ، المُتبعون للخلفاء دونَ غيركم ممّن خالفَ على قولكم في الاعتقاد ، فإن كانَ هذا صحيحاً من ادّعائكم التّبعيَة لهم في عقائدكم وفروعكم دونَ غيركم ، فهذا من رسول الله (ص) شهادةٌ لكم بالنّجاَة ، وأنّكم مصاديقُ تلك الأحاديث ، ومن يُمثّلها على أرض التكليف ، فإن كانَ ذلكَ منكم كما ذكَرنا ، فإنّا نطلبُ منكم الدّليل القطعي المفيد للعلم على أنّكم المقصودين بصفَة السنّة المروي عن رسول الله (ص) التمسّك بها ؟!

واختصارُ المُراد من هذا التمهيد: هُو أنّ المُخالفُ لمّا طلبَ من الزيدية إثباتَ قولهِم بوجوب اتّباع أهل البيت (ع) دونَ غيرهِم بدليلٍ قطعيّ مُفيدٌ للعلم ، كان يجب أن يُدرك نوعَ الدّليل الذي يطلبُونَه ، ليُجابَ عليهِم بما أرادوا ، فإن قالوا يلزمُ أن يكون الدّليلُ متواتراً لفظيّاً ، قُلنا : هبَوا أنّا لم نأتِكُم بهذا الدليل المتواتِر اللفظيّ ، فهل ستُسقطونَ مقالاتنا بوجوب اتّباع أهل البيت (ع) ؟! إن قُلتُم : نعم ، يترتّب على ذاكَ هَذا ، قُلنَا: فأنتُم توجبونَ اتّباع منهجكم منهج أهل السنّة والجماعَة بلا دليلٍ متواتر لفظيّ يشهدُ لصحّة اعتقادِكُم معه ، لا من كتاب الله تعالى ، ولا من سنّة رسول الله (ص) ، فأنتُم تدعونَ النّاس على الظنّ ، وما قلّدتم فيه علماؤكم من اجتهادهِم في تصويب آرائهِم ، كما اجتهدَ غيرهُم من الأشاعرَة مثلاً ممّن يُنازعونَكم لقب (أهل السنّة والجماعَة) في تقرير وتصويب آرائهِم ، فهل تستطيعونَ أن تُثبتوا أنّ منهجَ (أهل السنّة والجماعة) كَفِكرٍ وعقيدَة هُو الدّين والقَول الذين ارتضاهُ الله ورسولهُ للعباَد ؟! ، فإن لم تستطيعُوا ولن تستطيعُوا إيراد دليل متواترٍ لفظيٍّ من رسول الله (ص) يفيدُ هذا ، لمكان عدم وجوده ، ولمكان مُنازعة غيركِم له ، نعم! فكيفَ مع هذا تُسقطونَ قولَنا بوجوب اتّباع أهل البيت (ع) عندما لم نُحضِر لكم دليلاً متواتراً لفظيّا وقطعيّاً يدلّ على وجوب اتّباع أهل البيت (ع) ، وأنتُم ما زلتُم تدعُونَ نهاراً جهاراً بوجوب اتّباع مذهبكم مذهب السّلف الذي هُو قولُ الله والرّسول (ص) ، وليسَ معكم من هذه الدّعوى إلاّ أقوال علمائكم دونَ الله والرّسول (ص) ؟!! ، فوقَعتُم في المحظور ، فلذلكَ سألناكَ أخي المُحاوِر عن دليلِك القَطعي في إثبات صحّة ما أنتَ تدعوا إليه من المذهَب ، هذا من جهَة.

