إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 8 مشاركة ] 
الكاتب رسالة
 عنوان المشاركة: ملف عن الامام زيد بن علي - ع فى ذكرى استشهاده
مشاركةمرسل: الأحد فبراير 10, 2008 12:51 pm 
معلومات العضو
مشترك في مجالس آل محمد
إحصائيات العضو

اشترك في: الجمعة يونيو 24, 2005 5:42 pm
مشاركات: 1606
مكان: صنعاء حده
غير متصل
صورة

الإمام‮ ‬زيد‮ (‬ع‮) ‬من‮ ‬الولادة‮ ‬حتى‮ ‬الشهادة

أُخمدتْ الأصواتٌ، وصار المتنقلُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُ في أرجاء البلاد الإسلامية لا يسمع إلاَّ همساً تُشَّمُُُُُُُُُُُُُُُ منه رائحةُ الحُرّية والجهاد لتحرير الأمة الإسلامية من تلك الهيمنة التي تبثُّ أعوانََََََََََها وأنصارََََها لتصيِّر كل شبر من أرض الإسلام إلى سجن.

وصارت تلك البلادُ المتراميةُ الأطراف لا تمثّلُ إلا زنزانة لكل الشُرفاء الأحرار.. فها هي الهيمنةُ الأموية تتمركزُ في دمشق لتمثل ذلك الأخطبوط الذي يَمُدُّ أطرافَه ليختطفَ رؤوسَ العلماء والأحرار، على تفرُّق بلدانهم، لا تأخذهم بهم رحمةٌ أو شفقةٌ.. فكلماتُ أبي سفيان التي ترددتْ أصداؤها في آذانهم (ها هي قد آلت إليكم يا بني أمية -يعني الخلافة- فتلقفوها تلقف الكُرَة في أيدي صبيانكم، فوالله ما من جنة ولا نار)، جعلت سلاطين الدولة الأموية لا يفكرون إلا في بقاء مُلكهم وإستمرار هيمنتهم.

فهذا مُعاويةُ يؤسسُ ملكَه بقتال أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته ثم يختمُه بسم الإمام/ الحسن بن علي (ع) وقتْل حجر بن عدي وأصحابه صبراً.. وأسلم الدور إلى ولده البار الذي سار على نهج أبيه الخطوة بالخطوة.. فاستهلَّ ولايتَه بسفك دم الحسين وأهل بيته عليهم السلام في أشنع معركة عرضها تأريخ البشرية، ثم ختمها باستباحة مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاثة أيام.. وقتل صفوة من تبقى من صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المدينة.. ثم أدخل جيشه إلى مكة ليفعل فيها مثلما فعل في مدينة الرسول.

ثم انتقل المُلك إلى عبدالملك ابن طريد رسول الله مروان بن الحَََََََكَََََََََم ثم إلى بنيه ليزدادَ الأمرُ سوءاً وتزدادُ الأمُة سوءاً في واقعها المأساوي.. وتذرف دموع الندم لتفريطها في مناصرة تلك السلالة الطاهرة تتجرعُ أنواع القهر، فالحجّاجُ في العراق يحصدُ الرؤوسَ كما يُحصدُ الزرعُ في الحُقول، وأخوه يذيقُ أهلَ اليمن من الذُلِّ ألواناً، وآخر في مصر، وآخر هناك وهكذا.

وأوشكت الأمُةٌ الإسلاميةٌ أن تلفظَ أنفاسَها الأخيرةَ على أيدي تلك السلالة التي جنّد أفرادُها نفوسََََََهم لمحو كل فضيلة أسّّّّّّّسها رسولُ الله.. استمر الظُلمُ يخيّم على البلاد الإسلامية وتمادى الوُلاة الأُمويون في الإساءة إلى هذه الأمة.

ولادته

> وفي داخل تلك البيوت المتواضعة كان أهلُ البيت (ع) يعلمون الناسَََََََ معالم دينهم ويصحّحون للناس عقائدهم في معزل عن الجواسيس والعيون الأموية التي كانت ترقبهم بعناية وحقد وحذر، وفي أحد هذه البيوت كان الإمام زين العابدين (ع) يتجرع الآلام لحال هذه الأمة ولا يجد أمامه سوى الدُعاء والمناجاة والخلوة إلى الله، وفي ليلة من ليالي عام 75 هجرية أخذته غفوةُ نوم وهو في مُصلاه، فإذا به يرى فيما يراه النائمُ أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أدخله الجنة فزوجه بحورية وولدت له ولداً، فإذا به يسمع هاتفاً يقول: ليهنئك زيد، ومع طلوع الفجر كان هنالك طرقٌ خفيفٌ على باب غرفته، فقال علي بن الحسين: من الطارق؟ الجارية يا سيدي إن الجارية السندية توشك أن تضع حملها، وقد اشتد عليها الألم، فادع لها يا سيدي لعل اللهَ يفرِّجُ عنها كربتَها.

غمرت الفرحةُ زينَ العابدين، وكأنه يُبشَر بمولوده الأول، فقد توسّم في ذلك الحمل خيراً، فتوجه يدعو اللهَ لها بالفرج، وما هي إلا لحظات حتى سمع صوتَ ذلك المولود الجديد الذي كان لصوته وقعٌ خاصٌ في أُذُنيه.. فقد امتلك عليه قلبَه حتى قبل أن يراه.

وبعد أن صلّى الفجرَ دخلتْ عليه إحدى جواريه وهي تحمل ذلك المولود، وكان من عادته أنه لا يتكلم بعد الفجر حتى طلوع الشمس، ليظل في ذكر الله، فنظر إليه زينُ العابدين فإذا هو كاملُ الخَلق أبيضُ الوجه، فحمله بين ذراعيه، ثم أذّن في أذنه اليُمنى وأقام في الأخرى وتوجه بأول قُبلة على جبينه، ثم دفعه إلى الجارية، وعاد إلى مُصلاه، ومع شروق الشمس دخل محمد بن علي الباقر مُتهللَ الوجه، يهنئ أباه بالمولود الجديد وجلس إلى جوار أبيه.

فتناولَ زينُ العابدين مُصحفاً كان بجواره، ثم قال: بسم الله الرحمن الرحيم وفتح المصحف فإذا به يرى في أول الصفحة من جهة اليمين قولَ الله سبحانه وتعالى: (وفضّل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً)، ثم فتحه مرة ثانية فخرج له قولُه تعالى: (إن اللهَ اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنةَ يُقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون)، فحدّث نفسَه بصوت مسموع قائلاً: هو والله زيدٌ.

محمدٌ بنُ علي الباقر: ومَنْ زيدٌ هذا يا أبي؟ فأجابه: إسمع يا ولدي، فوالله لئن طال بك العمرُ لترى هذا المولودَ مصلوباً بكناسة الكوفة، فقد بلغني عن جدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: »المظلومُ من أهل بيتي، المقتولُ في الله والمصلوبُ من أمتي سمي هذا«، وأشار إلى زيد بن حارثة.. ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم لزيد: »أدنُ مني يا زيدُ، زادك الله عندي حُبّاً فإنك سمي الحبيب من ولدي«، وقد سمعتَ يا محمدُ ما رويتُ لك عن جدك رسول الله، والله لقد رأيت في منامي ما زادني يقيناً بأنه المصلوبُ.. فليكنْ اسمُه زيداً.

نشأتُه (ع)

> نشأ في ظل والده السجّاد مُدةَ سبعة عشر عاماً متكاملاً، نبع الحزن الذي لا يفارق قلبَ أبيه، ومتأثراً بالعين الدامعة فكان يعيشُ مأساة كربلاء في البُكاء اليومي لوالده، فقد كانت كربلاءُ حاضرةً معه في كل وقت، فازدادَ الإمامُ زيدٌ قرباً من أبيه، وجعل ينهلُ من علمه ومعارفه حتى فاق أقرانه، وعندما توفي والده انتقل ليعيش تحت رعاية الباقر ويتزود من علمه، وكان الباقر يتوسم فيه الخير، وقد دخل عليه ذات مرة فلما أراه قال الباقر: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شُهداء لله)، ثم قال: أنت والله يا زيدُ من أهل ذلك.

فورث الانقطاعَ إلى العبادة من أبيه، حتى كان يُصلي في نهاره ما شاء اللهُ، فإذا جنَّ عليه الليلُ نام نومةً خفيفةً، ثم يقومُ في جوف الليل، كذلك فيدعو اللهَ ويتضرعُ إليه ويبكي بدموع جارية حتى يطلع الفجر ثم يسجد ثم يصلي الفجر ثم يجلس للذكر حتى يرتفع النهار ثم يذهب لقضاء حوائجه.

كان مثالاً للشخصية الإسلامية الملتزمة التي جمعت المعرفة إلى جانب العبادة والخشوع والتبتل، أضف إلى ذلك وعيُه السياسي والاجتماعي.

تتلمذ على يد والده زين العابدين وأخيه الباقر محمد بن علي وعلى يد جابر بن عبدالله الأنصاري وغيرهم، وتتلمذ على يديه وأخذ عنه أولاده وبعضُ بني عمومته وأخذ عنه من علماء وفُقهاء التابعين منصور بن المعتمد شيخ مسلم، وأبو حنيفة النعمان، وعالم الكيمياء جابر بن حيان، ومعاوية بن إسحاق، ونصر بن خزيمة وغيرهم الكثير من السلف والتابعين.

قال عنه أبو حنيفة النعمان: »شاهدتُ زيداً بنَ علي، فما رأيتُ في زمانه أفقهَ منه ولا أعلمَ ولا أسرعَ جواباً ولا أبْينَ قولاً، لقد كان منقطعَ النظير، ولقد ضاهى خروجُه خروجَ رسول الله في بدر«.

وقال سفيانُ الثوري: »قام مقام الحسين بن علي وكان أعلمَ خلق الله بكتاب الله، والله ما ولدت النساءُ مثله«.

وقال الإمام عبدالله بن الحسن: »العَلَمُ بيننا وبين الشيعة زيدٌ بنُ علي«.

وقال الإمامُ جعفرُ الصادق: »برئ اللهُ ممّن برئ من عمّي زيد، كان والله أقرأُنا لكتاب الله، وأفقهُنا في دين الله وأوصلُنا للرحم، والله ما ترك فينا لدينا ولا لآخرة مثله«.

الإمام زيد.. تحت المراقبة

> وهناك في قصر الخلافة الأموية في (الرصافة) كان هشام بن عبدالملك يتابعُ أخبارَ مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أولاً بأول..

وأقبلَ عليه والي المدينة مسلّماً عليه وداعياً له بطول البقاء والصحة.

فأشار هشام إلى كل من في المجلس بالانصراف، ثم توجه بالحديث إلى والي المدينة خالد بن عبدالملك بن الحارث.

هشام : ما أخبارُ ذلك الفتى الهاشمي الذي صارتْ أخبارُه تملأ الآفاقَ؟

خالد : مَنْ تقصدُ يا مولاي...؟! محمد بن علي بن الحسين الملقب بالباقر؟.

هشام : ما قصدتُ هذا..! قصدت أخاه زيداً.. ألم تسمعْ عنه وهو بجوارك في المدينة ونحن هنا في أطراف الشام ونعلم كلََََََََََََََََََّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّ أخباره؟.

خالد : لا عليك يا مولاي لا تشغلْ نفسَك به، فقد عكفَ على العلم والعبادة.. وما أراه يفكرُ في شيء سوى ذلك.

هشام في صوت حاد : يبدو عليك أنك لم تعرفْ أهلَ هذا البيت؟.. إسمع يا خالد إجعلْ من يُحصي عليه أنفاسَه.. ويُراقبُه ليلاً ونهاراً.. وارقبْ كلَّ مَن يأتي إليه أو يَخرجُ من عنده.. وإن استطعت أن تجد عليه مدخلاً فلا تتورع في ذلك.. فإني أعلمُ أن نفسَه تنازعُه الخلافةَ... وإذا أرادَ أن يخرجَ من المدينة فامنعه.. وحذارِ أن تغفلَ عنه طرفةَ عين.

خالد : أمرُك يا مولاي.. والله لا تجد إلا ما يسرُُُُُُُُُُّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّّك.

وانطلق خالدٌ لليعود إلى المدينة ولا شيء يشغلُ ذهنََََه إلا إرضاء هشام الذي يعلمُ أن انحصارَ رضاه في إيذاء آل بيت النبوة، وبالذات زيد بن علي عليه السلام.

كان الشيء الذي ينغصُ على الإمام زيد حياتَه.. ويجعلُه لا يطيقُ الحياةَ هو الوضعُ الذي تعيشُه الأمةُ المحمدية.

فأهلُ البدع والأهواء يصولون ويجولون في البلاد الإسلامية لا يجدون مَنْ يردُ عليهم بدعَهم .. يلبِّسون على العوام.. ويحرِّفون الدينَ.. ولا يكاد يمرُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُُّّّّّّّّّّّّّّّّّ عامٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌ حتى تظهرََََََ فرقةٌٌٌٌٌٌٌٌٌ جديدةٌٌٌٌٌٌ ومذهبٌٌٌٌٌٌٌ جديدٌٌٌٌٌٌٌ.. فانشغلَََ العلماءُُُُُ والفقهاءُُُُُُ بالجدل فيما بينهم ونسوا حالَ الأمة.. حتى أصبحت المساجدُ مجالسَ خصام وجدل.

فجعل الإمامُ زيدٌ يتتبعُ أخبارَ الأقطار الإسلامية.. ويتلمسُ أحوالَ الناس.

أبو خالد الواسطي.. في المدينة

> وبينما هو جالسٌ في داره بالمدينة إذ بذلك الزائر الذي تعوَّدَ أن يحلَ ضيفاً على الإمام في كل سنة منذ عدة سنوات يطرق عليه البابَ.

الإمام زيد : مَنْ الطارقُ !؟.

أبو خالد : افتح يا سيدي فأنا أبو خالد الواسطي.

تهلل وجه الإمام.. وأقبل يفتح الباب.. ويعانق أبا خالد.

زيد : أهلاً بك تفضل.. تفضل.. لقد اشتقنا إليك يا أبا خالد.

أبو خالد : والله لشوقي إليكم أعظم.. ولولا مؤنة الطريق وكثرةُ العيال ما فارقتكم لحظةً.

وما كاد أبو خالد يستقرُ في مجلسه حتى بادره الإمامُ بالسؤال قائلاً:

- كيف تركتَ الناسَ في العراق يا أبا خالد؟.

أبو خالد وقد بدت علامات الحزن على وجهه : عن ماذا تريد أن أحدثك عنه يا أبا الحسين؟ أعن ذلك العداء والعصبية التي قسمت الناسَ شِيَعاً وأحزاباً؟ أم عن ظلم وتجبّر الولاة الذي ما ترك بيتاً إلا ودخله؟ أم عن تخاذل علماء الأمة عن إيضاح معالم الدين؟ فكم من عالم يداهنُ الأمراءَ والولاةَ على حساب الدين!!.

وفي تلك اللحظة طُرق البابُ بقوة وجعل رجلُ ينادي بصوت عالٍ : إفتحْ يا زيد وإلا كسرنا البابَ »!!«.

اتجه الإمام إلى الباب في عزم وصلابة بدت واضحة على وجهه.

الإمام زيد : مَنْ الرجلُ..؟!.

- أنا خالد بن عبدالملك بن الحارث والي المدينة.

فتح الإمام الباب.. ودخل الوالي.

الإمام : ماذا تريد يا خالد ما الذي أتى بك في مثل هذه الساعة؟.

خالد : إسمع يا زيد.. لا تظن أني غافلٌ عنك وعن هذا الأعرابي الجلف الذي يأتيك من أطراف العراق.. فحذارِ أن أرى منك ما يسوءُ أميرَ المؤمنين.

ثم خرج الوالي من الدار في تبجح وغطرسة لا مثيل لها.. وأغلق الإمامُ البابَ.. وجلسَ في مكانه ومسحة من الإطمئنان والسكون باديةٌ على وجهه.. وكأن شيئاً لم يحدث.. فقد أصبح مثلُ هذا المشهد عند الإمام زيد وسائر أهل البيت (عليهم السلام) طبيعياً قد ألفوه وتعودوا عليه منذ زمن.

الإمام زيد : المعذرة يا أبا خالد.. فوالله ما تركوا لنا حُرمةً إلا وانتهكوها.. حتى ديارنا أصبحوا ينتهكون حُرَمَها متى ما شاءوا.. ولكن نحتسب ذلك عند الله.

أبو خالد : لا حاجةَ للإعتذار يا سيدي.. فقد إعتدنا رؤية مثل هذه المشاهد مراراً.. فما تركوا بيتاً إلاَّ وانتهكوا حُرْمَتَه.. فإذا كانوا يطرقون أبوابُكم فأبوابُنا تُكسرُ قبلَ أنْ تطرقَ.

الإمام زيد : اللهُ أعلمُ إلى أين يؤولُ حالُ هذه الأمة؟.. ولكن لا بد من مخرج، فاللهُ أرحمُ من أن يتركَ هذه الأمةًَ بأسرها نهباً لهذه الثلة الفاسدة.. فأكمل حديثَك يا أبا خالد.. فأنا في شوق لسماع الأخبار عن العراق وعلماء العراق.

أبو خالد : والله يا سيدي.. لو رأيتَ كيف أصبحتْ أحوالُ طُلاب العلم.. أولئك الذين اضطربتْ عليهم الأقوالُ والآراءُ.. فالحلقةُ الواحدةُ أصبحت حلقات.. واشتد النزاع والخلاف حتى صيّروا الحليمَ العاقلَ حيراناً لا يعرف الحقَ من الباطل.. ولا يدري مع من يكون..؟!.

الإمام زيد : فما أخبارُ الحسن البصري؟.

أبو خالد : لقد اعتزل حلقته بعض طلابه.. بعد أن احتدَّ النقاشُ فيما بينهم.. وأصبح لهم حلقةٌ يتزعمُها واصلٌ بنُ عطاء وعمرو بنُ عُبيد..

والأهمُُُُُُُُُُُُُُُُّّّّّّّّّّّّّّ من ذلك يا سيدي أن الخلافات تزدادُ كلََّّّ يوم وتتجاوزُ طبقات العُلماء إلى طبقة العوام.. وهناك من يستغلُُُُُ مثل هذا الخلاف ويشككُُُُُُُُُُ حتى في دين الإسلام.