ومن جهةٍ أخرىإن قلُتم دليلُنا على أنّ منهجَنا منهج أهل السنّة والجماعَة هُو الحقّ الموافق للكتاب وصحيح السنّة هُو التواتر المعنوي دون اللفظيّ من كلام الله والرّسول (ص) ، والتواترُ المعنويّ يُفيدُ العِلم ، قُلنا : هبونَا سلّمنا أنّ قولَكم بأنّ هُناك أحاديثاً تواترت معنويّاً تحثّ على اتّباع (الكتاب والسنّة) هكذا مُجرّدة ، فمِن أينَ ظهرَ لكم أنّكم المُتّبعون للكتاب والسنّة ، وأنّكم مَن نال شرفَ ومصداقَ أحاديث المَدح المحمّدي للمتمسّكين بالكتاب والسنّة ، وعليه أوجبتُم مُتابعَة هذا المَنهَج ؟!! الظّاهر أنّ المدح جاء للمتمسّكين بالكتاب والسنّة بدون تحديد طوائف أو جماعات ، والظاهرُ ضرورةً أنّ الإباضيّة من الخوارج يقولون نحنُ مُتمسّكون بالكتاب والسنّة ، والأشاعرَة يقولون نحنُ مُتمسّكون بالكتاب والسنّة وبأقوال الصّحابَة ، والسلفيّة يقولون كذلك ، والمعتزلَة كذلك ، فمعَ تسليمِنَا لكم أنّ معنى التمسّك بالكتاب والسنّة قد ثبتَ تواتراً معنويّاً وهو ثابت ، فما زلتُم في دائرة الشّك والظّن إذ قد تكونون أحد مصاديق هذا الاتّباع لهذا الحثّ المحمّدي للكتاب والسنّة ، وقد يكون غيركُم ممّن اجتهدَ كما اجتهدتُم في إصابَة السنّة من الأشاعرَة والإباضيّة والمعتزلَة ، فكيفَ تردّون عليهم باحتكاركم فهمَ الكتاب والسنّة دونَهُم ، وليسَ لديكم من الله ولا من رسوله (ص) مُعتمَدٌ إلاّ أقوالاً واستنباطاتاً ورواياتاً رويتُموها ، لغيركُم مثلها من العُلماء والرّوايات والاستنباطات والاجتهادَات ؟!! .

* فخُلاصَة منهج أهل السنّة والجماعَة في كونهم الفرقَة المحقّة ليسَ له دليلٌ يسندهُ لا من قولٍ متواتر باللفظ ، ولا متواتر بالمعنى ، ولا حتّى بالآحاد عن الله والرّسول (ص) ، بل هم يدعونَ النّاس إلى قولهِم واعتقادهم باسم الله والرّسول ظنّاً ، ووثوقاً في فهم رِجَالهم ، وما صحّحوه من أحاديث ، وهذا أصلٌ مهم .

عليه فأيُّ دليلٍ تطلبُني به أخي (المُحاور) أن آتي به ، لأنّي إن أتيتُكَ بخبر آحادٍ صحيح في دلالة وجود الحقّ عند أهل البيت (ع) لكانَ لازماً لكَ دونَ غيرِك أن تجعلَهُ دليلاً قويّا في اقتفاء هذا المَنهج ، هل تعلمُ لماذا ؟! لأنّك تدّعي من منهجك السّلفي الذي أنتَ عليه أنّه الحقّ ، وتستنبطُ له الإجماع ، وهو لم يَرِد لا مِنَ الله ولا مِن رَسوله (ص) حثّ على اتّباعه أو التمنهجُ به ، لا من آحادٍ صحيح ، ولا من متواتر ، فورود حديث آحادٍ صحيح يدلّك على حثّ الله والرّسول بالأخذ بالحقّ من طريق أهل البيت (ع) يكون بمثابَة القشّة التي تكونُ دلالتها أعظمُ ممّا ذهبُتم إليه من دلالة كون منهجكم السّلفي هو منهج الله والرّسول (ص) ، إذ في الوسَط حديثٌ عن رسول الله (ص) يُخبرُ أنّ الحقّ مع أهل البيت، وأنتم لا دليلَ من الله ولا رسوله على أنّكم بعينِكم أهل الكتاب والسنّة ، وهذا ليسَ منّا تقويَةً للأخذ بخبر الآحاد في إثبات العقائد ، ولكن إلزامٌ للمُخالف بأنّ خبر الآحاد الصحيح أدلّ ممّا اعتمدوا عليه في إثبات صحّة منهجهم واتصاله بالله والرّسول ، لأنّهم لم يعتمدوا في دَعواهم على أحقّيتهم بالكتاب والسنّة وأنّهم مُراد الله والرّسول في مذهبهِم لا بحديث آحاد ، ولا بمتواتر ، وهذا ينصرفُ على دعواهم أنّ فهمهم هو منهج الله والرّسول ، دون الكلام على الحديث الذي يطلبُ فيه الرّسول (ص) من الأمّة الاقتداء بالكتاب والسنّة فهو ثابت ، ولكنّ تخصيصَهُم أنفُسَهُم بأنّ هذا الحديث ينطبقُ عليهم دون غيرهِم أمرٌ لا دليل عليه البتّة .

*خلاصَة الخُلاصَة: اعلَم أخي الباحث أنّ ما أشرنَا إليه أعلاه ، فيه فوائدٌ عزيزَة ، ورؤوس أقلامٍ بارزَة ، وخطوطٌ عريَضَة لآليّة البحث عن المنهَج ، فقولُ مَن قال الحجّة على النّاس الكتاب والسنّة وفقَط ، فقد عسّرَ التكليف بلا استحالَة ، إذ لا بدّ للكتاب والسنّة من عُلمَاء يُفّهمونَه ويستنبطونَ منه ويردّون مُتشابَهه إلى مُحكمه ، ويردّون به الأفهام السقيمَة التي فهمتهُ على غير مُراد الله والرّسول (ص) ، والعُلماءُ هؤلاء على مذهب السلفيّة لا وجودَ لهُم وهُم ليسوا بمهمّين في معرفة طريق الكتاب والسنّة ، فقالوا الحجّة في معرفة الحق هي الكتاب والسنّة وفقَط ، فادّعَى الكتاب والسنّة ، سلفيّة وأشاعرَة ، وإباضيّة ، ومعتزلَةٌ ، وزيديّةٌ ، وجعفريّةٌ ، وإسماعيليّة كلّهم يقول نحن أهل الكتاب والسنّة ، فهَل إلى هذا التّكليف من تيَسير؟! هل كلّ علماء هذه الفرق وما استنبطوه هم الحجّة وفي قولهِم الحجّة ؟! هذا منهجٌ سطحيّ في البحث عن الحقّ سببه الاستغناء عن أهل الحقّ في معرفة طريق الكتاب والسنّة ، والله المستعان .

الكلام على الأدلّة القاضيَة بوجوب اتّباع أهل البيت (ع) :

* والآن ، وقد جَدّ الجدّ ، حانَ وقت إظهارُ حجّة أهل البيت (ع) في أحقيّة كونهم متبوعين ، وأنّ قولَهُم حجّةٌ لازمَة ، وأنّ الله والرّسول (ص) لم يحثّوا على اتّباع كتاب وسنّة ليسَ عليها أهل البيت (ع) ، فمنهَا :

* ما تواترَ معناهُ من حديث الثّقلين ، وهُو قول الرّسول (ص) : ((إنّي تاركٌ فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا من بعدي أبداً كتاب الله وعترتي أهل بيتي إنّ اللطيف الخبير نبّأني أنّهما لن يفترقا حتّى يردَا عليه الحوض)) .

تعليق: وهُو لمّا ظهرَ لطائفَةٍ من الفرقَة السنيّة تواتر معناه ، قالوا لأجلِه بحجيّة إجماع أهل البيت هؤلاء ، وإن لم يُصرّحوا بإطلاق التواتر في حقّه ، إلاّ أنّ تقريرَهُم لحجيّة إجماعهِم لن ينطلق من حديث آحادٍ ظنّي ، فمن رّد هذا رَدّ قولَ طائفةٍ من أصحابِه ، أيضاً قال ابن حجر الهيثمي عن هذا الخبر : ((ثمّ اعلَم أنّ لِحَديث التمسّك بذلك طُرقاً كَثيرة، وردَت عن نيّفٍ وعِشرين صَحابيّاً ، ومر لَه طُرقٌ مَبسوطة)) [الصواعق المحرقة:2/440] ، وصحّح هذا الحديث من العلماء الذّهبي و محمد بن إسحاق ، والألباني ، وحسّنه الترمذي ، ووثق صاحب مجمع الزوائد عدداً من أسانيده .