الإمام زيد : ولكن أخبرني ما دور ولاة الأمر؟ ألم يحاولوا أن يوقفوا أولئك المشككين عند حدودهم؟.

أبو خالد : آه يا سيدي، والله لأشدُ ما أخافَ منه أن يكونَ لهم يدٌ في تأجيج نار الخلاف.. فهم بهذا يضمنون انشغال علماء الأمة بهذه الأمور عن المطالبة بإزالة المظالم التي أثقلت كاهلَ الأمة.

الإمام زيد : والله ما ذلك بغريب عليهم.. فمن سفك الدماء وانتهك الحُرَم ليس بغريب عليه أن يفعلَ أيَََََََََََّّّّّّّّّّّّّ شيء..

ولكن لا بد أن يكون هناك حلٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌّ فقد صار الأمرُ لا يُطاقُ.. فما فائدةُ صلاة وصيام وخشوع وتذلُّل.. وأمةُ محمد تسيرُُُُُُ إلى الهاوية ونحن نقف موقف المتفرج.. فماذا ترى يا أبا خالد ألا ترى أن الحل...

أبو خالد : -مقاطعاً- لي رأيٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌٌ إن أذنتََََََ لي يا سيدي.

الإمام زيد : تفضَّّّّّّّّلَ يا أبا خالد.. فأنت أعلمُ بما في العراق وبما يصلحُُُُه.

أبو خالد : لعلَّّّّّّ الناسَ يا سيدي لو وجدوا شخصاً يعترفُ له الجميعُ بالفضل والعلم يفصلُ بينهم فيما اختلفوا فيه لجمع الله على يديه كلمتَهم.

الإمام زيد : ومَنْ ترى ذلك الشخص؟.

أبو خالد : وهل ترى أن هناك غيرَك يا سيدي؟.

الإمام زيد : وهل ترى أن مثلي يمكِّنُه بنو أمية من التنقّل في البلاد وقد صرت لا أخرج من بابي إلا وأعين الرُقباء والجواسيس ترقبُني من كل جانب.. إن الأمرَ صعبٌ يا أبا خالد.. والله لقد صرت أتحرّج من الرجل أقفُ معه على قارعة الطريق مخافةَََََ أنْ يؤذوه بسبب حديثه معي.

أبو خالد : إنك لن تعدم طريقاً.. وإذا خرجت من المدينة فوالي العراق خالد القسري هو إليكم أمْيَلُ يا سيدي ولا أراه يتعرضُ لكم بأذى.

الإمام زيد : سننظر.. فأسألُ اللهَ أن يختارَ ما فيه خيرُ هذه الأمة.

وفي ذات مساء كان يحيى بن زيد عليهما السلام يحث الخُطى متنقلاً بين دور بني هاشم.. فطرق باب جعفر وعبدالله أبناء الحسن بن الحسن، واتجه إلى باب محمد بن عمر بن علي.. ثم إلى دار داوود بن علي بن عبدالله بن العباس، وجعل يهمس في أذن كل واحد منهم بكلمات ثم يذهب ومن ثم عاد إلى دار أبيه.

الإمام زيد : ماذا فعلت يا يحيى؟.

يحيى : بلّغتهم يا أبي، والجميع يقبل إليك الساعة.

وما هي إلا لحظات حتى دخل أربعة من بني هاشم إلى منزل الإمام.. والحيرة والتخوف بادية على وجوههم فما كادوا يستقرون في مجالسهم حتى قال جعفر بن الحسن :

- خيراً يا زيد ما الذي دعوتنا له في مثل هذه الساعة من الليل؟.

الإمام : خيراً إن شاء الله يا ابن العم.. والله ما دعوتكم إلا لما فيه خيرُ دينكم ودنياكم.

عبدالله بن الحسن : فصّل يا زيد يرحمك.. فوالله لن ترى منا إلا ما يسرك إن شاء الله.. فما عهدناك إلا إلى الخير داعياً.

الإمام : يا بني هاشم والله إني لا أعلم أحداً أوفر حظاً من حظكم.. فقد خصكم الله أن تكونوا ذرية نبيه وقرناء كتابه.. وها هو كتاب الله لا يُعمل به.. وها هي سنة رسول الله يُزاد فيها ويُنقص.. ونحن في المدينة ليس فينا من يأمر بمعروف وينهى عن منكر.. وقد أتاني بعض من أعرف إخلاصه ودينه من أهل العراق يدعوني للخروج إلى العراق والإلتقاء بعلمائه، لعل الله يجمع شتاتهم بنا.. وأنا أرى أن نخرج إلى العراق لزيارة قبر أمير المؤمنين علي عليه السلام والحسين بن علي عليه السلام وأصحابهم.. ومحاورة علماء العراقين والإصلاح ما استطعنا.. فماذا تقولون؟.

جعفر بن الحسن : حُبّاً وكرامة يا ابن العم.. فامهلنا حتى نعد العدة للسفر فأنت تعلم حالنا.

رحيل الإمام الى العراق

> وما هي إلا أيام حتى وصلوا إلى حدود العراق.. فتسابق أهل العلم والفضل إلى استقبالهم والاحتفاء بهم.

وانتقل الخبر إلى خالد القسري في دار الإمارة.. فخرج في موكب مهيب يُسارع في خُطاه والبِشْر بادٍ على مُحيّاه والسرور يملأ جوانحه.. وأقبل نحو الجامع الأعظم فإذا المسجد قد اكتض بالناس، فالعباد، والزهاد، وعلماء الدين، ووجهاء أهل العراق، وعامة الناس.. الكل يريد أن يكون أول مُستقبِل لذلك الوفد المقبل من مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم.

إنه وفد فريد من نوعه فمنذ عشرات السنين ومنذ أن حدثت تلك الحادثة المشؤومة في كربلاء وأهل البيت يستوحشون من دخول العراق.

كان المسجد رغم كثرة الناس يسوده هدوء غريب.. فهنا شخص يتكلم.. الكل قد أصغى إليه بكل جوارحه حتى أصبح المتأمل والمنصت لا يسمع من كلام الناس إلا همساً كله إعجاب بذلك الشخص المتكلم.. ولا يكاد السائل يتم كلامه حتى يسمع الإجابة عليها بأبسط عبارة وأبلغ معنى.

وعندما اقترب وفد الأمير تصايح الناس: الأمير.. الأمير..

طرقت هذه الكلمة مسامع ذلك الوفد المدني فرجوا من الله أن يكون طارق خير..

وانشقت الصفوف وتقدم الأمير.. كانت قلوب الناس تضرب كالطبول وحُبست الأنفاس.. الكل كان يدرك العداء الذي يكنه بنو أمية لأهل هذا البيت.. فماذا يريد الأمير؟.

وأقبل خالد القسري على الإمام زيد يعتنقه، ويقبل رأسه، ويقسم عليه ألا ينزل إلا في دار الإمارة.. فتغيّر المشهد وانقلب الخوف إلى تكبيرة مدوية انطلقت من أعماق القلوب حتى سمع لها صدى خارج المسجد.

بقي الإمام ومن معه ضيوفاً على خالد القسري أياماً.. ومع إشراقة كل صباح كان الإمام ومن معه يخالطون العلماء والفقهاء يحاولون أن يقرّبوا بين وجهات النظر ويصلحون فيما بينهم يعظون من يحتاج إلى الموعظة ويناظرون من يريد المناظرة.

التوقيع
تم الغاء عرض الصورة التي استخدمتها في التوقيع كون المستضيف لها يحتوي على برمجيات ضارة، يرجى رفعها على موقع آمن .. رابط صورتك القديمة::
http://www.nabulsi.com/text/02akida/4ot ... age023.gif


آخر تعديل بواسطة مواطن صالح في الأحد فبراير 10, 2008 12:58 pm، عدل 1 مرة

أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
رد مع اقتباس  
 عنوان المشاركة:
مشاركةمرسل: الأحد فبراير 10, 2008 12:55 pm 
معلومات العضو
مشترك في مجالس آل محمد
إحصائيات العضو

اشترك في: الجمعة يونيو 24, 2005 5:42 pm
مشاركات: 1606
مكان: صنعاء حده
غير متصل
صورة
الإمام زيد: ليس في عباد الله أحد دون أن يُوصِي بتقوى الله ولا فوق أن يُوصَى بتقوى الله لم يكدْ الوضعُ يستقرُ بالإمام حتى جعلَ يستعيد أحداث رحلة الأمس.. تلك الرحلةُ التي إطّلَع من خلالها على وضع العراق عن قُرْب.. ولمس ذلك الواقعَ المأساويَ الذي تعيشُه الأمّةُ المسلمة.

ورفع نظرَه إلى ابن عمه عبدالله بن الحسن، ثم قال:

- ماذا ترى أن يكونَ الحلُّ يا عبدالله؟ هل نتركُ الناسَ على ما هم عليه؟ أليس فينا من يَغارُ على مبادئ الإسلام..؟!.

عبدالله: يا ابن العم.. والله لقد التبس عليَّ الأمرُ.. فماذا يمكنُ أن نفعلَ إذا كان ولاةُ الأمر ومَنْ بأيديهم الحلُّ والعقدُ.. هم منبعُ الفساد ودُعاتُه؟!.

الإمام زيد: إني أنوي أن أكتب رسالة إلى علماء الأمة أذكّرهم فيها بواجبهم نحو دينهم وأمّتهم، لعل اللهَ أن يهديَهم بها ويعيدَهم إلى جادة الطريق.. فإذا صَلُحَتْ هذه الطبقةُ من الأمّة أصلح اللهُ من تحتها من طلبة العلم وعامة الناس.

عبدالله: فبادر إلى هذا.. فقد بلغني أن هشاماً عزل خالد القسري وسجنه عقاباً له على استقباله لنا.. واخبروني أنه استدعى والي المدينة وأخاف أن يضيّقوا الخناق علينا فلا نجد من نرسلها معه.

زيد: أكتبها إن شاء الله الليلة.

وما هي إلا أيام حتى وصل خالد بن عبدالملك وهو يزمجر ويتوعد.. واستدعى وجهاء أهل البيت.. فجعل يتوعدهم ويتطاول عليهم وينقص في حقهم ولكن الجميع كان يدرك قصده.. فكان يحب أن يستثيرهم فيجد مدخلاً عليهم.. فحاولوا أن يقابلوا إساءته بالحلم والصمت.

ولما لم تُجْدِ طريقة الاستفزاز بدأ والي المدينة يفكر في طريقة وأسلوب آخر يمكن أن يستثيرهم.. فبث حولهم الجواسيس والرُقباء يحصون عليهم أفعالهم وأقوالهم وجعل الالتقاء فيما بينهم جريمة

ثم بث المنافقين لإثارة الخلاف والنزاع فيما بينهم.. وخلال هذه الفترة ثار نزاع بين جعفر بن الحسن بن الحسن وزيد بن علي حول ميراث الحسين عليه السلام، فما كاد خالد بن عبدالملك يسمع بهذا الخبر حتى صار يتتبع أخبارهم.. ويحشد لها الناس من أجل تشويه سمعة بني هاشم.. تلك السلالة التي كان قد ذاع صيتها واشتهرت تضحيات أبنائها حتى أصبحوا مضرب الأمثال في الزهد والعبادة والعلم.

وكتب بشأن هذا النزاع إلى هشام فاشتد فرحه.. وكتب إلى والي المدينة أن أشتر منهم ذلك الميراث المتنازع عليه وضاعف ثمنه حتى يشتد تمسك طرفَي النزاع بذلك الميراث.

ولم يصل جواب الخليفة إلى والي المدينة إلا وقد توفي جعفر بن الحسن.

وأعدّ الوالي مجلسه وجمع فيه العلماء والوجهاء.. وأمر أمير شرطته أن يستدعي زيداً بنَ علي وابن عمه عبدالله بن الحسن بن الحسن.

وبعد أن وصلا إلى مجلس الوالي أجلسهما بين يديه ثم قال:

- إسمع يا زيد وأنت يا عبدالله إن أمير المؤمنين هشام بن عبدالملك قد علم بقطعة الأرض التي كانت لعلي بن أبي طالب جدكما.. فأمرني أن أشتريها له.. ولأنكم أنتم أصحاب الملك فقد أمرني أن أضاعف ثمنها عشر مرات صلة للرحم ولمنزلتكم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا ثمنها مائة ألف دينار، فأيُّكم صاحبُ الحق في هذه الأرض فأعطيه.

وهنا تبادل عبدالله بن الحسن النظرات مع الإمام زيد وتقدم الإمام زيد إلى خالد وقال له: ولأي شيء جمعت علماء ووجهاء المدينة يا خالد؟!.

خالد: ليكونوا شهوداً على هذا البيع.

زيد: أو ما علمت أن الشهادة على نقل الملك تثبت بشاهدين؟! بل أردت أن تجعلنا أضحوكة وسخرية للأعراب.

خالد: دعنا من هذا يا زيد، وافسح لابن عمك مجالاً للتكلم فلست صاحب الحق وحدك.

زيد: إسمع يا خالد الأرض أرض ابن عمي عبدالله بن الحسن.

ثم التفت الإمام زيد إلى ابن عمه وقال له: قم يا عبدالله واستلم ثمنها.

تقدم عبدالله بن الحسن واستلم المال ثم أقبل على الإمام زيد ووضع المال بين يديه.. وقال له: خذه يا ابن العم.. فالمال مالك وأنت صاحب الحق فيه.

وفي هذه اللحظات وأمام هذا المنظر كبَّر الحاضرون وارتفعت الأصوات: (اللهُ أعلمُ حيثُ يجعلُ رسالتَه).. فاستشاط خالد غضباً واحمر لونه وصاح فيهم: أخرجا لا بارك الله لكما فيه.

وانفض المجلس وكل من فيه أكثر حباً وإعجاباً بالإمام وابن عمه عبدالله بن الحسن.

وبعد هذه الحادثة التي أصبح مدار حديث أهل المدينة بلغ حقد خالد على أهل البيت النهاية.. فجعل لا يترك فرصة يمكن أن ينال من أهل البيت إلا فعل وضيَّق عليهم الخناق حتى عزلهم عن الناس ومنعهم من الالتقاء والاجتماع.. فضاق صدر الإمام زيد عليه السلام ولم يستطع أن يحتمل هذا الوضع فطبعه يأبى الذل وقرر أن يسافر إلى الشام ويشكو والي المدينة خالد بن عبدالله إلى هشام لعله يجد عنده متنفساً من هذا الوضع الذي فرضه عليه وعلى أهل بيته.

فخرج الإمام زيد من المدينة متخفياً حتى لا يتمكن خالد من منعه إن أراد ذلك واتجه إلى مقر الخلافة الأموية في دمشق.. وبمجرد وصوله حاول أن يستأذن للدخول على هشام ولكن الرفض والتجاهل هو الرد الذي اختاره هشام.. فحاول أن يستخدم أسلوباً آخر.. فكتب رسالة إلى هشام بث إليه شكواه وشكوى أهل بيته من ظلم خالد بن عبدالملك والي المدينة.. فكان الجواب نهاية نفس الرسالة: (عد يا زيد من حيث أتيت).

فأقسم الإمام زيد أنه لا يعود حتى يجد حلاً، فالكل في المدينة كان ينتظر الفرج المقبل مع الإمام زيد، فكيف يعود إليهم صفر اليدين، وما كان الإمام ليضيع وقته على باب هشام ينتظر منه الرحمة.. فقد اتجه إلى مسجد دمشق وفتح درساً في تفسير القرآن الكريم.

كان رقباء وجواسيس هشام يتتبعون الإمام وينقلون إلى هشام تحركات زيد بن علي أولاً بأول.

قائد الشرطة: مولاي أرأيتَ ذلك الهاشمي الذي أمرتنا بمتابعته.

هشام: ماذا فعل هذا الرجل؟.. تكلم بسرعة.

قائد الشرطة: لقد جلس في المسجد يحدث الناس ويعظهم منذ عدة أيام.. وفي كل يوم يزداد الناس كثافة من حوله.

أحمرَّ وجه هشام وبسرعة خاطفة انتزع جسده من كرسي الخلافة ليطوق عنق قائد الشرطة بكلتا يديه ويصرخ بصوت أشبه بالصواعق:

- كيف أيها الأحمق؟ لماذا لم تخبرني بذلك من أول يوم..؟ ألم يَكْفِ زيداً أن يفسد علينا أهل المدينة وأهل العراق حتى أتى ليفسد أهل الشام؟! والله لأقطعن رأسه وأجعله طعاماً للطيور.

سكت كل من في المجلس لشدة الخوف.. فقد تحول الخليفة إلى وحش كاسر..

وبنظرة غاضبة التفت هشام إلى وزرائه وجلسائه وقال: أشيروا عليَّ أيها القوم في أمر هذا الفاسق.. فكأني به لن يكف عن مساعيه الخبيثة حتى يجردني من الخلافة.

فقام أحد الوزراء فقال: يا سيدي إن أذن لي مولاي في الكلام فأنا أشير عليك.

هشام: تكلم..

الوزير : يا مولاي قد بلغني أن بعض العلماء ترك حلقة درسه وطلابه واتجد ليتتلمذ على يد زيد.. وإنك إن قتلت زيداً أو سجنته في هذه الأيام بعد أن عرفه أهل الشام، وعرفوا علمه، وصيّروه شيخاً يتحلّقون حوله.. استوحش منك أهل الشام وكثر الكلام وكثرت الأسئلة ولن يعلموا من يجيب عليهم.. وفي ذلك والله تفرُّق أهل الشام وهم والله سيفك الذي تضرب به من تشاء.

هشام: فما هو الرأي أيها الوزير؟.

الوزير: أرى أن تجمع العلماء وتختار من أوساطهم أكثرهم علماً وأسرعهم جواباً.. وأقواهم حجة.. فإذا جلس زيد في مجلسه واجتمع الناس من حوله حاجج زيداً في أن الحق مع الكثرة وأن يد الله مع الجماعة.. فإن أفحمه بين رواد حلقته.. سقط في أعينهم.. فإذا أردت به شيئاً بعد ذلك هان عليهم الأمر.

هشام: أحسنت.. الرأي ما رأيت أيها الوزير.