قالوا: مهلاً ، فإنّا لا نُسلِّم لكم بصحّة حديث الثّقلين بلفظ (كتاب الله وعترتي) ، وإنّما الصحيحُ منهُ ما رواه مسلم في صحيحه من حديث زيد بن أرقم ، فروى مسلم بإسناده ، قال : (حدّثني أبو حيّان ، حدّثني يزيد بن حيّان ، قال : انطَلَقتُ أن وحُصين بن سَبرَة ، وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم ، فلمّا جَلسنا إليه ، قال له حُصين: لقد لَقيتَ يا زيدُ خيراً كثيراً ، رأيتَ رسول الله (ص) ، وسَمعت حديثَه ، وغزوتَ معه ، وصلّيتَ خلفَه ، لقد لَقيتَ يا زيد خيراً كثيراً ، حدِّثنا يا زيد ما سَمِعتَ من رسول الله (ص)؟! ، قال: يا بن أخي والله لقَد كَبرَت سنّي ، وقَدُمَ عهدي ، ونسيتُ بعض الذي كُنتُ أعِي من رسول الله (ص) ، فما حدّثتُكم به فاقبَلوا ، وما لا فلا تكلّفونيه ، ثمّ قال ، قام رسول الله يوماً فينا خطيباً بماءٍ يُدعَى خُمّاً بين مكة والمدينة ، فحمدَ الله وأثنَى عليه ، ووعظَ وذكّر ، ثمّ قال: أمّا بعَدُ ألا أيّها النّاس ، فإنّما أن بشرٌ يُوشِكُ أن يأتيَ رسول ربّي فأُجيبَ ، وأنا تاركٌ فيكُم ثَقَلَينِ ، أوّلُهُما كتاب الله فيه الهُدَى والنّور ، فخذُوا بِكتابِ الله ، واستمسِكوا به ، فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه ، ثمّ قال: وأهلُ بيتي أُذكّرُكُم الله في أهل بيتي ، أُذكِّركُم الله في أهل بيتي ، أُذكّركُم الله في أهل بيتِي)) ، فهذا من الرّسول (ص) ينصرفُ إلى التوصيَة بهم خيراً دون الاتباع ، وهو أصحّ ممّا يُروى من وجه (كتاب الله وعترتي) ، فسقطَ بهذا ما اعتمدتُم عليه من وجوب الاّتباع لأهل البيت رضوان الله عليهم وكونهم ثَقَل مُلازمٌ للقرآن .

قُلنَا : قد سَئمنا ، وعندي أنّ حالكم من السأم كحالِنا ، سئمنَا مُناقشَة إثبات وصحّة أسانيد (كتاب الله وعترتي) ، نحنُ نزيدُ في الاحتجاج ، وأنتم تزيدون ، ذاكَ الرّواي واهٍ ، وهذا ضعيف ، بل ثقَة ، هو إسنادٌ حسَن ، بل ضعيف ، يُحتجّ به ، بل غير صحيح ، هذه احتجاجاتٌ سئناهاَ منكم ، ولا شكّ سئمتموهَا منّا ، إلاّ أنّ تلخيصَها بقول ابن حجر الهيثمي مهمّ هُنا عندما تكلّم عن خبر التمسّك بالكتاب والعترَة فقال : ((ثمّ اعلَم أنّ لِحَديث التمسّك بذلك طُرقاً كَثيرة، وردَت عن نيّفٍ وعِشرين صَحابيّاً ، ومر لَه طُرقٌ مَبسوطة)) [الصواعق المحرقة:2/440] ، ومن الذين صحّحوه محمد بن إسحاق ، والذّهبي ، والألباني من المتأخرين ، وحسّنه الترمذي ، ووُثِّقَت بعض أسانيده في مجمع الزوائد ، هذه إشارَة سريعَة ، ونأتي على ما أوردَه المُخالف نقضاً للباطل ، وإثباتاً للحقّ مُستعين بالله الواحد ، فنقول :

اعلَم أخي رحمنا الله وإيّاك أنّ تناولَ حديث الثّقلين ، قد جاء في صورَتين من الرّواية ، فروايةٌ جاء فيها عن رسول الله (ص) ، أنّه قال : ((إنّي تاركٌ فيكُم الثَّقلَين كتاب الله وعترتي أهل بيتي وإنّهما لن يفترقَا حتّى يردَا عليّ الحوض)) ، وصورةٌ ثانيَة أنّ رسول الله (ص) ، قال : ((وأنا تاركٌ فيكُم ثَقَلَينِ ، أوّلُهُما كتاب الله فيه الهُدَى والنّور ، فخذُوا بِكتابِ الله ، واستمسِكوا به ، فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه ، ثمّ قال: وأهلُ بيتي أُذكّرُكُم الله في أهل بيتي ، أُذكِّركُم الله في أهل بيتي ، أُذكّركُم الله في أهل بيتِي)) ، فقالوا عن الأخير أنّه لا يدلّ إلاّ على التوصيَة بهم خيراً دون الاتّباع ، وقيلَ عن الأوّل بأنّه يوجبُ الاتّباع ، فأنكرَ كثيرٌ من مُتأخّري الفرقَة السنيّة وجه صورة الحديث الأولَى ، وقالوا الثّابت ما رواه مسلم في صحيحه من الصّورة الثانية ، وهُنا سنتناولُ الموضوع بقراءةٍ فاحصَة ماتعَةٍ بإذن الله تعالى ، ونُسردُها من عدّة نقاط :

النقطَة الأولى: نقول فيه للمُخالف هَبونا سلّمنا لكم أنّ الصحيح من وجه حديث الثّقلين هُو ما رواه مسلم من التوصيَة بأهل البيت (ع) ، فإنّ هذا الحديث لا يُفيدُ التوصيَة بدون الاتّباع ، بل هُو أخٌ وعضيدٌ وقرينٌ للصورة الأولى من الحديث في إثبات التمسّك بأهل البيت (ع) والاتّباع لهم والمُلازمَة منهم للكتاب والحقّ ، فإن قيلَ : بيّنوا لنَا مُستندَكم على هذه الدّعوى . قُلنا : تأمّل كلام الرّسول (ص) : ((ألا أيّها النّاس ، فإنّما أن بشرٌ يُوشِكُ أن يأتيَ رسول ربّي فأُجيبَ)) ، تجدهُ (ص) ينعَى نفسَه ، فيحبّ (ص) أن يُخبرَ أصحابَه وأمّته بمنهجٍ لا يضلّون بعدَه إن هم أخذوا به ، فكانَت وصيّته (ص) : ((وأنا تاركٌ فيكُم ثَقَلَينِ)) ، أي مُخلِّفٌ فيكُم وبينَكم ، أسباباً للنجاة والسعادَة ، فقال (ص) : ((ثَقَلَينِ)) ، أمرَين عظيمَين ثَقيلَين ، قال أهل اللغة : ((سُمِّيَا ثَقَلَين لأنَّ الأخذَ بِهمَا ثَقيل ، والعمَل بِهمَا ثَقيل،....، وأصلُ الثّقَل أنّ العَرب تَقول لكلّ شَيء نَفيسٍ خَطيرٍ مَصُون ثَقَل)) [لسان العرب] ، وهُنا أخبر (ص) عن ثَقلَين اثنَين ، فمَن هُما هذين الثّقَلين الذي يكون الأخذُ بهما ثقيلاً ، وشأنُهما عند أفصحَ من نطقَ بالضّاد عظيماً ، حتّى أطلقَ عليهِم ثَقَل ، فالأوّل من الثّقَلَين ، قوله (ص) : ((أوّلُهُما كتاب الله فيه الهُدَى والنّور ، فخذُوا بِكتابِ الله ، واستمسِكوا به)) ، فكانَ الكتاب هو الثّقَل الأوّل ، فمَن من ذا يستحقّ أن يكونَ وصيّةً لرسول الله (ص) ويُسمّيه ثَقلاً كما سمّى الكتاب العظيم ثَقلاً ؟! ، قال (ص) مُخبراً عن الثّقَل الثّاني : ((وأهلُ بيتي أُذكّرُكُم الله في أهل بيتي ، أُذكِّركُم الله في أهل بيتي ، أُذكّركُم الله في أهل بيتِي)) ، فأهل البَيت (ع) الثّقَل الثّاني في حديث مسلم ، لأنّ الرّسول (ص) أخبرَ عن ثقَلَين اثنين ، فكانَ الكتاب أحدهُما ، وأهل البيت لاشكّ ثانيهِما ، والسّؤال لماذا أوصَى رسول الله (ص) بأهل البيت (ع) كثَقَل ثقِيلٍ عظيمٍ نفيسٍ ثانٍ مقرونٌ ذكرُهُ معَ ثَقَل القرآن العظيم ؟! هل يُجيبُ السّلفيّة على هذا بعقلانيّة وتمحيصٍ وتدقيق ؟! ، نعم ، رأينَا منهم صاحب (مرقَاة المفاتيح) علي القاري يقول عن هذا الحديث رابطاً مضمونه بمضمون حديث (كتاب الله وعترتي أهل بيتي) ، قال : ((وأقولُ الأظهرُ هُو أنّ أهل البيت غالباً يكونون أعرفُ بصاحِب البَيت وأحوالِه ، فالمُرادُ بهم أهلُ العِلم منهُم ، المُطّلعون على سيرتِه ، الواقفونَ على طريقَته ، العارفونَ يحكمه وحِكمته ، وبهذا يصلُح أن يكونوا مُقابلاً لكتاب الله سبحانه)) [مرقاة المفاتيح:11/307] ، وهذا هُو الحقّ في تأويل الحديث ، إذ لن يكونَ أهل البيت (ع) ثَقَلاً عظيماً يُوصي بهم الرّسول (ص) ، إلاّ ولهُم شأنٌ عظيمٌ فيما يُرضي الله والرّسول ، وليسَ يُرضي الله والرّسول من حالهِم إلاّ القيام بالإسلام كتاباً وسنّة وأمراً بالمعروف ونهياً عن المُنكَر ، فكان الرّسول (ص) يحثّ النّاس بهذه الوصيّة بالإتباع لهُم ، ثمّ عادَ وكرّرها ثلاثاً ، وقرينةُ ذلك أنّهم ثَقلٌ من الثَّقَلَين في الحديث ، وقرينةٌ أخرى أنّهم من أولويات الرّسول (ص) في وصيّته للنّاس لم يغفَل عن إظهار أمرهِم ، وهذا فواضحٌ وجهه بفضل الله ومنّه ، فصورة حديث مسلم من التوصية بأهل البيت ، وقد ثبتَ من الحديث تسميَتُهم ثَقلاً ، صورة هذا الحديث لا تُعارضُ صورة الحديث الأخرى المُصرّحة بكون أهل البيت ثقَل الله الثاني ، فهو ظاهرٌ من الصّورتَين عظيم شأن أهل البيت في الدّين ومعرفَة الحقّ من الباطل ، فكان حديث التمسّك بالثّقلَين حديثاً متواتراً معنويّاً ، لا يصحّ منه من صرفَ حديث مسلم إلى مجرّد الفضيلة كالعادَة في صَرف الأحاديث الدّالة على عظيم منزلة أهل البيت واتّباعهم على الفضائل دونَ الاتّباع .