مُحاججةُ الإمام لعُلماء الشام

وما هي إلا أيام حتى ازدحم مجلس هشام بفطاحلة الشام وعلماء البلاط.. فجعل يختبرهم واحداً واحداً.. فبرز في أوساطهم رجل خرست لبلاغته وقوة حجته الألسن فأشرق وجه الخليفة.. وقال له:

- أنت من سيخرس زيداً ويجعل منه أضحوكة لأهل الشام.

فدخل علماء أهل الشام على الإمام زيد عليه السلام وقد حف به الناس من كل جانب.. وتقدم ذلك الرجل في زهو وثقة.. ثم قال:

- يا زيد.. أجمع علماء أهل الشام على أن يد الله مع الجماعة.. وأن أهل الجماعة حجة الله على خلقه وأن أهل القلة هم أهل البدعة.

فنظر إليهم الإمام زيد وحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد وآله ثم تكلم بكلام ما تكلم بأبلغ منه قرشي ولا عربي وأثبت من كتاب الله أن الله ما ذكر القلة في كتابه إلا مدحهم ولا ذكر الكثرة إلا ذمهم، وأثبت أن القليل في الطاعة هم أهل الجماعة وأن الكثير في المعصية هم أهل البدعة.

فبُهت الشامي وخرج هو ومن معه يجرون أذيال الهزيمة وبقي الناس كأن على رؤوسهم الطير لشدة الذهول.

فما كادوا يتجاوزون باب المسجد حتى التفتوا إلى صاحبهم يسبونه ويشتمونه يقولون: فعل الله بك وفعل.. زعمت ألا تدع له حُجة إلا كسرتها فخرستَ ولم تنطق..!.

فأجابهم قائلاً: ويلكم كيف أكلم رجلاً، إنما حاججني بكتاب الله؟ فهل ترون أن أرد كلام الله؟.

وتفرقت جموعهم وكل واحد منهم يتهم الآخر ويحمله أسباب هذه الهزيمة النكراء.

وبلغ الخبر مجلس الخليفة فاغتم للأمر.. فقد ازداد زيد بهذا الموقف رفعة وسموّاً في قلوب الخاصة والعامة.. فجمع هشام خاصته ليشاورهم في الأمر.

هشام: إن استمر زيد على مثل هذا الأمر أفسد علينا أهل الشام وصيّرهم على مثل رأيه فلا بد من حل.. فقد نغص عليَّ وجود زيد في الشام حياتي فصرت لا أجد لذة في شيء.. أعتقد أنه لا بد من مقابلته والاستماع إلى شكواه.. لعله بعد ذلك يعود من حيث أتى.. ولكن والله لأجعلنه يكره اليوم الذي يدخل مجلسي فيه.

ثم التفت إلى حاشيته وقال:

- إسمعوا يا قوم أريد منكم إذا دخل زيد أن يستقر كل منكم مكانه يتكلم ويضحك مع من يجاوره فلا يدري زيد أين يجلس إلا أن يجلس بين الأحذية فذلك مكانه الذي يليق به.

الوزير: أحسنت يا مولاي، ذلك هو الرأي، فمثل زيد لا يجدي معه سوى السُخرية والقسوة.

هشام: والله لأحجمنه في هذا اليوم وليعلم أني ابن حُرة وهو ابن أمة، وما بين الحُرة والأمة فرق يعلمه حتى صبيان العرب.. يا قائد الشرطة.. أرسل في طلب زيد بن علي يأتينا الساعة.

مقابلةُ الإمام زيد لهشام

فلما دخل الإمام زيد ألقى عليهم السلام، فجعل أصحاب هشام يتضاحكون ويتشاغلون.. فرفع الإمام زيد (ع) صوته وقال: أوصيك يا هشام بتقوى الله.

فصمت المجلس فجأة، والتفت هشام إلى الإمام زيد (ع) في غرور واستهتار لا مثيل له.

هشام: أمثلُك يا زيد يوصيني أنا بتقوى الله؟.

الإمام زيد: ليس في عباد الله أحد دون أن يُوصِي بتقوى الله ولا فوق أن يُوصَى بتقوى الله.

هشام: أنت زيد المؤمل للخلافة الراجي لها.! وما أنت والخلافة لا أم لك؟ وأنت ابن أمة!!.

زيد: لا أعرفُ أحداً هو أعظمُ منزلةً عند الله من نبي بعثَه اللهُ تعالى وهو ابن أمَة -إسماعيل بن إبراهيم- وما يقصرك برجل أبوه رسولُ الله وهو ابنُ علي بن أبي طالب.

فوثب هشام من مجلسه.. ووثب أهل الشام.. ونادى على قائد الشرطة: لا يبيتن هذا في معسكري الليلة؟!.

وخرج الإمام زيد عليه السلام وهو يقول:

»ما كره قومٌ قط حَرَّ السيوف إلا ذلّوا«.

وخرج زيد بن علي من مجلس الخليفة وقد اشتد عليه غضب هشام ويئس من أن ينال منه.. فشخصية زيد بلغت المنتهى في العلم والفصاحة وقوة الحجة.

ومما زاد الإمام قوة في نفسه، ومتانة ومهابة في قلوب أعدائه، إيمانه بعدالة القضية التي يناضل من أجلها إلى جانب علاقته القوية بالله سبحانه وتعالى.. ولذلك أخفقت كل محاولات هشام وزبانيته في إهانة الإمام زيد أو الحط من شأنه.

واستدعى هشام -للمرة الثالثة- حاشيته وقد ازداد الأمر سوءاً وأصبح هشام في حالة من التوتر، فقد جعلته تلك المقابلة يستشعر قوة وصلابة خصمه ووضع نفسه في موضع المقارنة مع شخصية الإمام زيد، فرجحت كفة الإمام وطاشت كفة هشام.

هشام: لا بد من حل نتخلص به من زيد بن علي فلا أريد أن أرى وجهه مرة ثانية.

الوزير: يا سيدي إني أرى أن نسجن زيداً بنَ علي إلى أن نجد طريقاً نتخلص بها منه.

هشام: أخاف أن يثير ذلك الناس علينا، وبالذات العلماء الذين كثر اتصالهم به في هذه الفترة.

الوزير: يا سيدي هيبة السلطان ستخرس الألسن، ولن يطول سجنه، فستجد حلاً تتخلص به من زيد وشره.

هشام: إذاً فليسجن حتى نجد طريقة يرحل بها من الشام.

الإمامُ في السجن

وانتقل زيد إلى سجون هشام.. وبقي مدة من الزمن يجالس السجناء ويحادثهم، وما هي إلا أيام حتى تحوّل ذلك السجن إلى مسجد للعبادة وصار من فيه بين راكع وساجد وتالٍ للقرآن وذاكر لله عز وجل.. وجعل الإمام يعطيهم دروساً في تفسير القرآن الكريم، ففسر لهم سورة الفاتحة وسورة البقرة فأنس إليه السجناء وتأثروا به.. حتى حراس السجن الذين نشأوا على سفك الدماء وارتكاب الجرائم.

ومضت مدة من الزمن والأمر كذلك والإمام لا يألو جهداً في تعليم دين الله.. وفي إحدى حلقات الدرس حدثهم عن القرآن فقال:

واعلموا رحمكم الله أن القرآنَ والعملَ به يهدي للتي هي أقومُ لأن اللهَ شرّفه وكرّمه ورفعه وعظّمه وسمّاه روحاً ورحمة وهُدى وشفاء ونوراً.. وقطع منه بمعجز التأليف أطماع الكائدين، وأبانه بعجيب النظم عن حيل المتكلّفين، وجعله متلواً لا يُمل، ومسموعاً لا تمجه الآذان، وغضاً لا يخلق عن كثرة الرد، وعجيباً لا تنقضي عجائبه، ومفيداً لا تنفد فوائده.

والقرآنُ على أربعة أوجه: حلالٌ وحرامٌ لا يسع الناسَ جهالتُه.. وتفسيرُه يعلمُه العُلماءُ.. وعربيُّه يعرفُه العربُ.. وتأويلُه لا يعلمُه إلا اللهُ وهو ما يكونُ مما لم يكن.

واعلموا رحمكم اللهُ أن للقرآنَ ظهراً، وبطناً، وحداً ومطلعاً، فظهرُه تنزيلُه، وبطنُه تأويلُه، وحدُّه فرائضُه وأحكامُه، ومطلعُه ثوابُه وعقابُه.

فقام إليه أحد السجناء -وكان يسمى أبو غسان الأزدي- فقال:

والله يا ابنَ رسول الله لأنت أعلمُ بالقرآن وما فيه.. فوالله لقد جلستُ إلى العُلماء والفُقهاء فلم أرَ أحداً منهم أعلمَ بالقرآن منك.

سارع الوزير إلى ارتداء ملابسه وأعدَّ نفسَه للدخول على الخليفة.. ثم أقبل على مجلس هشام بعد أن أخبره الحرس أنه قد دخل إلى مجلسه، وقبل أن ينظر إلى كرسي الخليفة رفع صوته بالسلام والدعاء للخليفة ورأسه منحنٍ إلى صدره.. وتردد صدى صوته في المجلس ولم يسمع جواباً ورفع رأسه فإذا كرسي الخلافة فارغاً.

فجعل يتلفت يميناً وشمالاً باحثاً عن الخليفة.. فإذا الخليفة قد جلس على كرسي في إحدى زوايا المجلس وقد وضع رأسه بين يديه واستغرق في تفكير عميق ولكن ملامح وجهه كانت تنبئ عن غضب عارم وحيرة جعلته يبدو مشتت الذهن.

وأمام هذا المنظر وقف الوزير كعمود الرخام لا ينبس بكلمة.. يكظم أنفاسه مخافة أن يتفجر غضب الخليفة فيكون أول من يصتطدم به.. وجعل يقول في نفسه: لا شك أن لزيد في الأمر يداً، فما اعتدت أن أرى الخليفة على هذا الحال إلا إذا كان الأمر يتعلق بزيد بن علي.

وبدأ يسبَحُ في تفكير عميق يستعرض فيه أمر زيد والخطط التي حاكها للقضاء عليه وإسقاطه من أعين الناس..

وفي أعماق ذلك الصمت القاتل انطلق صوت أشبه بانفجار البراكين ليمزق ذلك الصمت ويحيله إلى حقد أسود انبعث من أعماق التأريخ من أحشاء أبي سفيان ومعاوية ومروان بن الحكم.. حين قال هشام:

- سأمزقه.. سأحتز رأسه.. وسأجعله عبرةً لمن اعتبر.. ومضربَ مَثَل لكلِّ من أراد أن يقفَ في وجه بني أمية.. وحينها توصل الوزير إلى فكرة لمعت لها عيناه، فبادر قائلاً:

- هَدِّئ من روعك يا مولاي، فما مثل زيد من يعكرُ عليك صفوَك، فما هو إلا واحدٌ من رعيتك بيدك حياته وموته.

هشام: كيف أهدئ من روعي أيها الأحمق وقد أحال حتى السجن إلى مسجد للعبادة وحلقة للدرس وجعل من السجناء والحرس تلامذة له.

الوزير: لقد خطرتْ برأسي فكرةٌ يا مولاي.. عسى أن يكون فيها خلاصُنا منه بطريقة لا تثير علينا الرعية.

هشام: قل.. ما هي أيها الوزير؟.

الوزير: إن زيداً يا مولاي يكمن خطره في جلوسه إلى الناس وأرى يا مولاي أن نشغله بأمر نفسه حتى لا يتمكن من الجلوس إليهم.

هشام: كيف ذلك؟ أوضح أيها الوزير؟.

الوزير: أرى يا مولاي أن ترسل إلى يوسف بن عمر والي العراق.. فتجعله يخرج خالد القسري من سجنه ويعده إن ادعى على زيد بن علي ديْناً أخرجه من سجنه.. ثم تستدعي زيداً فترسله إلى يوسف بن عمر مع شخص لا يمكّنه من الجلوس مع الناس أو الالتقاء بهم.. فإذا صار إلى يوسف حاسبه على المال ثم يخرجه من العراق إلى المدينة.. فيستمر خالد بن عبدالملك بن الحارث في إيذاء زيد وأهل بيته.. فيعود إليك يشكو خالداً وهكذا لا يستقر به الوضع في بلد فتأمن شره.

هشام: ومن الذين يضمن لي رجوعه إليَّ وقد ساء ما بيني وبينه؟.

الوزير: إذا لِنْتَ له يا مولاي طمع في إنصافك فعاد إليك.

هشام: عليَّ بالبريد الخاص.

الوزير: ولكني أرى يا مولاي أن تدخل معه في التهمة غيره حتى لا يستشعر زيدٌ ما ندبّره له.

هشام: من ترى أيها الوزير؟.

الوزير: أرى أن ندخل معه أولئك الفتية الذين صحبهم إلى العراق وآخرين من أقاربكم يا مولاي فيكون الأمر أكثر حنكة.

هشام: لئن نجحت مشورتك هذه المرة لأعطينك ما يسرك.. اكتب ما أمليه عليك..

»من هشام بن عبدالملك أمير المؤمنين إلى يوسف بن عمر إذا أتاك كتابي هذا فأخرج خالد القسري من سجنه واعطه عهداً إن ادّعى على زيد بن علي، ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وداوود بن علي بن عبدالله بن العباس، وسعد بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف، وأيوب بن سلمة بن عبدالله بن المغيرة المخزومي.. أن تخرجه من سجنه وترد عليه إمارته فإن أجدى معه الترغيب وإلاَّ عليك بالترهيب«.

ثم أخذ الرسالة وذيّلها بختمه، وبعث بها إلى يوسف بن عمر..

ثم أمر هشام بإخراج زيد من السجن، إلا أنه منعه من العودة إلى المدينة..

فبقي الإمام زيد أياماً في الرصافة.. وخلال تلك الفترة حضر إليه ابن عمه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب.. وكان يحمل إليه بعض رسائل محملة بالعزاء له في أحد أولاده، فكتب مجيباً على من عزاه: »أما بعد فإنّا أمواتٌ أبناءُ أمواتٍ آباءُ أموات، فيا عجباً من ميت يُعزي ميتاً عن ميت. والسلام«.

ولم تمض أيام حتى وصل رسل والي العراق يحملون إلى الخليفة الجواب على رسالته التي بعث بها إليه.. فكان مضمون الجواب: »إلى مولاي أمير المؤمنين هشام بن عبدالملك من يوسف بن عمر قد تم لكم ما أردتم.. وهذا خالد يدعي على من ذكرت ديْناً فأرسلهم إليَّ أجمع بينهم«.

فأرسل هشام في طلبهم.. فلما دخلوا عليه جعل يلاطف الإمام زيد (ع) على غير عادته.

هشام: أيها القوم وصلتني رسالة من يوسف بن عمر والي العراق بلغني فيها أن خالد القسري يدعي عليكم ديْناً من أيام ولايته على بلاد العراق، فماذا تقولون؟.

فأنكر جميعهم أن يكون لخالد عندهم شيء..

هشام: فأنا باعث بكم إليه يجمع بينكم وبينه؟.

زيد: أناشدك الله والرحم لا تبعث بنا إلى يوسف.

هشام: وما الذي تخاف من يوسف يا زيد؟.

زيد: أخاف أن يتعدي علينا؟.

هشام: أكتب إليه فلا يتعدى كتابي فيكم؟..

ثم أمر كاتبه أن يكتب إلى يوسف بن عمر:

»أما بعد: فإذا قدم عليك زيد بن علي وفلان وفلان.. فاجمع بينهم وبين خالد القسري، فإن هم أقروا بما ادعى عليهم فأسرع بهم إليَّ.. وإن هم أنكروا.. فاسأله البينة.. فإن لم يقمها استحلفهم بعد صلاة العصر ما استودعهم وديعة ولا له قِبلهم شيء ثم خل سبيلهم«.

الإمام زيد: أخاف أن يتعدى كتابك؟.

هشام: كلا فأنا باعث معكم رجلاً من الحرس يأخذه بذلك حتى يفرغ ويعجل..

فقالوا: جزاك الله خيراً والرحم.

وفي زنزانة منعزلة.. كان يجلس خالد القسري في ثياب رثة بالية.. قد نحل جسمه وغابت محاسن وجهه. قد أثقلته القيود وظهرت على جسده آثار السياط وعلامات التعذيب..

كان خالد منهك القوى، شارد الذهن.. فقبل أيام عُرض عليه عرض مغرٍ أعاد إليه الأمل في الخروج من قبضة يوسف بن عمر والعودة إلى منصبه ومكانته في المجتمع..

كان يقول في نفسه: ما هي إلا مجرد مقابلة مع زيد بن علي ودعوى كاذبة وبعدها مجدٌ وسلطانٌ.. ثم يعود فيحدث نفسه: ولكن كم مرة كنت خادماً مطيعاً لهذا السلطان ممتثلاً لأمره.. أقتل خيار هذه الأمة وأؤذي أتقياءها وبمجرد خطأ واحد صرت رهين سجونه -كان يمر على ذاكرته حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: »من أعان ظالماً أغري به«- وهبني اتهمت زيداً من يضمن لي وفاء يوسف بوعده لقد علمَّني الزمان أن الظالمين لا وفاء لهم.

كانت جدران تلك الغرفة القذرة التي أودع فيها خالد تعطيه درساً وتدله على الطريق فإذا لم يحتمل سجناً كهذا.. فكيف يحتمل نار جهنم وهو بلاء تطول مدته ويدوم مقامه..

وقطع عليه سلسلة أفكاره صوت أحد الجنود كان يتقدم نحو زنزانته بخُطى سريعة، ثم فتح الباب، ودخل على خالد.. وبصوت آمر متوعد قال له:

- إسمع يا هذا إياك أن تقولَ غير ما اتفقتَ مع مولاي عليه.. فوالله لئن سوّلت لك نفسك شيئاً لأذيقنك من العذاب ألواناً... ولوَّح بسوطه أمام وجه خالد..

خالد: ومتى يجمع بيني وبين زيد وأصحابه؟.

الحارس: إنه ينتظرك مع زيد في المجلس.. فقم معي.

كان الحارس يسوق خالداً وخالد لا يكاد يدرك ما يدور حوله لقد جعل يخيّر نفسَه بين الجنة أو النار.. بين طاعة الله وطاعة السلطان.. حتى دخل عليه يوسف بن عمر وعنده زيد بن علي عليه السلام وبقية أصحابه.