النقطَة الثانيَة: أنّك متى تأمّلتَ قول زيد بن أرقم لحُصين سَبْرَة ، لوجَدته يُخبرُه أنّ قد شاخَ على الرّوايَة والضّبط ، لِقِدَم العَهد ، وكِبَر العُمر ، فقال : ((يا بن أخي والله لقَد كَبرَت سنّي ، وقَدُمَ عهدي ، ونسيتُ بعض الذي كُنتُ أعِي من رسول الله (ص)) ، وهذه دقيقةٌ سنحتاجُ إليها قريباً ، فلا تُغمِض عنَها .

النّقطَة الثالثة: أنّ زيد بن أرقم الصّحابي قد روَى عنه حديث الثَّقَلين خَلقٌ غير يزيدُ بن حيّان التيمي الرواي لحديث مسلم ، الذي لم يروِ عنهُ حديثَ الثّقلَين إلاّ عندَ كِبَر سنّة ، فمّمن روى عن زيد بن أرقم حديثَ الثّقلَين ، حبيب بن أبي ثابت في سنن الترمذي ، وأبو الطفيل في سنن النسائي ، وفي المعجم الكبير للطبراني ، وأبو الضّحى مُسلم بن صُبيح في المعجم الكبير للطبراني ، كلّهم يروي عن زيد بن أرقم حديث الثّقلين بلفظ (إنّي تاركٌ فيكم ثَقلَين كتاب الله وعترتي أهل بيتي إنّهما لن يفترقا...الحديث) ، لا بصورَة (أذكّركم الله في أهل بيتي ثلاثاً) ، وجميعُ مَن روى عنه ممّن أشرنا إليهِم قريباً لم يكُن زيد بن أرقم يقولُ لهم أنّه قد كَبُر ، ونسيَ بعض الذي كان يَعيه من رسول الله (ص) كما في رواية يزيد بن حيّان عنه في صحيح مسلم ، وهذه إشارةٌ مهمّة لأهل البحث ، لمكان قوّة رواية زيد بن أرقم وهو قويّ الفِكر بصورة (كتاب الله وعترتي) أقوى من تلكَ التي كان فيها قد كبُر على الرّواية والضّبط كما تكلّمَ عن نفسِه ، إلاّ أنّنا نُشيرُ إلى أنّا لا نستبعدُ أن يكون رسول الله (ص) قد قال (أذكّركُم الله في أهل بيتي) ، ولكن بعد قولِه : (ثَقَلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي) ، فكانَ قوله (ص) : (أذكّركم الله في أهل بيتي) تأكيدٌ للتمسّك بالثّقَل الأصغر المُوصِولون بدورهِم إلى الثّقلَ الأكبَر الأعظَم الكتاب ، إلاّ أنّ الباحث ينبغي له ألاّ ينصرفَ عن روايَة عدد من الثّقات عن زيد بن أرقم وهو في أقَوى أحوال الرّواية بدون تشكّك منه فيما يقولُه ، إلى روايَةٍ كان مُتشكّكاً في وعيه لهَا ، وتنبّه للنقطَة القادمَة القريبَة فهي سُتعضّد كلامَنا هذا .

النقطَة الرّابعة: أن تعلَم أنّه لم يروِ هذا الحديث عن زيد بن أرقَم بهذا الوجه (أذكّركم الله في أهل بيتي) ، إلاّ راوٍ واحد ، وهُو يزيد بن حيّان التّيمي ، إذ قد اجتهدنا في الوقوف على روايَة لهذا الحديث من هذا الوجه فما وجدنَا يرويه عن زيد بن أرقَم غيرُه ، وكلّ مَن روى عن زيد بن أرقَم فكان يرويه بلفظ (كتاب الله وعترتي أهل بيتي) ، إلاّ يزيد بن حيّان هذا ، فالوهم إمّا أن يكونَ لاحقٌ به على زيد بن أرقَم ، وإمّا أن يكون من زيد بن أرقَم لمكان كبر سنّة ، وقلّة وعيه لتقادم العَهد كما قالَ عن نفسِه ، أو أنّ هذا صحيحٌ بعد قول الرّسول (ص) : ((كتاب الله وعترتي)) ، فكان قوله (ص) : ((أذكّركم الله بأهل بيتي)) زيادة في التأكيد على اتّباع قول أهل البيت (ع) ، وهذا كلّه واردٌ مُحتمَل.

النقطَة الخامسَة: أنّ من تأمّل حديث مسلم محلّ النقاش ، سيجدُ أنّ زيد بن أرقَم أشارَ إلى أنّ الرّسول (ص) قال بالإيصاء هذا ، في مكان غدير خمّ ، بمجمع كثيرٍ من الصّحابَة، فوجبَ عقلاً أن يروي هذا الخبَر غير زيد بن أرقَم ، لمكان سماعهِم هذا الخبر من رسول الله (ص) كما سَمعَهُ زيد بن أرقَم ، فبحثَنا كُتب الحديث فوجدنَا جماعةً من الصّحابة قد رووا حديث الثّقلَين هذا ، بلفظ (كتاب الله وعترتي) ، دوناً عن لفظ (أذكّركم الله في أهل بيتي) ، وقال ابن حجر الهيثمي كما أشرنا سابقاً أنّه مرويّ من طريق نيّف وعشرين صحابيّاً كلّهم بلفظ التمسّك بالكتاب والعترَة ، نذكرُ من هؤلاء الصحابة ، جابر بن عبدالله ، وأبو سعيدٍ الخدري ، وزيد بن ثابت ، وحذيفة بن أسيد الغفاري ، وعلي بن أبي طالب ، وغيرهم ، كلّم يروي هذا الخبر بلفظ (كتاب الله وعترتي أهل بيتي) ، وهذا يقوي وجه الرّوايات عن زيد بن أرقم في أنّ الصحيح من روايته هي (كتاب الله وعترتي) كما رواها الثّقات عنه ، بدون انفرادٍ كما انفرد يزيد بن حيّان التّيمي .

النقطة السّادسة: سلّمنا أن حديث مسلم هُو الصّحيح ، فإنّ الحديث مع هذا يُسمّى حَديث الثَّقَلين ، لمكان ذكر الثّقَلين فيه ، وما اشتُهِر من حالِه وأمثالِه ، فأنتُم بهذا الإثبات تُثبتون صحّة حديث الثَّقَلين ، فرسول الله (ص) قال في الحديث : ((وأنا تاركٌ فيكُم ثَقَلَينِ ، أوّلُهُما كتاب الله...الحديث)) ، فأينَ الثّقَل الثاني معشر السلفيّة في الحديث ؟! .