يوسف: إسمع يا خالد إن زيداً ينكر أنك قد أودعت عنده مالاً.. فهل لك بينة على ما ادعيت؟.

رفع خالد نظره واستعرض الوجوه التي وقفت أمامه.. فرأى آثار السجود النورانية الإلهية في وجوه القوم.. وآثار الغبرة الشيطانية في وجه يوسف بن عمر ومن حوله، فآل على نفسه أن يحسم القضية وينطق بكلمة الحق.. وأخذ قراره الأخير في هذه اللحظة.. فالتفت إلى يوسف بن عمر وقال:

- أتريد أن تجمع مع إثمك إثماً في هذا -وأشار إلى زيد- كيف أودعُه مالي وأنا أشتم آبائه على المنبر؟!.

كاد يوسف بن عمر أن يخر صعقاً مما سمع فما كان يشك أن خالداً سيجرؤ على مخالفته.

يوسف بن عمر: أتهزأ بي وبأمير المؤمنين أيها الأحمق خذوه وأنزلوا به من التعذيب ما يليق بمثله.

وانهالت عليه السياط من كل جانب، وسُحب خالد من المجلس وضُرب حتى أوشك على الموت، ثم التفت يوسف بن عمر إلى زيد وأصحابه وقال:

- إذا كان عصر هذا اليوم أستحلفتكم في المسجد؟.

زيد: على أي شيء تستحلفنا وهذا خالد قد أنكر أنه ادعى علينا شيئاً!.

يوسف: أصمت يا زيد..

ثم التفت إلى قائد شرطته قائلاً:

- خذهم الآن.

جلس زيد مع أصحابه.. وكان شارد الفكر، يبحث عن تفسير لما يحدث.. فالإمام زيد كان من الفطنة والذكاء بمرتبة تجعله يدرك أبعاد هذه المؤامرة.. والتفت إليه ابن عمه محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب قائلاً:

- عجبي يا زيد لكأنك أنت المقصود لوحدك بهذا كله، فإنه لم يلتفت إلينا يوسف بن عمر ولا حتى خالد القسري.

وكان لسان حال الإمام زيد يقول: يا ابن العم والله ما أرادوا غيري.. وإني لأعتقد أن كل ما يدور إنما هو أمر مدبّر من عند هشام.

داوود: ولكن أين ذهب أيوب بن سلمة، فمنذ دخلنا العراق ما رأيناه وهو أحد من ادعى عليهم خالد القسري؟!.

الإمام زيد: إنما وضعوه معنا يا داوود كي يقال إن الخليفة لا يمكن أني يدعي على خاله باطلاً، فأيوب بن سلمة من أخوال هشام.

محمد: وما تراه يريد من وراء استحلافنا في المسجد رغم أن خالداً قد كذّبه وفضحه وأنكر دعواه.

زيد: إنه يريد أن يقولَ لأهل العراق: هذا زيد وأهل بيته ينهبون الأموالَ، ثم ينجون أنفسهم بالأيمان.

وبعد صلاة العصر وقد ازدحم المسجد بالناس تقدم زيد ومن معه فحلفوا ما لخالد عندهم من قليل ولا كثير..

فعلم كل من في العراق من الشيعة بمقدم زيد بن علي عليه السلام، ثم جمع يوسف زيداً ومحمد بن عمر بن علي وقال لهما:

- إسمع يا زيد أنت ومحمد لا أريد أن تغرب شمس الغد إلا وقد ارتحلتم.

زيد: أبعد مشقة الرحلة من الشام تريد أن نرحل إلى الحجاز؟ أما ترى ما بنا من التعب والجهد؟.

يوسف: هذا أمر أمير المؤمنين هشام وليس أمري.

خرج الإمام زيد مع صاحبه وجعل يتنقل في الكوفة ويلتقي بشيعته وأصدقائه يبحث معهم عن مخرج من هذا الوضع ولكن عيون يوسف وجواسيسه كانوا يرقبون تحركاته.. فجعل يوسف بن عمر يرسل عليه يأمره بالخروج.. والإمام يعتذر إليه ببعض الأشغال وبأشياء يبتاعها، وبقي على هذا الحال خمسة أشهر يتخفى في بيوت أتباعه ومواليه، يبث العلم والمعرفة ويقرّب بين الآراء، ويعالجُ آثار الهزيمة والإحساس بالذنب بعد معركة كربلاء.. حتى أرسل يوسف بن عمر معه من الجنود من يخرجه ويراقبه حتى يغادر الكوفة وما حولها فمضوا معه إلى القادسية واطمأنوا على عزمه بالرحيل.


التوقيع
تم الغاء عرض الصورة التي استخدمتها في التوقيع كون المستضيف لها يحتوي على برمجيات ضارة، يرجى رفعها على موقع آمن .. رابط صورتك القديمة::
http://www.nabulsi.com/text/02akida/4ot ... age023.gif


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
رد مع اقتباس  
 عنوان المشاركة:
مشاركةمرسل: الأحد فبراير 10, 2008 1:17 pm 
معلومات العضو
مشرف الجناح التاريخي
إحصائيات العضو

اشترك في: الأحد مايو 30, 2004 3:03 am
مشاركات: 679
غير متصل
أحسن الله إليكم مشكوووووووور أخي مواطن صالح .

التوقيع
مدحي لكم يا آل طه مذهبي .... وبه أفوز لدى الإله وأفلح

وأود من حبي لكم لو أن لي .... في كل جارحة لسانا يمدح


الحسن بن علي بن جابر الهبل رحمة الله عليه



أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
رد مع اقتباس  
 عنوان المشاركة:
مشاركةمرسل: الأحد فبراير 10, 2008 5:29 pm 
معلومات العضو
مشترك في مجالس آل محمد
إحصائيات العضو

اشترك في: الجمعة يونيو 24, 2005 5:42 pm
مشاركات: 1606
مكان: صنعاء حده
غير متصل
صورة

الإمام أبو حنيفة : خروج الإمام زيد ضاهى خروجَ رسول اللّه يوم بدر

نامتْ الكوفة.. ونامَ أميرُها قريرَ العين بعد أن خلتْ من الإمام زيد.

وبينما هي تسبحُ في نوم عميق كان هناك صوتُ خفيف أقدام تجوبُ شوارع الكوفة يطرقون الأبواب طرقاً خفيفاً مخافة أن يلحظهم أحد.

وفي بيت منعزل بدأ القوم يجتمعون.. كان صاحبُ البيت يراقبُ الداخلين من نافذة مجاورة، وآخر يراقبُ المنازل المجاورة.. وكان معظمُ من دخل الدار إما في الأربعينات من أعمارهم أو في الخمسينات.

وفي ضوء ذلك المصباح الخافت بدأتْ وجوهُُُُُُُهم تتلألأ وكان الغالب عليهم سيماء الصالحين..

دخل عليهم صاحب الدار -معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة- فقام الجميع إجلالاً واحتراماً.. فألقى عليهم السلام فرفع الجميع أنظارهم إليه ينتظرونه لكي يطلعهم على سبب هذا الاجتماع في هذا الوقت المتأخر من الليل.

أحدُهم : تكلم يا معاوية بن إسحاق ما الذي جعلك تدعونا في مثل هذه الساعة من الليل؟.

معاوية بن إسحاق : إسمعوا يا قوم لقد دعوتكم لخير دينكم ودنياكم فإن أطعتموني نلتم الخير كله.. فوالله لو سُئلت : من خير أهل العراق؟ ما عدوتكم.. وهذا ابن بنت نبيكم يبيتُ الليلة في القادسية أعني زيداً بنَ علي.. وما منا أحد إلا وقد عرف فضلَه وعلمَه.. ووالله لئن فاتكم هذا الفتى لن تجدوا لكم خلاصاً بعده.. فتعالوا نسعى إليه فنبايعه على السمع والطاعة والجهاد بين يديه ثم نجمع له من استطعنا من شيعة أهل هذا البيت للجهاد معه ونخرج للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر..

والله إني أخاف ألاّ تقبل منا صلاة ولا صيام ونحن نداهن الجبابرة فلا نأمر بمعروف ولا ننهى عن منكر.

فقام إليه أحدهم وقال : إسمع يا معاوية بن إسحاق والله ما منا من أحد إلا وقد كره الحياة واشتاق إلى الموت.. فأيّةُ ذلة أعظم مما نحن فيه، ولكن نخاف ألاّ نجد الناصر ونعرضه للهلاك.

كانت هذه الإجابة هي الأمر الذي تبادر إلى أذهان الجميع.. ولذلك ردَّدَ الجميع : القولُ ما قلتَ.

معاوية بن إسحاق : يا قومُ لكلٍّ منا عشيرة وأهل.. والله لقلة مؤمنين خيرٌٌٌٌٌ من كثرة فجار.. والناس قد كرهوا الجورَ والظلمَ، وما أراهم مُنتظرين إلا من يقودُُُُهم.. ولا أعتقد أن هناك على وجه هذه الأرض مَنْ هو خيرٌ من زيد بن علي يمكن أن يقوم بهذا الأمر.. فأعينوني على هذا الأمر، وتعالوا لنلحقَ بزيد عساه أن يقبلَ بيعتَنا ويعودَ معنا.

وخرج الجميعُ وركبوا إلى القادسية وجعلوا يعرضون الأمرََََ على الإمام زيد فجعل يتحاورُُُُُُُُ معهم ويسألُُُُُُُُُُُُُ عن عددهم وعُدّتهم.

الإمامُ زيدٌ في الكوفة

كان الإمام زيد يرى ضرورة مواجهة قوى الظلم والطغيان الأموي ذلك الذي سلب الأمة كل مقوماتها.

فكان لا بد من حادث يخرج الأمة من تلك الغيبوبة وينفض عن شريعة الإسلام تلك الصيغة الزائفة التي تعمّد حكام الدولة أن يصيغوها بها.. فجعلوا من أنفسهم ملوكاً يتحكمون في مصير الأمة.. يستعبدونهم وينتهبون ثرواتهم ويستأثرون بخيراتهم.

وبعد أن لزمتْ الإمامَ زيداً عليه السلام الحُجَّةُ وأعتقدَ بوجوب الخُروج لمنابذة الظالمين أعلن عن موافقته لهم.

وبهذه الموافقة مزق ذلك الرعب الذي كان قد سيطر على أهل البيت عليهم السلام وأشياعهم بعد معركة كربلاء الأليمة.. لكن الخوفَ من تكرر المأساة جعل الكثير من أهل البيت عليهم السلام يثنون الإمامَ عن عزمه لما استشعروه من قلة الأنصار.

فهذا رفيقه في سفره محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب لما علم نية زيد في الخروج مع القوم قال له : بالله عليك يا أبا الحسين إلا ما رجعت معي إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعدت إلى أهلك وولدك فإن أهل العراق لا يوفون لك.. أنسيت موقفهم مع جدك الحسين عليه السلام؟ فقد راسلوه حتى أخرجوه ثم كانوا أول من قاتله.

ولكن الإمام زيد عليه السلام رأى أن الحجة قد لزمته بعد أن أعطوه العهود والمواثيق بالجهاد بين يديه.. فرجع إلى الكوفة متخفياً.

وما هي إلا أيام قلائل من سفر محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب حتى أقبل عليه وفد من المدينة فيهم ولده يحىى ومحمد بن عبدالله بن الحسن بن الحسن.. وعبدالله بن علي بن الحسين.. والعباس بن ربيعة من بني عبدالمطلب.. ولما وصلوا إليه سلموه رسالة من عبدالله بن الحسن بن الحسن يحذره أهل الكوفة.. فتصفحها فإذا فيها : »أما بعد فإن أهل الكوفة نفخ في العلانية.. خور في السريرة.. هرج في الرخاء.. جزع في اللقاء.. تتقدمُهم ألسنتهم.. ولا تشايعهم قلوبُهم.. وما لهم مثل إلا كما قال علي عليه السلام : إن أُهمِلْتم خُضتم.. وإن حُوربتهم خِرْتم.. وإن اجتمع الناس على إمام طعنتم.. وإن أجبتم إلى مشقة نكصتم..«.

وتحدثوا معه يحاولون أن يثنوا عزمه ويرجون أن يوافق على أن يرجع معهم إلى المدينة ولكنه اعتذر لهم، وأخبرهم أن الأمر ليس بيد أحد وأن الحُجَّة قد لزمته.

كان حب آل البيت للإمام زيد (ع) يفوق كل تصور.. ولذلك اشتد خوفهم عليه مع إدراكهم لضرورة الجهاد في سبيل الله.. ولذلك عندما أدركوا عزمه على الجهاد ثبتوا معه إلى نهاية المعركة ثم جعلوا منه علماً يسيرون على نهجه.. فخرجوا يقاتلون في سبيل الله الواحد تلو الآخر..

وكانت محاولات المشفقين والمحبين لثني الإمام عن عزمه تتكرر يوماً بعد يوم ولكن دون جدوى فقد دخل عليه أحد العلماء فتحدث إلى الإمام زيد فذكر فضله وعلمه وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأجابه الإمام فأحسن الثناء على الإمام، وشكره الإمام على حسن ثنائه.

العالم : أناشدك بالله كم بايعك؟.

الإمام : أربعون ألفاً.

العالم : فكم بايع جدك؟.

الإمام : ثمانون ألفاً.

العالم : فكم حصل معه؟.

الإمام : ثلاثمائة؟.

العالم : أناشدك الله أنت خير أم جدك؟.

الإمام : بل جدي.

العالم : أفقرنُك الذي خرجتَ فيه خيرٌٌٌٌٌٌ أم قرنُُُُُ جدك الذي خرج فيه؟.

الإمام : بل القرنُُُُُُُُ الذي خرج فيه جدي.

العالم : أفتطمع أن يفي لك هؤلاء وقد غدر أولئك بجدك؟.

الإمام : لقد بايعوني ووجبت البيعة في عنقي وأعناقهم.

مُناصرة أبي حنيفة للإمام زيد

راسلَ الإمامُُُُُُ زيدٌ علماءَ الأمُّة ودعاهم إلى بيعته ومُناصرته.. فبايعه الكثير ٌمنهم، منهم : سلمة بن كهيل الحضرمي -العالم والمحدث-.. وأبو عبد الله الكوفي -من مشاهير المحدثين وكان من أشهر أصحابه- ويحيى بن دينار.. ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة.. ونصر بن خزيمة العبسي.. وأرسل الإمام دعاته إلى الأمصار وراسل من بقي من العلماء، فسارع الناس في إجابة الإمام -وبالذات العلماء-.

وكان من أبرز من استجابَ له في عصره أبو حنيفة النعمان فقد أرسل إليه الإمام زيدٌ أحدُ دعاته وهو الفضيل بن الزبير فدخل عليه في مجلسه وكان الرُقباء والجواسيس قد وضعوا في كل مكان حتى في حلقات العلم ومجالس الطلبة.

الفضيل : يا نعمان إن الإمام زيد يعرض عليك الخروج والجهاد معه لرفع هذا الظلم الذي نزل بالأمة والعودة بها إلى كتاب الله وسنة رسوله.

تلفت النعمان يميناً وشمالاً مَخافةَ أن يكونَ أحدٌ قد سمع كلامَ الفضيل.. فالسوط والسيف الأموي ما كان ليرحم أحداً وبقي مدة صامتاً لا ينطق.. ثم نطق بكلمات حاول أن يظهر فيها الاستنكارَ مَخافةََ أن يكونَ أحد قد سمع كلام الفضيل قائلاً: ويحُك ما تقولُ أنت؟!.

ثم تنحى به جانباً وقال للفضيل :

- من تبعه من علماء الأمة؟.

الفضيل : سلمة بن كهيل.. ويزيد بن زياد.. وهارون بن سعد.. وأبو هاشم الرماني.. وحجاج بن دينار..

وكان قد انتهى إلى هؤلاء الفضل والورع والعلم حتى صاروا مضرب مثل للعلماء والعوام.

وعاد مرة أخرى ليلتقي أبا حنيفة فلمس أن هناك من يراقب الوضع ويحاول أن يدرك ما يدور في ذلك الحوار فالتفت أبو حنيفة إلى الفضيل وقال له :

- إسمع يا فضيل إذهب اليوم وأتني في الغد.. ولا تكلمني بكلمة ولكن اجلس في مجلسي فإذا رأيتني أخرج فأقف أثري.

وفي اليوم الثاني ذهب الفضيل إلى مجلس أبي حنيفة فلما رآه أبو حنيفة هب من مجلسه وخرج فتبعه الفضيل حتى وجد مكاناً خالياً فالتفت إلى الفضيل وقال :

- يا فضيل أقرئه مني السلام.. وقل له أما الخروجُ معه فلستُ أقوى عليه لمرض فيَّ ولكثرة الأمانات عندي.. ولكن خذ هذا المالَ وقلْ للإمام هذا معونةٌ على الكراع والسلاح فليستعنْ به. -وكانت ثلاثون ألف درهم أو دينار.

وبقي الإمام زيد في الكوفة أحد عشر شهراً يدعو الناس.. ويستقبل الوفود من سائر البلدان حتى بلغ أنصاره خمسة عشر ألفاً من أهل الكوفة فقط غير من بايعه من سائر البلدان.

وهنا نشطت الجاسوسية الأموية فأدركت ذلك الفجر الذي يكمن خلف الظلام ينتظر اللحظة المناسبة ليمزق ذلك الليل البهيم بأشعة نوره.. فتطلع الأمة على حقيقة تلك الثلة الحاكمة التي استعبدت الأمة ونهبت خيراتها ومقدراتها.

فطاروا بالأخبار نحو قصر الخلافة في الشام، حيث كان الخليفةُ هشام غارقاً في مشاكله الداخلية التي شغلته عن زيد وأخبار زيد.

كان هشام قد بلغ من السن ما جعله يشعر بقرب الأجل.. فعز عليه أن يترك كرسي الخلافة لغير ولده.. فأراد أن يعزل أخاه ويولي ابنه مسلمة.. ولكن ما حملته رسل العراق من الأخبار كان كفيلاً بأن يشل تفكير الخليفة عن أي موضوع آخر فقد عاد شبح زيد ليطارده من جديد.

أحد الرسل : يا مولاي إن زيداً يجمع الأنصار منذ زمن ويتأهب للخروج ويوسف بن عمر غارقٌ في لهوه؟.

فالتفت هشام إلى كاتبه وقال له : إكتب إلى يوسف بن عمر: »إنك لغافلٌ وإن زيد بن علي غارزٌ ذَنَبَه في الكوفة يُبايَع له، وقد علمت أهل الكوفة وحبهم أهل هذا البيت -ووضعهم في غير مواضعهم.. وقد قَدِم عليَّ زيد بن علي فرأيته رجلاً جَدَلاً لَسِناً خليقاً لتمويه الكلام وصوغه واجترار الرجال بحلاوة لسانه وبكثرة مخارجه في حججه وما يدلي به عند لداد الخصام من السطوة على الخصم بالقوة الحادة لنيل الغلب.. فعجّل إشخاصَه إلى الحجاز.. وألح في طلبه واعطه الأمان.. وإن لم يقبل فاقتله«.

وصلت الرسالة من طاغية الشام لتهيج طاغية العراق وتثير شهيته التي لا تخمد إلا عند سفك الدماء.. فبث جواسيسه في الآفاق يتتبعون الأخبار ويرقبون بيوت من عرفوا بالتشيع وصار التواصل بين الإمام وأصحابه أقرب إلى المستحيل.. فقد ضيق عليه الخناق.. فصار حتى التنقل تحت جنح الظلام أمراً صعباً.. فالشوارع والأسواق وحتى المساجد والديار صارت لا تخلو من مراقبة مستمرة.

كان جميع مَن بايع الإمام من سائر الأمصار قد علموا بالموعد وأعدّوا العدة.. فالأول من صفر صباح الأربعاء كان هو اليوم الذي اختاره الإمام زيد لإعلان ثورته.. ولكن الوقت كان يمر في تثاقل وبطء والخناق يضيق على الإمام وأصحابه يوماً بعد يوم.. وصار اليوم وكأنه سنة كاملة.

فهذا يوسف بن عمر يتتبع كلَّ من يعتقد أنه له صلة أو قرابة بالإمام فيقتل بمجرد الظن.. ويعذب بمجرد الشك.. وكلمات الوشاة صارت عنده نصوصاً يصح الاستلال بها على سفك الدماء.. فهذا سراقة البارقي أحد ذيول بني أمية يخمن للوالي بوجود زيد في بعض المنازل فيسارع يوسف بن عمر إلى الأمر بمداهمتها وقتل كل من فيها..

وساد جوٌّ من الإرهاب والوجل والخوف.. وبثت الدعايات بقدوم جيش الشام.. واشتد فزع الناس.. وبعد مراقبة شديدة أدرك أحد الجواسيس وجود زيد في بيت معاوية بن إسحاق فأسرع نحو دار الإمارة.

الجاسوس : مولاي.. إن زيداً في بيت معاوية بن إسحاق.

يوسف : داهموا البيت واقتلوا كل من فيه.

كان الحكم بن الصلت أحد القادة الأمويين.. ووالي يوسف على الكوفة جالساً في مجلس يوسف، فنهض من مكانه، وقال:

- هل لي أن أشير في الأمر.. فما ظني أن زيداً سيكون لوحده في الدار.. فأخاف أن تفتح علينا باباً فيقاتلنا بمن معه فينتشر الخبر ويسرع أصحابه لنصرته ونجدته.. أرى يا مولاي أنك لو تبعث من ينادي في الكوفة فيجمع وجهاء أهل الكوفة وعامتهم في المسجد.. ثم تداهم الدار.. وهذا هو ما أراده مولاي الخليفة في رسالته.

يوسف بن عمر : ولَّيتك هذا الأمر فانطلق.

فانطلق الحكم بن الصلت وجمع العرفاء والشرطة والمقاتلة فجمعوا الناس في المسجد الأعظم.. وأغلقت دروب السوق ثم أمر المنادين ينادون في النواحي : أيما رجل من الأعراب والموالي أدركنا زيداً في رحله الليلة فقد برأت منه الذمة.. وأمر مجموعة من الجنود أن يتقدموا نحو دار معاوية بن إسحاق.. وجعلوا يسدون عليه المنافذ ويقتربون في صمت وخفاء.. يريدون أن يستفيدوا من مباغتة الإمام ومن معه.. ويمنعوهم من المقاومة.. وبخطى سريعة بدأ الجنود يتقدمون.. فالحقد والهيمنة وظلام الليل والصقيع الكلُّ كان يمد يديَه وكأنه يتكاتف محاولاً اقتطاف تلك الروح الطاهرة.

كان الإمام زيد يراقبُ الوضعَ بحذر شديد، وأدرك أنه قد انكشف أمره.. وأنهم إذا حاصروه وأصحابه وسدوا عليهم المنافذ أمكنهم القضاءُ عليهم.. فكان الإمامُ بين أمرين إما التعجيلُ بالخروج ونتائجُ الأمر غيرُ مضمونة.. وإما الانتظارُ.. ومعنى ذلك أن يتخطف أصحابه من حوله واحداً تلو الآخر.. وقد تسد عليه جميع الطرق فلا يتمكن أصحابُه من الوصول إليه.

كان الترجيح صعبُ ولكن كان الرأي الأول هو الأقرب.. وكان كل من في دار معاوية بن إسحاق ينتظرون أمر الإمام.

وتحت جنح الظلام في ليلة شديدة البرد خرج الإمام بمن معه من بيت معاوية بن إسحاق ورفعوا أصواتهم بالشعار : (يا منصور أمت).

ذهل الجنود المهاجمون الذين أمروا بمداهمة البيت.

وفجأةً تحول ذلك الصمتُ إلى ضجيج وتكبيرات وصيحات.. ولم يفيقوا من ذهولهم إلا وقد تجاوزهم الإمام ومن معه، فانطلق أتباعُُُُُ الإمام في الشوارع والأزقة وبين العشائر ينادون بالشعار المتفق عليه : (يا منصور أمت).

وفي صبيحة ذلك اليوم أمر الإمام زيد (ع) القاسم التبعي وآخرين بالخروج إلى العشائر والنداء بالشعار.. فمضوا ينادون بالشعار.. فسمعهم يحيى بن صالح بن يحيى بن مالك بن خزيمة وكان رجلاً صيتاً فنادى معهم بالشعار.

وذهب ابن الجارود زياد بن المنذر إلى مئذنتهم.. فرفع صوتَه بالشعار.

فلما كانوا في صحارى عبدالقيس لقيهم جعفر بن العباس الكندي مع جمع من أصحابه -وكان من أتباع يوسف بن عمر- فحملوا على المنادين فقتل أحدهم وأخذ القاسم التبعي بعد أن جرح إلى الحكم بن الصلت فلقيه على باب القصر..

الحكم بن الصلت : أين أصحابُُُ زيد؟، وكم عددُُُُهم؟ وما عُدّتهم؟.. أخبرني إن شئتَ النجاة.

صمت القاسمُ وجعل ينظرُ إلى الحكم بن الصلت في احتقار.. فأمر الحكم بضرب عنقه..

وعلى الفور ضُربت عنقه وأعلن نهر الدم أنه قد آن الوقت ليبدأ تدفقه ليعيد ذكرى كربلاء مرة ثانية.

بقي يوسفٌ بن عمر في الحيرة يناوش زيد بن علي عليه السلام فيرسل بعض قواده ليطلع على بعض ما يدور في أرجاء الكوفة.

يوسف بن عمر : من يأتي الكوفة فيقرب من هؤلاء القوم فيأتينا بخبرهم.

عبدالله بن عياش : أنا آتيك بخبرهم.

وانطلق عبدُالله بن عياش مع خمسين فارساً.. وما هي إلا مدة قصيرة حتى أقبل على يوسف بن عمر بخبر أهل الكوفة.. وأمسى يوسف بن عمر مغتماً لا يدري أيدخل على الإمام زيد الكوفة فيقاتله في الشوارع وأزقتها أم ينتظرُ خارج الكوفة ويستدرج جيش الإمام إلى هناك.

أخذ يوسف بن عمر قرارَه ووضع خطة الحرب لمواجهة الإمام زيد وأتباعه.

ومع شرق شمس اليوم الثاني خرج مع جنوده من أهل الشام وأهل العراق وخرج معه وجهاء أهل العراق وأمير شرطته.. وأمر بتجهيز جيش يزيد عدده على ألفي فارس وثلاثمائة من الرماة.

ثم أرسل مجموعة مع قائد شرطته العباس بن سعد المزني.. وأمر بالتوغل داخل الكوفة ومناوشة الإمام زيد وأتباعه وإخراجهم من بين شوارعها حتى ينكشفوا فيصيروا هدفاً سهلاً للرماة.

كان الإمام في هذه اللحظات يعدُّ أصحابه للمواجهة الحاسمة.. يعدُّهم ليضربوا أروع الأمثلة في البطولة والفداء.. فجمعهم فإذا عددُّهم لم يبلغ الثلاثمائة.

الإمام زيد : سبحان الله.. فأين الناس؟.

معاوية بن إسحاق : هم محصورون يا سيدي في المسجد وقد أغلقت عليهم الأبواب ووضع الحرس على الأبواب ليمنعوهم من الخروج.

الإمام زيد : لا والله ما هذا لمن بايعنا بعذر.

لقد كان الإمام زيد ينتظر وصولُ من بايعه من أهل الكوفة ليجتمع له أكبر عدد ممكن من الرجال.

وجعل من يريد الخروج مع الإمام زيد يقبلون عليه من كل ناحية من نواحي الكوفة.

فكان نصر بن خزيمة يقود مجموعةً من أصحابه يحثُّ الخُطى ليلتحق بالإمام زيد عليه السلام وفجأة ظـهر عمر بن عبدالرحمن صاحب شرطة الحكم بن الصلت في خيل من جهينة.

رفع نصر بن خزيمة صوته بشعار الإمام زيد : (يا منصور أمت).. فلم يرد عليه أحد بشيء.. فاستل سيفه وشد على عمر ومن ومعه.. وشد أصحابه معه.. وأراد عمر بن عبدالرحمن أن يستعد للمواجهة ولكن السرعة والإقدام الذي اتخذه نصر وأصحابه أفقدهم توازنهم فقتل عمر بن عبدالرحمن ومجموعة من أصحابه وأسرع من تبقى منهم في الهروب.. وأفسحوا الطريق أمام نصر وأصحابه فأقبل على الإمام فاستبشر الإمام بقدومه.. وبادره الإمام قائلاً:

- يا نصر بن خزيمة أتخافُ على أهل الكوفة أن يكونوا قد جعلوها حُسينية؟.

نصر بن خزيمة : جعلني اللهُ فداك أما أنا فوالله لأضربن بسيفي هذا معك حتى أموتَ.

أدرك الإمام زيد أن القوم قد خانوه ونقضوا عهودهم.. لكن بصيصُ الأمل كان يدفعُه إلى أن يحاولَ مع أولئك الذين حُصروا في المسجد، فقاد جيشه واتجه نحو المسجد ولكن ما كان ذلك ليخفى على أهل الشام.. فقد وضع يوسف بن عمر أحد قواده وهو عبدالله بن العباس الكندي مع جمع كثيف من أهل الشام ليمنعوا زيداً من التقدم.

وفي ثبات كانت تلك القلة المؤمنة يتقدمون بخُطى ثابتة غايتُهم وأملُهم الشهادةُ في سبيل الله والوفاء بعهودهم.

مواجهةُ الإمام زيد لجيش الشام

نظر الإمام إلى كثرة أهل الشام وقلة أصحابه فأدرك أنه قد حان الوقت لينظم الجيشَ حتى يتمكنَ من مواجهة تلك الجموع التي تزدادُ كثافة في كل لحظة.. فالمدد من الشام لا يكاد يتوقف فجعل على ميمنته معاوية بن إسحاق.. وعلى ميسرته نصر بن خزيمة.. وأعطى الرأية رجلاً من بني سعد بن بكر يسمى عبدالصمد بن أبي مالك.. والتفت الإمام زيد (ع) إلى الرايات فإذا هي تخفق فوق رأسه.. فأشرق وجهُه رغم شدة الموقف وخطورة الوضع وقال :

الحمدلله الذي أكمل لي ديني.. والله إني كنتُ لأستحيي من رسول الله صلى الله عليه وآلَه وسلم أن أردَ عليه الحوضَ غداً ولم آمر في أمته بمعروف ولم أنهَ عن منكر..

ثم جرّد حُسامه، وانطلق كأنه البرقُ الخاطفُ يفرقُ الجموعَ ويحصدُ رؤوسَ المتكبرين.. وسرى ذلك الحماس العلوي والثبات المحمدي في قلوب أصحابه فصاروا أشبه شيء بالأسود الكواسر.. فانكشف أهل الشام يميناً ويساراً، كلُّ يريد النجاة بنفسه.

وتقدم الإمام وأصحابه حتى أحاطوا بالمسجد فجعلوا يدخلون الرايات من نوافذه، بينما كان جنود الشام المتمركزة على سطح الجامع يقذفونهم بالحجارة.. وجعل نصر بن خزيمة ينادي أهل الكوفة : »أخرجوا من الذل إلى العز وإلى الدين والدنيا«.

فيئس الإمام من استجابة أهل الكوفة وعلم أن من عجز عن التغلب على بعض الجنود عند باب الجامع جديرٌ به أن يخفق عن مواجهة جحافل الجيش في أرض المعركة.

واستمر القتال والمناوشات في معظم أزقة الكوفة.. وبدأ الإمام يقودُ أصحابه فلا يثبت أمامهم أحدٌ.. وحاولوا الاقتراب من دار الرزق فإذا بيوسف بن عمر قد جمع لهم جحافل أهل الشام وأعدهم للقتال بقيادة الريان بن سلمة.

وتقدم الإمام زيد (ع) مع أصحابه حتى اقتربوا منهم وصاروا في مواجهتهم.. فأقبل جنود الشام يرمونهم بالسهام ويجالدونهم بالسيوف.. ولكن العزيمة والإيمان كان أمضى وأشد.. فقد انطلقت تلك السيوف مع تلك العزائم المؤمنة تخترق الجموع وتمزق الصفوف وتخزي الظالمين.

وما هي إلا لحظات حتى انكشف ذلك الجمع.. وقد صاروا بين قتيل وجريح وهارب يرجو النجاة لنفسه.

لم تكن تلك المواجهة مُواجهةً يحكمُها العددُ والعُدّةُ إنما يحكمُها الإيمانُ والتقوى.. لذلك انتهت تلك المواجهة باستيلاء الإمام وأصحابه على دار الرزق.. في حين انسحب الريان وجموعه يجرون أذيال الهزيمة.

وما إن قاربت الشمس على المغيب حتى تراجع كل فريق إلى معسكره، كلٌّ ينتظر الغدَ وما يحمله من المفاجآت.. وكلٌّ كان يحاول أن يراجع حساباته ليحصل على نتائج اليوم الأول فقد عاد أهل الشام وهم في أسوأ حال.

كان يوسف بن عمر الثقفي يراجع حساباته مع قوّاده.. فها هو يستدعي الريان بن مسلمة، فدخل علىه وقد ساء حاله لما وقع له من الإمام وأصحابه.. فما كاد يقع نظره عليه حتى نظر إليه في ازدراء وسخرية قائلاً:

- أفٌّ لك من صاحب خيل.. أتعجزُ عن زيد وصحْبه وأنت في خيل أهل الشام؟!.

والتفت إلى الحارس قائلاً : أدعُ لي قائد الجند العباس بن سعد المزني.

فلما دخل قائد الجند قال له يوسف :

- إسمع يا عباس إذا كان الغد فتقدم أهل الشام وقاتل زيداً وأصحابه، وحذار أن يكون يومك مع زيد كيوم هذا -وأشار إلى الريان-، ثم التفت إليه وقال له :

- ولكني أريد أن أعرف منك يا ريان من أشد أصحاب زيد تفانياً في القتال والدفاع عنه.

الريان : والله يا مولاي ما رأيت أحداً منهم إلا وهو أشد الناس حرصاً أن يقتل قبل الآخر فإنهم يتسابقون إلى الموت بين يديه.

يوسف بن عمر : أسكت أيها الأحمق، والله لو سمع الجنودُ كلامَك لزرعت فيهم الهزيمة.. أقصد أيهم يعتمد عليه زيد وله كلمة في أصحاب زيد؟.

الريان : أعتقد يا مولاي أنهما نصر بن خزيمة ومعاوية بن إسحاق.

وفي صباح ذلك اليوم وهو الخميس التفت يوسف بن عمر إلى الجند فقال : أيكم يكفيني أمر نصر بن خزيمة؟ فقال رجل كان يسمى نائل بن فروة من بني عبس فقال : والله لأن ملأت عيني من نصر بن خزيمة ليقتلني أو أقتله.

فأخرج له يوسف سيفاً لا يقع على شيء إلا قطعه.. وقال له: خذ هذا السيف.

وفي نفس الليلة تراجع الإمام عليه السلام وأصحابه.. واستقر بهم المقام في دار الرزق فجعلوا يضمدون جروح المصابين ويترحمون على من فقدوه في ذلك اليوم من الأصحاب.. وتحول دار الرزق إلى مسجد لا يسمع منه إلا التهليل والتكبير وقراءة القرآن.

كان الجميع يعدون أنفسهم للرحيل.. كلُّ واحد منهم يحاول أن يجرد نفسه من أمتاع الدنيا ليقبل على الله بقلب سليم ويد بيضاء.

وبعد يوم وليلة من الصراع والصولات والجولات والمناوشات التي فاحت منها رائحة الشهادة فزادتهم شوقاً إليها، وما كان منهم من أحد إلا وهو يتمنى أنه مكان شهيد من شهداء الأمس القريب.

كان الإمام ينظر إلى أصحابه بعين الحب والإشفاق والتعظيم.. فقد ثبتوا وأبدوا من البطولة ما أذهل أعداءهم وأربك صفوفهم.. ولكن الإمام عليه السلام لاحظ أن معسكره ازداد.. فبالأمس كان عددُهم لا يتجاوز الثلاثمائة رجل.. واليوم أصبحوا خمسمائة رجل.. فداخله شيء من الخوف.. فبشائر النصر التي أحرزها في اليوم الأول كانت نتيجة الإخلاص الذي كان يحمله أصحابه.. وخاف أن ذلك العدد الذي انضم إليه قد يكون من أولئك الطامعين في الدنيا.