النقطَة السّابعَة: وفيها خُلاصَة القول ، أنّ طُرق هذا الحديث مُتظافرَة رواها الجمعُ من الصّحابَة ، وعنهُم الجمعُ من التّابعين ، وعنهم الجمعُ من تابعي التّابعين ، وعن الجمعُ من تابعيّ تابعيّ التابعين ، وأقرّ بصحّته عدد من الأعلام كما ذكَرنَا ، وقال باشتهاره من طريق الأمّة من غير تواطئ الإمام فقيه أهل البيت الحسن بن يحيى بن الحسين بن زيد بن علي (ع) ، فكانَ هذا دليلاً قاطعاً وتواتراً معنويّاً شاهراً على إثبات حجيّة أهل البيت وقولهِم على العالَمين ، بوصيّة رسول الله (ص) ، والحمد لله تعالى .

هذا وصلّى الله وسلّم على سيّدنا محمّد وآله الطيبين الطّاهرين .
صورة
الوالد العلامة الحجّة عبدالرحمن بن حسين شايم المؤيدي
صورة

الصامد بالله
مشترك في مجالس آل محمد
مشاركات: 407
اشترك في: الجمعة أغسطس 31, 2007 11:59 pm
مكان: Heart al-majalis

Re: رِحلَةٌ قَصيرَة فِي البَحث عَن ثَقَل الله الأصغَر فِي الأرض!

مشاركة بواسطة الصامد بالله »

بارك الله فيكم سيدي وزاد الله امثالكم
مشكورين على هذا المجهود وكتب الله اجركم

صورة

الحر الابي
مشترك في مجالس آل محمد
مشاركات: 30
اشترك في: الأحد نوفمبر 09, 2008 11:28 pm

ما شاء الله

مشاركة بواسطة الحر الابي »

بارك الله فيكم سيدي الكاظم انتم تجعلون المنتدى صرحا علميا شامخا بدراساتكم وابحاثكم فجزاكم الله خير الجزاء وبصراحة لا استطيع ان اعبر عن مدى امتناني وشكري لكم سيدي لان بحوثكم تصل الى كل من له قلب او القى السمع وهو شهيد


مسلم الإسلام
مشترك في مجالس آل محمد
مشاركات: 49
اشترك في: الأربعاء ديسمبر 01, 2010 7:40 pm

Re: رِحلَةٌ قَصيرَة فِي البَحث عَن ثَقَل الله الأصغَر فِي ال

مشاركة بواسطة مسلم الإسلام »

بإسمه تعالى


بارك الله فيك على المنهج القويم بالتمسك بخط العترة الطاهرة من باب إجماعهم فهذا يمثل منهجية صادقة تأدي صاحبها الى طريق الحق الواضح كوضوح الشمس بكبد السماء لما لها من المسلك واعي النجاة لا مناص منها فتركهم مهلكة و في وعيهم تأدي صاحبها لفور الدنيا والاخرة معاً ، وفي إجماع أهل البيت مفخرة .

الى أخي الفاضل دار في خالجي عبارة أستشعرت منها لفرقة الإباضية في معرضكم التالي : الإباضية من الخوارج والحق يقال المنهج الإباضي فوق خوارج الأزارقة حيث فسدوا في هتك أعراض أهل الملة الإسلامية ضلوا و أضّلوا فالإباضية خالفوا الفرق وطلبوا من عبد الله بن إباض ولكن رفض وأنكر عليهم هذا التصرافات وأول إمام من أيمة الإباضية ابو شعثاء جابر بن زيد الازدي تلميد حبر الامة عبد الله ابن عباس قفد لازمه مدة كثيرة وروى عن أم المؤمنين عائشة (ر) و جابر بن عبد الله الانصاري وأبو هريرة والإمام علي بن ابي طالب احاديث المرسلة والمسندة ويترضون على علي ابن طالب و عن أمس بن مالك ولهم مسند الربيع بن حبيب الأزدي العماني هذا المسند عالي السند.

وعليه يأخي الفاضل بارك الله وسطُرك التي سطّرتها فنفع بها المسلمين الذين يبحثون عن الحقيقة الواضحة والساطعة.


تحاياي العطرة

أخوكم مسلم الإسلام

أضف رد جديد

العودة إلى ”مجلس الدراسات والأبحاث“