ووقف الإمام خطيباً في أصحابه فقال :

الحمدلله الذي منَّ علينا بالبصيرة، وجعل لنا قلوباً عاقلة وأسماعاً واعية.. وقد أفلح من جعل الخيرَ شعارَه.. والحقَ دثارَه.. وصلى الله على خير خلقه الذي جاء بالصدق من عند ربه وصدق به الصادق محمد صلى الله عليه وآله وسلم .. وعلى الطاهرين من عترته وأسرته.. والمنتجبين من أهل بيته وأهل ولايته.

أيها الناس العجلَ العجلَ.. قبل حلول الأجل وانقطاع الأمل.. فوراءكم طالب لا يفوته هارب.. إلا هارب هرب منه إليه.. ففروا إلى الله بطاعته.. واستجيروا بثوابه من عقابه.. فقد أسمعكم وبصركم ودعاكم إليه وأنذركم.. وأنتم اليوم حجة على من بعدكم.. إن الله تعالى يقول : (ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)، (ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون)، (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم).

عبادَ الله إنا ندعوكم إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله.. إن الله دمّر قوماً اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله.

عباد الله كأن الدنيا إذا انقطعت وتقضت لم تكن.. وكأن ما هو كائن قد نزل.. وكأن ما هو زائل عنا قد رحل.. فسارعوا في الخير.. واكتسبوا المعروف تكونوا من الله بسبيل.. فإنه من سارع في الشر واكتسب المنكر فإنه ليس من الله في شيء.

أنا اليوم أتكلم وتسمعون ولا تبصرون.. وغداً بين أظهركم جثة هامدة فتندمون.. ولكن الله ينصرني إذا ردني إليه.. وهو الحاكم بيننا وبين قومنا بالحق.. فمن سمع دعوتنا هذه الجامعة غير المفرقة العادلة غير الجائرة.. فأجاب دعوتنا وأناب إلى سبيلنا.. وجاهد بنفسه نفسه ومن يليه من أهل الباطل ودعائم النفاق فله ما لنا وعليه ما علينا.. ومن رد علينا دعوتنا وأبى إجابتنا واختار الدنيا الزائلة الآفلة على الآخرة الباقية.. فالله من أولئك بريء.. وهو يحكم بيننا وبينهم.

إذا لقيتم القوم فادعوهم إلى أمركم.. فلئن يستجيب لكم رجل واحد خير لكم مما طلعت عليه الشمس من ذهب وفضة.. وعليكم بسيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالبصرة والشام.. لا تتبعوا مدبراً.. ولا تجهزوا على جريح.. ولا تفتحوا باباً مغلقاً والله على ما أقول وكيل..

عباد الله.. لا تقاتلوا عدوكم على الشك، فتضلوا عن سبيل الله.. ولكن البصيرة ثم القتال.. فإن الله يجازي عن اليقين أفضل جزاء يجزي به على حق إنه من قتل نفساً يشك في ضلالتها كمن قتل نفساً بغير حق.. عباد الله.. البصيرة البصيرة..

فقام أبو الجارود وقال :

- يا ابن رسول الله فدتك نفسي، أيبذل الرجل نفسه على غير بصيرة؟.

الإمام : نعم يا أبا الجارود إن أكثر من ترى عشقتْ نفوسُهم الدنيا.. فالطمعُ أرداهم إلا القليل الذين لا تخطر على قلوبهم الدنيا ولا لها يسعون فأولئك مني وأنا منهم.

وبات الإمام مع أصحابه في تلك الليلة بين راكع.. وساجد وقارئ للقرآن، ومُتجهِّز يتجهَّز للجهاد.



التوقيع
تم الغاء عرض الصورة التي استخدمتها في التوقيع كون المستضيف لها يحتوي على برمجيات ضارة، يرجى رفعها على موقع آمن .. رابط صورتك القديمة::
http://www.nabulsi.com/text/02akida/4ot ... age023.gif


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
رد مع اقتباس  
 عنوان المشاركة:
مشاركةمرسل: الأحد فبراير 10, 2008 5:50 pm 
معلومات العضو
مشترك في مجالس آل محمد
إحصائيات العضو

اشترك في: الجمعة يونيو 24, 2005 5:42 pm
مشاركات: 1606
مكان: صنعاء حده
غير متصل
صورة
الإمام‮ ‬زيد‮ : ‬مـــن‮ ‬أحــبَّ‮ ‬الحيـاةَ‮ ‬عـاش‮ ‬ذليلاً
مع إطلالة نور الفجر الأول كان الإمامُ في محراب المناجاة وسطع صوتُ المؤذن: »اللهُ أكبر.. اللهُ الأكبر.. حي على الصلاة.. حي على خير العمل«.

وتقدّمَ الإمامُ ليصليَ بالناس في خشوع لا مثيل له، فالسكينةُ والطمأنينةُ كانت قد تمكنت من قلبه. وما كانت ساحات الجهاد ورقاق السيوف لتشغله عن أداء فريضة الصلاة.. كان يؤمنُ أن النصرَ بيد الله.. ويرى أن النصرَ الأعظمَ هو الشهادةُ في سبيل الله.

وبعد أن أتمَّ صلاتَه وعلا صوتُ مؤذن الجهاد: حي على الجهاد .. حي على الجهاد

ودقتْ طبولُ الحرب وعلتْ أصواتُ المجاهدين بالتكبير وانتظمتْ الصفوفُ وقسّم الناسَ إلى ميمنة وميسرة وقلب.. وامتطى الليثُ صهوةَ جواده والنورُ يشعُّ من بين عينيه، وتقدمَ الصفوفَ ثم استدارَ نحوَ أصحابه فتعلّقت الأنظارُ به.. وخُمدتْ الأصواتُ.. وانسابتْ الكلماتُ من بين شفتيه فقال :

الحمدلله مذعناً له بالإستكانة مقراً له بالوحدانية.. وأتوكل عليه توكل من لجأ إليه.. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المصطفى والمرتضى الأمين على وحيه.. المأمون على خلقه.. المؤدي إليهم ما استرعاه من حقه حتى قبضه إليه صلى الله عليه وآله وسلم.

أيها الناس أوصيكم بتقوى الله.. فإن الموصي بتقوى الله لم يدخر نصيحة ولم يقصر عن إبلاغ عظة.. فاتقوا الله في الأمر الذي لا يصل إلى الله تعالى إن أطعتموه.. ولا ينتقص من ملكه شيئاً إن عصيتموه.. ولا تستعينوا بنعمته على معصيته.. وأجملوا في طلب مباغي أموركم وتفكروا وانظروا.

ثم تقدم الإمام الصفوف وانطلق بأصحابه نحو جموع أهل الشام وخفقت راية الحق والحرية تحملها تلك الثلة المؤمنة.. لترسم للأحرار والمؤمنين طريقهم.. وما هي إلا لحظات حتى ظهرت أمام العين تلك الجحافل الأموية الغاشمة يفوق عددُها اثني عشر ألفاً.

النزالُ والفاجعةُ

تهيأ الفريقان لخوض معركة فاصلة.. واستعد جيش الإمام لاختراق ذلك السيل البشري وكبح جماح كبريائه.. فانطلقوا بعزيمة المؤمن الذي لا يفرق بين النصر أو الشهادة.. فالكل يتمنى إحدى الحسنيين.. وتفاجأ القائد الأموي العباس بن سعد المزني من هذا الهجوم الجريء فلم يبق أمامه سوى الدفاع... فأصدر أمره إلى جيشه بالنزول ورصهم صفوفاً متجاورة لا يكاد يستطيع المرء أن يلوي عنقه لشدة تقاربها.. ورفعوا الرماح والسيوف في وجوه المهاجمين.. والتحمت السيوف بالرماح فوق رؤوس البغاة لتشكل حاجزاً حديدياً لحمايتهم من ضربات المهاجمين.

وأقبلت العزيمة والإيمان والتقوى لتكون وجهاً لوجه مع الحديد الصلب.. فامتلأ الكون ضجيجاً وصهيلاً للخيل.. وتطايرات الشرار لتكون أشبه بالبرق الخاطف في لمعانه..

لقد كان المهاجمون قلة في العدد.. لكن كل واحد كان يمثل جيشاً وأمة لوحده.. وثبت الجيش الشامي أمام تلك الضربات بضع دقائق ولكن الصدق والإخلاص والعزيمة لدى المهاجمين كانت كفيلة بإحالة الفولاذ إلى رماد، فلا شيء يقف أمام عزائم المؤمنين.

فقد تجاوزت تلك السيوف الحاجز الحديدي.. ومزقت من تحتها من جنود الجور والبغي.. وبدأ الإمام يقاتل مع أصحابه.. هدفهم هو نصرة دين الله ورفع راية الحق وإزالة ذلك الجور والظلم الذي فرضه الأمويون وأذنابهم على جموع الأمة في كل الأقطار.

وأخفق كل من أراد أن يتصدى لأولئك الثلة المؤمنة.. وأدرك القائد الأموي أن صراع السيوف والمبارزة لن يجدي مع أمثال هؤلاء.. لذا أمر الرماة أن يعدوا أنفسهم.. وبدأ سيل من السهام يتوجه نحو الإمام وأصحابه وكانت صدور القوم تتلقى السهام مقبلة غير مدبرة.. لا تبالي إن وقع في الصدر أو في الذراع.. أو في مزق الهامة أو اخترق الثنايا.. المهم أن يكون الإمام في مأمن.. وأن يُقتلوا مقبلين غير مدبرين.

حميت المعركة.. وكشفت الحرب عن ساقها.. وتفرقت الجموع.. وكثر القتلى.. وكان كل شيء ينادي بالحرية وبإعلاء شريعة الله وهدم عروش الظالمين.. وكان نصر بن خزيمة يقاتل جنباً إلى جنب مع الإمام فيصد عنه كل هجمة غادرة أو ضربة مباغتة.. لا يشغله عن ذلك شيء.

وعلى بُعد كان هنالك عين ترقبه لا تشارك في أحداث القتال.. كان ذلك الرقيب يحاول أن يقترب بحذر.. يتحرك بتحرك نصر ويسكن بسكونه.. تارة يقترب حتى يصير على بُعد خطوات.. وأخرى تراه يبتعد خوفاً أن يناله شيء من تلك الضربات التي يكيلها نصر مرة عن يمين الإمام ومرة عن شماله.

وفجأة انشغل نصر بجموع المهاجمين.. فإذا بذلك الوغد المسمى نائل بن فروة يستل ذلك السيف المرهف والمتميز ليبتر رجله من فوق الركبة.

التفت إليه نصر في غضب عارم جمَّد الدم في عروق نائل فشلت حركته.. وهوى علىه نضر بضربة أردته صريعاً..

علم نصر أنها الشهادة فالتفت إلى الإمام ونظر إليه نظرة مودع.. كان ألمه لمفارقة الإمام في مثل هذه اللحظة الحرجة يضاعف من آلام الجراح.. ولذلك وجه فرسه نحو عدوه والدماء تنزف من فخذه فجعل يضربهم بالسيف ضرب من يبغي الشهادة وتوالت عليه ضربات السيوف ووقع السهام.. حتى خرَّ صريعاً بعد أن ضرب أروع الأمثلة في البذل والجهاد من أجل رد الحق لأهله.. ورفع الظلم عن أمته..

انتصف النهار وساحة القتال ترجح كفة الإمام وأصحابه.. واستمر القتال وفي كل لحظة كان الجيش الأموي يزداد كثافة بسبب المدد الوافد من الشام ومن سائر البلدان وتضاعف عدد الرماة الذين بدأوا يقتلون أصحاب الإمام واحداً تلو الآخر.. فسقط قائد ميمنة جيش الإمام زيد -معاوية بن إسحاق- وتلاه عشرات القتلى في صفوف جيش الإمام.. وكان كل هذا يحدث.. ولكن ذلك الجهد الذي كان يقوم به الإمام وجماعة من أصحابه وأهل بيته كمحمد بن عبدالله وبعض إخوانه جعل الخصم لا يشعر بذلك التراجع فالإمام متواجد في جميع الأنحاء.

وأدرك العجز بعض أفراد الجيش الأموي فأحال دفة الصراع المسلح إلى مناوشات كلامية كشّر فيها الحقد الأموي عن أعماقه وسوء اعتقاده.. فانطلقت الكلمات لتنال الأعراض.. فهذا أحدهم يتقدم على فرس أبيض فينال من فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رمز العزة والعفة والطهارة ليتهمها بأبشع الجرائم.. والإمام في الضفة الأخرى من النهر يسمع تلك الكلمات، كانت أشد وأمضى من السهام، ومن ضرب السيوف.. فقد سالت الدموع من عينَي الإمام بغزارة حتى ابتلت لحيته.. فليس الإمامُ بالرجل الذي يمكن أن يسقط في المهاترات الكلامية، فالإمام يدعو إلى المبارزة الشريفة قائلاً وبصوت يملأ الآفاق:

- أما من أحد يغضب لفاطمة بنت رسول الله؟ أما من أحد يغضب لرسول الله؟ أما من أحد يغضب لله؟!.

فأجابه سعد بن خثيمة قائلاً:

- بلى يا ابنَ رسول الله.. والله لئن يمكني الله منه لأختطفن روحه.

وما هي إلا ساعات حتى تحول ذلك الشامي من على فرسه إلى بغلة.. فاستقر عليها واستمر يصب سيلاً من الشتائم على الإمام زيد.. وجدته فاطمة بنت رسول الله صلوات الله عليهم أجمعين..

جعل سعد بن خثيمة يراقب ذلك الشامي حتى ابتعد إلى ناحية من أصحابه.. فتناول سعد رداء من فوق أحد غلمانه واستتر به وقطع المسافة في هدوء.. وجعل يمضي باتجاه الرجل حتى استقر فوق رأسه وهوى بسيفه ففصل الرأس عن الجسد.. وبسرعة خاطفة ألقى الجسد الخبيث من فوق البغلة.. وقاد بزمامها وأقبل مسرعاً نحو أصحاب الإمام.

تحرك الخيالة وانطلقوا لأخذ الثأر لصاحبهم.. ولكن خيل الإمام كانت أسرع فأحاطوا بسعد بن خثيمة ومنعوهم من الوصول إليه.. فأقبل الإمامُ نحوَه مُسرعاً وقبّله بين عينيه وقال أدركتَ والله ثأرنَا أدركتَ والله شرفَ الدنيا والآخرة.

سعد : إليك يا سيدي سلب الشامي.. استعن بها على حرب القوم.

الإمام : لا والله.. بل هي مني لك تنفيلاً.

سهمٌ يُصيبُ الجبينَ الأغر

وفي اليوم الخامس والعشرين من شهر محرم سنة 121هـ كانت الشمس توشك على الغروب.. فقد غاب شيء من توهجها.. وبدأت تجمع أشعتها.. وبدأ يخفت نورها.. فبدأ الأفق شاحباً شديد الحمرة.. وانطلق سهم غادر من قوس متمكن ليخترق الأجواء.. في سرعة خاطفة مزق الأجواء.. وبعثر حبات الهواء.

غاب في عمق الغبار المتصاعد وتجاوز كل من كان يحمي الإمام.

لم ينحرف.. كان أسرع من أن يتراجع.. استقر وليته لم يستقر.. وجعل الجبين الطاهر الأغر له محلاً.. وأعلنت شمس السماء عن حلول وقت رحيلها.. وأعلن البدر في ساح الوغى حلول أفوله.. وترجل الإمام عن فرسه.. ووضع يده على جبينه.. والدم الطاهر ينزف من جبينه.. ليمثل عيناً جارية تزين وجه الإمام بالحمرة ويختلط عرق الجبين بحمرة الدماء.. وتتخضب تلك اللحية العشماء بالدم الذي كثيراً ما التهب واحترق من الألم عند ذكر أحوال الأمة.. فمن أجل دعوته إلى كتاب الله استحل الجبناء سفك دمه.. من أجل دعوته لإحياء سنة رسول الله أهدروا دمه.. لكي لا يتركوا لمسكين حام يحميه أو مدافع يذود عنه.

شكّل جيش الإمام حلقة حول الإمام حتى حجبوه عن أنظار العدو وبدأوا بالتراجع بشكل غير ملفت.. واستغل الجيش الأموي فرصة التراجع لجيش الإمام لكي يتمكن أفراده من التقاط أنفاسهم وجمع فلول جيشهم المبعثر فأغمدوا سيوفهم وبدأوا بالتراجع.. ولم يستشعر أحدٌ من الجيش الأموي الكارثة التي حلت بأصحاب الإمام.. وظنوا إنما الأمر مجرد تراجع للمبيت.. فجعلوا يحصون قتلاهم وينظمون صفوفهم لخوض معركة الغد القريب.

وهناك في معسكر الإمام كان الأصحاب يمرون بأحرج اللحظات.. فقد هرع أصحابَ الإمام لإحضار طبيب.. ودخل الطبيبُ وكان اسمه سفيان، وكان مولى لبني فراس.. والإمام ملقى في حجر محمد بن سلمة الخياط.. وإلى جواره ولده يحيى بن زيد، ومحمد بن عبدالله، وجمع من أصحابه.. وذلك في بيت حران بن أبي كريمة في سكة البريد.. وكان أنين الإمام يحكي عمق الآلام التي يقاسيها في تلك اللحظات.. ورغم هذا كان يدير نظره بين وجوه أصحابه في إشفاق.. ولم تتوقف شفتاه عن الحركة كان في حالة ذكر واستغفار.

جلس الطبيب إلى جوار رأس الإمام.. وبدأ يمسح الدم من على جبينه.. ويركز على مكان خروج الدم.. ويمسحه مرة تلو الأخرى.. وظهرت ملامح الخوف على وجه الطبيب.

الإمام : ما الأمر أيها الطبيب هلا نزعت السهم؟ فالألمُ يزدادُ بشدة.

كانت تلك الكلمات تخرجُ من صوت خافت وضعيف.

دمعت عينا الطبيب.. وانعقدت الكلمات على لسانه.

فتدخل يحىى بن زيد قائلاً:

- ما الأمر أيها الطبيبُ؟! حاول أن تفعلَ له شيئاً.

الطبيب : يا بني ليس بين والدك والرحيل عن هذه الدار إلا نزع هذا السهم.. فالسهم قد بلغ الدماغ.

شهق يحيى شهقة اهتز لها جسمه ودمعت عيناه.. وأكب على والده وقال :

- أبشر يا أبتاه.. تُقبل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعلي، وفاطمة، وخديجة، والحسن، والحسين، وهم عنك راضون.

فقال له الإمامُ زيد (ع) بصوت ضعيف خافت قد أجهده الألم وكثرة النزيف:

- أجل يا بني ولكن أي شيء تريد أن تصنع؟.

يحيى بن زيد : أقاتلهم والله ولو لم أجد إلا نفسي.

زيد : إفعل يا بني فإنك والله لعلى الحق.. وإنهم لعلى الباطل.. وإن قتلاك لفي الجنة.. وقتلاهم لفي النار..

ثم التفت إلى الطبيب وهو يردد الشهادتين وأشار إليه بنزع السهم.. وفاضت روحه الطاهرة لتودع عالم الدنيا.. وتستقر إلى جوار ربها.. وتجاور الأحبة في جنة الفردوس.

وأظلتْ المكانَ سحابةٌ كثيفةٌ من الحزن الصامت.. وبدأت العيونُ تذرفُ الدموعَ بغزارة وصمت مطبق..

مزق ذلك الصمت صوت الفتى المؤمن المبتلى في أبيه عندما قال :

- الحمدلله الذي حقق مُناه.. فقد كانت الشهادة في سبيل الله غاية أمله ومناه.. فها هو يموتُ بسُيوف فراعنة وجبابرة الظالمين.. فهنيئاً له ذلك.

ثم التفت إلى أصحابه مخاطباً لهم :

- فما الرأيُ الآن يا قوم.. أخاف أن ينتشرَ الخبرُ فيباغتونا.. فتؤخذ منا الجثة ويمثَّل بها.. فأين تريدون أن نواري جسده؟.

اضطربت الآراء حول ما هو الأصوب.. فقال قوم نلبسه درعين.. ونلقيه في الماء.. وقال آخرون نلقيه بين القتلى.

فقال لهم يحيى بن زيد : والله لا يأكل لحم أبي السباع.

ثم استقر رأي الجميع على دفن الجثة في بستان في العباسية وإخفاء القبر حتى لا يعلم أحدٌ موقعه.. فاجتمع من تبقى من خواص الإمام وأهل بيته وحملوا الجثة في وسط الظلام.. واتجهوا إلى ذلك البستان.. وأوقفوا ساقية من الماء كانت تجري في وسطه وقاموا بتحويلها إلى مكان آخر وبدأوا الحفر في مكان تلك الساقية ثم دفن وأعيدت الساقية إلى مجراها من فوق القبر.

كل ذلك كان يتم بمنتهى السرية إلا أن عيناً كتبت على نفسها الشقاء في الدنيا والآخرة كانت ترقب ذلك المشهد من بُعد.. كان الغلام السندي -غلام أحد الخياطين- يتبعُ أثرَ القوم حتى اطلعَ على كل شيء.

إستشهادُ حليف القرآن

وبعد يومين من القتال كان قد أدركَ أفرادُ الجيش الأموي عظيم خسارتهم في اليوم الأول والثاني وكان الرعب قد خيّم في القلوب فما إن دخل أحد القواد على يوسف بن عمر.. حتى صاح به يوسف :

- أجيشٌ قوامُه الخمسمائة يثْبُتُ لجحافل الجيش الأموي المدرب؟ وكيف إذا كانوا مجرد عرباناً جلاف حفاة لا خبرة لهم بالحرب وفنونه؟!.

القائد : يا سيدي والله لو تأملت قتالهم وشدة صبرهم.. لجعلت الواحد منهم يعد بالمائة.. والله لولا الرماة كفونا شر المبارزة لأفنونا جميعاً.

يوسف بن عمر : إسكت أيها الأحمق.. والله لو سمع الجيشُ وصفَك ما ثبتوا لهم من الغد ساعة.. أخرج لا بارك الله فيك.

وطلع الصباح والجيش الأموي في حالة من الذعر والفزع والضعف لما نالهم من أصحاب زيد.. ولكن الأوامر كانت تقضي بضرورة المواجهة والاستمرار إلى أن يحسم الأمر مع الإمام وأصحابه.

وانتظروا مدة من الزمن فإذا الأخبار بمقتل الإمام زيد (ع) تطرقُ أسماعَهم لتملأ قلوب المجرمين سروراً كما امتلأت قلوب المؤمنين حزناً وألماً.

وإذا كان الأمويون لم يستطيعوا أن ينالوا من شخصية الإمام حياً بعد أن قارعهم في بداية حياته بالحجة والدليل.. وفي آخرها برؤوس القنا وحد السيوف.. فقد عبّروا عن دناءة النفوس وانعدام الفضيلة فيهم.. وسارعوا إلى الإعلان عن بذل المكافآت المغرية لكل من دل على الإمام وصاحبيه -نصر بن خزيمة ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري- وما هي إلا ساعات حتى أقبل ذلك الغلام على الحكم بن الصلت فأخبره عن موقع القبر.

الحكم بن الصلت : من يذهب فيأتينا بجثته.

صمت الجميع تهيباً لبشاعة الموقف وكأن على رؤوسهم الطير.

الحكم : أما فيكم من يجرؤ عليه ميتاً؟ فكيف لو كان حياً إذاً لتركتم له العراق ووليتم فراراً؟ قم يا حجاج بن القاسم.. فأت به في الحال.

نبشوا القبر ومثلوا بالجثة

وانطلق الحجاجُ بنُ القاسم في بعض أعوانه حتى أتوا على البستان فنبشوا القبر واستخرجوا الجُثة.. وحملوها على ظهر بعير..

وعلى باب القصر كان الجميعُ ينتظرون وصولَ جُثة الإمام.. أوقف الجمل في وسط الجموع المحتشدة.. وبدلاً من إقعاد الجمل وإنزال الجثة أشار الحكم بن الصلت إلى بعض جنوده بفك وثاقها فهوت جثة الإمام إلى الأرض.

وضع الجميعُ أيديَهم على قبضات سيوفهم.. وكأن الإمامَ ترجَّل حياً لا ميتاً.. فرحم الله أبا الحسين أفزعهم حياً وميتاً.. وما هي إلا لحظات حتى فصل الرأس عن الجسد.

وحُمل الرأسُ الشريفُ إلى يوسف بن عمر.. فأمر أن يُطافَ به في شوارع الكوفة.. وجعل الناس ينظرون إلىه في إجلال واحترام.. فلكم طالت غيبة هذا الرأس وتخفيه.. ولكم اشتاق الناسُ إلى رؤيته.

وتجرأت ألسنُ السفهاء فصاغت مكنونَ قلوب مريضة.. فاندلع سيلٌ من الشتائم والسباب لتكون وسيلة لهم يتقربون بها من قلوب ولاتهم لينالوا بها لقمة عيش حقيرة.

وسريعاً انتقل الرأسُ الشريفُ تحوطُه أيدي السفهاء وعُباد الدرهم والدينار بعناية شديدة ليجوب صحاريَ العراق والشام.

ومع طلوع شمس أحد الأيام فتحت دمشق أبوابها ليدخل وفد تشيعه الطبول والأهازيج.. ويرتفع في وسط هذا الجمع ثلاثة من الرماح تحمل ثلاثة من الرؤوس.. ووقف الناس عن يمين وشمال الطريق ينظرون إلى هذا الوفد، كلٌّ يسألُ صاحبَه: من أصحابُ هذه الرؤوس؟.

وخرج هشام من قصره يحوطه جندُه.. وتشيعه حاشيته ويتبختر في مشيته.. وأقبل الوافدون عليه وقد أنزلوا الرؤوس، ووضعوها بين يديه، وتقدم متكلمهم قائلاً:

- مولاي أمير المؤمنين وخليفة رسول رب العالمين هشام بن عبدالملك بن مروان.. مولاي يوسف بن عمر والي العراق يبلغك السلام ويقول لك طلباً لرضاك ووفاءً لك قتلنا الفاسق بن الفاسق زيد بن علي.. وصاحبيه معاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة.. ونصر بن خزيمة.. وها هي الرؤوس بين يديك.

جعل هشام يمعن النظر في رأس زيد.. وهو لا يكاد يصدق أنه رأس ذلك الذي أقض مضجعَه وعكر صفوه بالأمس القريب.. وارتفعت أصوات الوزراء بالتهاني تبارك للخليفة نصره ويدعون له بطول البقاء ودوام الصحة.

وتقدم الخطباء والشعراء يتبادرون في ميادين البلاغة والفصاحة.. يبالغون في المدح والإطراء لهشام وبني مروان.. ولا يألون جهداً في الذم لزيد وآل البيت عليهم السلام.

أمر هشام أن يُرمى الرأسُ بين الدجاج.. وجعل هشام في كل يوم يخرُجُ إلى الناس ويرفع الرأسَ على رمح.. ثم يجمع له الناس.. وبدأ الخطباء والشعراء في اختلاق النقائص لعلهم بذلك يحقرون من شأن صاحب ذلك الرأس.. ثم رفع فوق باب دمشق مدة من الزمن..

التوقيع
تم الغاء عرض الصورة التي استخدمتها في التوقيع كون المستضيف لها يحتوي على برمجيات ضارة، يرجى رفعها على موقع آمن .. رابط صورتك القديمة::
http://www.nabulsi.com/text/02akida/4ot ... age023.gif


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
رد مع اقتباس  
 عنوان المشاركة:
مشاركةمرسل: الأحد فبراير 10, 2008 5:52 pm 
معلومات العضو
مشترك في مجالس آل محمد
إحصائيات العضو

اشترك في: الجمعة يونيو 24, 2005 5:42 pm
مشاركات: 1606
مكان: صنعاء حده
غير متصل
صورة

رأس‮ ‬الإمام‮ ‬زيد‮ (‬ع‮) ‬إحدى‮ ‬مزارات‮ ‬آل‮ ‬البيت‮ ‬في‮ ‬مصر
إذا كانت مصرُ لم تنلْ شرفَ أن تطأ أرضَها قدمُ زيد، حيث لم يزر الإمامُ مصر كما زارها معظمُ آل البيت ودفنوا بها إلا أن ثراها ما زال يحتضنُ الرأس الشريف إلى اليوم. فمسجد وضريح الإمام زيد واحد من مزارت كثيرة لآل البيت بمصر وإن لم يكن معروفاً بدرجة كبيرة.

فبعدَ أن أخفى أهْل مصر رأسَ الإمام من المدينة بعد نهاية مأساوية سيرد ذكرها آنفاً، دفنوه وبنوا عليه مسجداً بمنطقة تسمى الآن "زين العابدين" بوسط القاهرة بجوار حي السيدة زينب وكتموا أمره خشية أن يعرف بذلك قتلة الإمام من الأمويين ويأخذوه. والمسجد لا يزال موجوداً إلى اليوم وهو يحمل اسم (زين العابدين). لكن من الواضح أن العوامَ حرَّفوا اسمَ المسجد وتم معه تحريفُ اسم المنطقة وربما يكونُ التحريفُ قد تم بفعل عوامل التعرية والأيام، أي أن اسمَ الإمام زيد قد أزيل بشكل غير مقصود، فباستثناء شارع واحد معروف باسم (سكة سيدي زيد) لا يعرف كثيرون أن المسجدَ والذي من المفترض انه يضم ضريحين أحدهما مكتوبٌ عليه اسم زين العابدين علي بن الحسين. والثاني مدون عليه اسم الإمام زيد عليه السلام هو المزارُ الخاص بالإمام زيد؛ وذلك لأن الإمامَ علي زين العابدين كما هو مؤكد مدفونٌ في البقيع بالمدينة المنورة منذ وفاته ولم تروِ كتبُ التـَأريخ أيَّ شيء حول نبش قبره عليه السلام أوْ نقل رفاته إلى مصر، وبالتالي لم يبق سوى احتمال مؤكد بأن الضريحَ الثاني هو مقام رأس الإمام زيد. وذلك مطابق تماماً لما ذكره المقريزي في كتابه (المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار) من أن الأفضل أن أمير الجيوش في عام 525 هجرية بلغته حكاية رأس الإمام زيد فأمر بكشف المسجد وكان وسط الأكوام ولم يبق من معالمه إلا محراب فوجد فيه الرأس الشريف.

حيث قال المقريزي (قال محمد بن الصيرفي: حدثني فخر الدين أبو الفتوح ناصر الزيدي خطيب مصر وكان من جُملة مَن حضر الكشف، قال: فلما خرج هذا العضو رأيته وهو هامة وافرة، وفى الجبهة أثر من سعة في سعة الدرهم فمُضخ وعطر وحمل إلى دار حتى عمر هذا المشهد -أي مشهد زين العابدين- وكان وجدانه يوم الأحد تاسع وعشرين شهر ربيع الاول سنة 525 هجرية.

وحالياً تم تجديدُ المسجد إلا أن الاسمَ لم يعدل ولا زال يحمل اسمَ مسجد زين العابدين ولا زال العامة يقيمون احتفالاً كبيراً يوم عاشوراء ويُطلقون عليه مولد زين العابدين. وهو ما ذكره المقريزي بنفس الكتاب، حيث قال أيضاً (وهذا المشهد يتبرك الناسُ بزيارته ويقصدونه يوم عاشوراء والعامة يسمونه زين العابدين وهو وهمٌ، وانما زين العابدين أبوه وليس قبره بمصر بل قبره بالبقيع).

الترجمة

> زيد الشهيد زهرة من آل هاشم من شذاها عبير الحسين يفوح، هو دعوة استشهاد وهدى وثورة حق ونور، ثائر أبي، استطاع أن يؤسسَ نظرية شيعية مختلفة لا يستطيعَ أحدٌ سنياً أكان أوْ شيعياً أن ينكر عظمتها وأثرها الذي يسمو فوق كل الاختلافات والمذاهب، فقد تجاوز الخلافات والسفسطة التى دارت بين المذاهب الاسلامية ليؤسس مدرسة فكرية أكثر عدالة ووسطية، ولا أبالغ إذا ما زعمتُ أنها النهجَ الأنسب لما لها من وصال في حركة المسلمين اليوم؛ وذلك لأنها تقوم على أسس اللاطائفية في هذا الجو الطائفي، فمدرسة زيد لا زال بريقها الأخاذ توهجاً وعطاءً يأخذ منه المسلمون عامة.

نسبُه ومولدُه

> هو زيدٌ بنُ علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام. أمُّهُ سندية أختلف في اسمها هل هي حيدا ام جيدا ولكن أصح الأقوال انها جيدا، إشتراها المختار بن عبيدالله الثقفي واستحسنها ووجدها لا تليق إلا بعلي بن الحسين عليه السلام فأهداها اليه.

وُلد الإمام زيد عم 75 هجرية على أصح الأقوال إلا أن بعضَ المؤرخين منهم ابن عساكر ذكر انه وُلد عام 78 أما الشيخ أبو زهرة فقد ارجع مولدَه إلى عام 80 هجرة وهو تـَأريخٌ لم يذكره أحدٌ من المؤرخين.

يذكر أن يومَ مولد الإمام زيد أتى البشيرُ إلى علي بن الحسين عليه السلام فحمد الله واثنى عليه وصلى على النبى وآله، ثم قال: ما تقولون في هذا المولود؟، ما نسميه؟. فقال بعضٌ: حسن. وقال بعضٌ: حُسين. وقال آخرون: جعفر.

فأخذ المصحفَ وقال: بسم الله. ثم صلى ركعات ففتحه فخرج في أول سطر قوله تعالى "وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً".

فحمد الله واثنى عليه ثم فتح المصحف مرة أخرى "إن اللهَ اشترى من المؤمنين أنفسَهم وأموالهم بأن لهم الجنة".. ثم قال إنا لله وإنا اليه راجعوان. وقطرت عيناه في المصحف. وقال: هو والله صاحب الكناسة.

فقد روي عن أنس بن مالك أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم وآله قال: يقتلُ من ولدي رجل يدعى زيد بموضع يُعرف بالكناسة يدعو إلى الحق يتبعه كل مؤمن. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: مر علي عليه السلام في الكناسة فبكا وبكينا فقلت: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟.. قال حدثني حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وآله أن رجلاً يصلب ههنا من ولدي لا ترى الجنة عين مَن رأت عورته..

بيئتـُه ونشأتـُه

> نشأ الإمامُ زيدٌ في المدينة المنورة في بيت من بيوت العلم العامرة بميراث النبوة، فوالدُه علي زين العابدين وكان خيرَ الصحابة والسادة التابعين ومن أكثر الناس ديناً وعلماً وكان زاهداً في الدنيا لا ينظر اليها وكان دائم الانفاق على الفقراء في السر والعلن وكان يقولُ: (نفقة السر تطفئ غضبَ الرب).

ولقد كان عليه السلام ورعاً تقياً خاشعاً لذكر الله حتى سُمي بزين العابدين لكثرة عبادته كما كان يُلقبُ بـ"السجاد" لكثرة سجوده.

من هذا الوالد الزاهد العابد كان زيدٌ عليه السلام، فقد عاش زيد مع والده 18عاماً، انتقل بعدها إلى كفالة أخيه محمد الباقر وكان للباقر أكبر الأثر في نشأة زيد فقد طبعت هذة البيئة الأخيرة في قلب زيد تقوى الله عز وجل والخوف منه وحب تلاوة القرآن والزهد في هذه الدنيا. فقد كان الإمام زيد عليه السلام يصومُ يوماً ويفطر يوماً، وكان يقومُ الليل، وروي أنه لم ينم الليل عشرين سنة، كما كان عليه السلام كثير البكاء من خشية الله وكان دمعُه يشبه الدم فسُئل عن ذلك، فقال: (لمَ لا أبكي فوالله لو قد أعطاني اللهُ الأمانَ من الحساب والعقاب لحق لي أن أبكي.. إن كنتم لا تعلمون يا ذوي الألباب) وقد شهد له أخوه الأكبر ومعلمه الفَذُّ الإمامُ محمد الباقر عليه السلام، الذي قال في حقه: "لقد أوتي زيدٌ علماً لَدُنِّيّاً فاسألوه فإنه يعلم ما لا نعلم".

زواجُه وابناؤه

> تزوَّجُ زيد عليه السلام ثلاثَ نسوة هن أريطة بنت أبي هاشم بن عبدالله بن محمد بن الحنفية وقد انجب منها يحيى.

وتزوج بالكوفة اثنتين هما ابنه يعقوب بن عبدالله السلمي كما تزوج ابنه عبدالله بن أبي العنبس الأسدي فجاءت له بثلاثة أولاد هم عيسى وحسين ومحمد.

بعضُ تلاميذه

> بالإضافة إلى تلاميده من أبناء عمومته وإخوته وابنائه، تتلمذ على يد الإمام زيد من الأئمة أبو حنيفة النعمان وكان مسانداً لزيد في ثورته وقد قال في زيد (شاهدت زيداً بن علي كما شاهدت أهله فما رأيت في زمانه أفقه منه ولا أعلم ولا أسرع جواباً ولا أبين قولاً لقد كان منقطعَ القرين).

سفيان الثوري وقد قال فيه (قام مقامَ الحسين وكان أعلمَ خلق الله بكتاب الله ما ولدت النساءُ مثله).

كما قال أيضاً: (بذل مهجته لربه قام بالحق لخالقه ولحق بالشهداء المرزوقين).

بين زيد وواصل بن عطاء

> يرى البعضُ أن الإمام زيد تتلمذ على يد واصل بن عطاء وأخذ عنه الاعتزال، إلا أن هذا الإفتراضَ كما يقول شريف الخطيب غيرُ صحيح فالإمام زيد لم يقم بالبصرة كما ذكر معظم المؤرخين، وإقامة الإمام بالبصرة لم تزد عن شهر أوْ شهرين وذلك أثناء إعداده للخروج، أي انه ذهب بعد أن جاوز الأربعين من عمره ليقوم بكل ما يتطلبه الخروج من جهد وعمل وفى مثل هذا السن والظروف لا يمكن القول بأن زيداً عليه السلام تتلمذ على يد واصل.

ثورتـُه

> لقد خرج الإمام زيد آمراً بالمعروف وناهياً عن المنكر وهناك عدة عوامل دفعته للخروج طلباً للحق والعدل. فرغم أن معظم المؤرخين يرجعون سبب خروج الإمام زيد إلى تأثره بما حدث لآل البيت من تشريد وقتل.. ولكن الاسباب الرئيسية ترجع إلى شعوره بالمظالم التي وقعت على الناس من قبل الحكام كذلك التلاعب الذي كان يحدث بالأحكام الاسلامية من تعطيل الحدود وتبديل الشرائع وإماتة السنن.. وهكذا كان خروجُه عليه السلام آمراً بالمعروف وقد أكد بنفسه ذات المعنى فقال عندما خفقت الرايات فوق رأسه (الحمدُ لله الذى أكمل لي ديني لقد كنت استحي من رسول الله صلى الله عليه وآله سلم أن أرد عليه ولم آمر بمعروف ولم أنه عن منكر).

البيعة

> بايع الإمامَ جمهورٌ كبيرٌ من أهْل الكوفة واجتمع له ثمانون ألفاً بينهم خمسة عشر ألفاً من الكوفة، وقد وجه رسالةً إلى الأمة قال فيها: »فو الذي بإذنه دَعَوْتُكم، وبأمره نصحتُ لكم، ما ألتمس أَثَرَةً على مؤمن، ولا ظلماً لِمُعَاهِد، ولوددت أني قد حميتكم مَرَاتع الهَلَكَة، وهديتكم من الضلالة، ولو كنت أوْقِدُ ناراً فأقذفُ بنفسي فيها، لا يقربني ذلك من سخط اللّه، زهداً في هذه الحياة الدنيا، ورغبة مني في نجاتكم، وخلاصكم، فإن أجبتمونا إلى دعوتنا كنتم السعداء والمَوْفُوْرين حظاً ونصيباً«.

أما من بايعه من العلماء فكان منهم أبو حنيفة النعمان، وقد بعث إليهم الفضل بن الزبير وأبا الجارود فوصلا إليه وهو مريض، فدعياه إلى نصرته، فقال: »هو واللـه صاحبُ حق، وهو أعلمُ مَنْ نعرفُ في هذا الزمان، فاقرئاه مني السلامَ وأخبراه أن مَرَضاً يمنعُني من الخروج معه«. ثم أرسل معهما بثلاثين ألفَ درهم للإمام زيد يستعينُ بها على جهاده، وقال: »لئن شفيتُ لأخرجن معه«. وقال أيضاً: »إن خروجَه ضاهى خروجَ رسول اللّه يوم بدر.

كما خرجَ الإمام محمد النفس الزكية بن عبدالله المحض بن الحسن بن الحسن مع عمه زيد بن علي عليه السلام. أما ابن أخيه الإمام جعفر الصادق فقد أراد الخروجَ معه لَمَّا خرج المرة الأخيرة من المدينة إلى الكوفة، وقال له: »أنا معك يا عم«. فقال له الإمام زيد: »أمَا علمت يا ابن أخي أن قائمَنا لقاعدنا، وأن قاعدَنا لقائمنا، فإذا خرجتُ أنا وأنت فمَن يخلفنا في حُرَمنا؟«. فتخلف جعفر بأمر عمه زيد، ودفع بولدَيه عبداللّه ومحمد معه. وقال: »مَن قُتِل مع عمي زيد كمَنْ قتل مع الحُسين، ومن قتل مع الحُسين كمن قتل مع علي بن أبي طالب، ومن قتل مع علي كمن قتل مع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم«.

المعركة والاستشهاد

> لقد كانت المعركةُ بين زيد والأمويين غير متكافئة على الاطلاق فكان قوامُ جيش زيد 500 بينما وصل جيشُ الأمويين إلى إثني عشر ألفاً، ولكن شجاعةَ الامام هي التى جعلت المعركة تستمرُّ أياماً ولولا أن أهْل الكوفة تخلوا عنه بعد أن سمعوا بطلب الخليفة الأموي هشام للمُبايعين له، فخافوا وتخلفوا عن البيعة.

أما قصة ُخروجه عليه السلام في الأول من صفر عام 122 والتي انتهت باستشهاده فهي كما تذكر كتب التـَأريخ:

عندما بلغ يوسف بن عمر الثقفي أن زيداً عليه السلام قد هَمَّ بالخروج بعث إلى الحَكم بن الصلت وأمره أن يجمَعَ الناسَ بالمسجد الاعظم بالكوفة فيحصرهم فيه ولكن الإمامَ زيداً توجه مع أنصاره لرفع الحصار عن أهل المسجد وطمأنة أهل الكوفة، وفي طريقه إلى المسجد وقعت بينه وبين جُند الأمويين مواجهة عنيفة كان النصرُ فيها حليفه، ولما وصل إلى جوار المسجد نادى أصحابه بشعاره (يا منصور أمت) وأدخلوا الرايات من نوافذ المسجد، وكان نصر بن خزيمة رحمه اللّه ينادي: »يا أهل الكوفة أخرجوا من الذل إلى العز ومن الضلال إلى الهدى اخرجوا إلى خير الدنيا والآخرة فإنكم لستم على واحد منها«، ولكنهم حنوا إلى طبعهم القديم (الغدر والخيانة)، واعتذروا بالحصار الموهوم.

وانتشر أصحابُ الإمام زيد في الكوفة وأمرهم الإمام زيد أن ينادوا: من ألقى سلاحه فهو آمن. وأخذ يطاردُ بقايا جُند الأمويين في محاولة لتطهير الكوفة منهم، وفجأة ظهر جُنود الأمويين القادمون من الحِيْرة، فاشتبك أصحاب الإمام معهم واستبسلوا وقاتلوا قتالا شديداً حتى ردوهم على أعقابهم، ثم جمع الإمامُ زيدٌ أصحابَه ونادى فيهم: »انصروني على أهل الشام فواللـه لا ينصرني رجل عليهم إلا أخذت بيده حتى ادخله الجنة«، ثم قال: واللـه لو علمتُ عملاً هو أرضى لله من قتال أهل الشام لفعلته، وقد كنت نهيتكم ألا تتبعوا مدبراً ولا تجهزوا على جريح ولا تفتحوا باباً مُغلقاً، وإني سمعتهم يسبون علي بن أبي طالب فاقتلوهم من كل وجه«.

واستمرت المواجهةُ بين المعسكرين، وكان جنودُ الأمويين يتزايدون، بينما كان جُندُ الإمام زيد ينقصون، والتفت الإمامُ زيدٌ إلى نصر بن خزيمة، وقال له: يا نصر أخاف أهل الكوفة أن يكونوا قد فعلوها حُسينية!. فقال نصر: جعلني اللّه فداك أما أنا فواللـه لأضربن بسيفي بين يديك حتى أموت!!.

إستبسل الإمامُ زيدٌ وأصحابُه وقاتلوا قتالَ المستميت فلم يجرؤ أحدٌ على مواجهتهم أو مُبارزتهم، وحين شعر الأمويون أنه لا قدرةَ لهم على المواجهة تحصنوا خلفَ الكثب والجدران، وأخذوا يمطرون الإمامَ زيداً وأصحابَه بوابل من السهام.

وأثناء ذلك سُمِع ـ في مقدمة الجيش ـ صوتُ الإمام زيد يرتفعُ قائلاً: الشهادة.. الشهادة.. الحمدلله الذي رزقنيها!.. فهرعوا إلى مكان الصوت، فإذا بالإمام العظيم مُضَرَّجاً بدمه، قد أصيب بسهم في جبهته، ولما أحس بلذع السهم القاسي ارتفع صوته بتلك الكلمات الخالدة، فقام أصحابُه بنزع السهم ولكن ما لبث أن توفى بعد أن أوصى ابنه يحيى ثم أخذه نفرٌ من أصحابه ودفنوه في ساقية ماء حتى لا تعثر عليه الجيوشُ الأموية ولكن سَرعانَ ما خرج المنادي يُعلنُ عن جائزة لمن يدل على مكان قبره عليه السلام ونبش القبر وتم إخراج الجسد فَحُمل الجُثمان على جمل وألقي به أمام قصر الإمارة، وهنالك فُصِل الرأس الشريف عن الجسد. وصُلب الجسد في كُنَاسة الكوفة عارياً، فجاءت العنكبوتُ تنسُجُ الخيوط على عورته لتسترها، وكانوا كلما أزاحوا تلك الخيوط جاءت لتنسجَ غيرَها. وظل الجسدُ مصلوباً إلى زمن الوليد بن يزيد أي أنه بقي حوالى أربع سنوات؛ لأن يزيد تولى عام 125هـ ولكن بعضَ الروايات تؤكد أن الجسد أحرق في عهد هشام بن عبد الملك وأن الذي ولى احراقه هو خراش بن حوشب، وذرّ رمادَه في الفرات، وقد قال يوسف بن عمر الثقفي كافاه الله مقولته الشمهورة: والله يا أهلَ الكوفة لأدعنكم تأكلونه في طعامكم وتشربونه في مائكم!!.

فأما الرأسُ فبعث به يوسف بن عمر الثقفي إلى الشام، وبعد أن وضع بين يدي هشام أمر أن يُطافَ به في البلدان، ومر الرأسُ ببلدان كثيرة حتى وصل إلى المدينة المنورة، وأمام قبر رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم، وفي نُصب الرأس الشريف، وطُلب أهل المدينة للحضور إلى المسجد وإعلان البراءة من علي بن أبي طالب وزيد بن علي، ولكن وفداً من حجيج مصر سرقوا الرأسَ الشريف واخذوه إلى مصر وهو موجودٌ بها حالياً كما سبق وذكرنا.

زيدٌ والزيدية

> ظهر مصطلحُ الزيدية بعد قدوم زيد عليه السلام إلى الكوفة وبيعة الناس له فكان اسماً لمن بايع زيداً وقاتلوا معه ودانوا بإمامته وظل بعد ذلك اسماً لمن جاء بعده وانتسب إلى فكره ومدرسته.

فهذا الإمامُ الثائرُ الذي لا تقل ثورته عن ثورة جده الحسين عليه السلام، مؤسس واحدة من أهم المدراس الفقهية الفكرية في العالم الاسلامي وإن كانت لم تعط حقها في الانتشار. فتعاليمُ الإمام زيد لم تغفل العقلَ ولم تغلق بابَ الاجتهاد.

كما أن الفكرَ الزيديَ يرفضُ التكفيرَ ورأي الإمام زيد في سيدنا أبي بكر وعمر رضى الله عنهما واضح وصريح فلم يتبرأ منهما وقال فيهما: إنا كنا أحق الناس بالأمر ولكن القوم دفعونا عنه ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفراً فقد ولوا وعدلوا وعملوا بالكتاب والسنة.

وللزيدية آراءٌ عقائدية في التوحيد والعدل والمنزلة بين المنزلتين والوعد والوعيد، وآراؤهم في الأمر بالمعروف هي الأهم نظراً لأنه يعد أكثر المبادئ فاعليةً في عالم اليوم، فبينما ترى معظم المذاهب الاسلامية انه لا يجوز مطلقاً الخروجُ على ولي الامر ولو كان سُلطاناً جائراً، وعند أن ترى مدراسُ فقهية أخرى إسقاطَ فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، جاء الإمام زيد ليؤكد أصالة هذا المبدأ الاسلامي والذي ضحى الإمامُ زيد بحياته من أجله.

فالأمرُ بالمعروف من الأصول المعتمدة عند الزيدية، فهم يرَون أن الأمرَ بالمعروف هو واجبٌ على كل مكلف متى قدر على ذلك ويستدلون على ذلك بآيات وأحاديث منها قوله تعالى (ولتكن منكم أمةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر) ومن الأحاديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أوْ ليسلطن اللهُ عليكم شرارَكم فيسمونكم سوء العذاب ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم حتى إذا بلغ الكتابُ أجله كان اللهُ المستنصر لنفسه فيقول ما منعكم اذ رأيتموني أعصى ألا تغضبوا لي).

ويتم ذلك على مراحل هي الكلامُ الليّن ثم الخشن ثم الضرب بالعود أو سوط دون الجرح ثم الجرح أو قطع عضو.

أما الأمرُ بالمعروف فلا يجوزُ فيه القتلُ إلا بموافقة الإمام ونفس هذه المراتب تتحققُ في حالة الخروج على السلطان الجائر فسل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجبٌ وإن كان السلطان هاشمياً بشرط عدم التمكن من دفع المنكر إلا بذلك.

الولاية

> نظرية الحكم عند الشيعة الزيدية، لم يقصروا الولاية في آل البيت عليهم السلام بل قالوا بـ(جواز ولاية المفضول مع وجود الأفضل)، وأكدوا مبدأ الشورى.


التوقيع
تم الغاء عرض الصورة التي استخدمتها في التوقيع كون المستضيف لها يحتوي على برمجيات ضارة، يرجى رفعها على موقع آمن .. رابط صورتك القديمة::
http://www.nabulsi.com/text/02akida/4ot ... age023.gif


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
رد مع اقتباس  
 عنوان المشاركة:
مشاركةمرسل: الأحد فبراير 10, 2008 5:57 pm 
معلومات العضو
مشترك في مجالس آل محمد
إحصائيات العضو

اشترك في: الجمعة يونيو 24, 2005 5:42 pm
مشاركات: 1606
مكان: صنعاء حده
غير متصل
صورة
الإمامُ زيدٌ بنُ علي قتلٌ وصلبٌ وإحراقٌ وتغريق رأسُ الإمام يُطافُ به في مدينة النبي



وبعد ذلك أمر هشام بالرأس فحُمل في موكب مهيب لبس أفراده أجمل ثياب الزينة وحملوا الطبول.. وأمرهم بالتوجه إلى المدينة.

وعلت أصوات الطبول وامتلأت الأجواء ضجيجاً وخرج أهل المدينة يتلمسون الخبر.. وعلى بُعد ظهر موكب عظيم عليه ملامح الزينة والسرور.. تلمع ثيابهم الفضفاضة وعمائمهم المذهبة.

كان الجميع يتساءلون هل هو عرس أم ماذا؟! ولكن لم يجب أحد على هذا السؤال.

وما إن اقترب الموكب حتى انفجر طفل صغير في السابعة من عمره في أوساط الجموع المحتشدة بالبكاء.. وجعل ينادي ويجري باحثاً عن أمه :

- أماه.. أماه.. إنه رأس أبي..

وعلم جميع أهل المدينة أن صاحب ذلك الرأس هو الإمام زيد بن علي (ع) فضج أهل المدينة بالبكاء.. وارتفعت الأصوات في ديار بني هاشم بالعويل والنحيب.. ولم تبق عين إلا بكت.. وكان والي المدينة الجديد إبراهيم بن هشام المخزومي يريد أن يعبر لهشام عن شدة وفائه وولائه فاستقبل الوافدين وأخذ منهم الرؤوس وأمر جنوده أن ينصبوها إلى جوار قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. فدخل عليه بعض وجهاء أهل المدينة يرجونه أن لا يفجع أطفال ونساء آل البيت النبوي بمثل هذا المنظر.. فأبى وأغلظ لهم في المقال وتوعدهم.

ثم أمر مناديه أن ينادي في أهل المدينة برئت الذمة من رجل بلغ الحلم ولم يحضر إلى المسجد.

وجعل يجتمعُ الناسُ لمدة سبعة أيام يستمعون إلى الخطباء والشعار وهم يبارون في سب آل البيت عليهم السلام.

وفي أحد الأيام قام رجل يدعى محمد بن صفوان الجمحي يريد التكلم.. فلم يأذن له إبراهيم بن هشام في الكلام وصاح في وجهه :

- أقعد يا هذا..

فبقي ساعة جالساً في مكانه، ثم قام مرة أخرى من غير أن يدعى لذلك.

فقال له إبراهيم بن هشام :

- أقعد يا هذا.

محمد بن صفوان : إن هذا مقام لا يُقدر عليه كل ساعة.

ثم التفت محمد بن صفوان إلى الناس وأخذ في الخطبة.. فذكر علياً عليه السلام وبالغ في سبه.. ثم تناول الحسين عليه السلام وزيد بن علي وأهل البيت وكل من كان يحبهم أو يواليهم.. ولما بالغ في السب توقف فجأة ووضع يده على رأسه وخر صريعاً.

وفي فزع صاح رجل كان يجلس مقابل قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فالتفت إليه عيسى بن سوادة وتلقاه بين يديه.. فإذا هو يرتعش لشدة الخوف..

فقال له عيسى : ما الأمر يا هذا؟!.

الرجل: والله لقد رأيت القبر ينشق ويخرج منه رجل عليه ثياب بيضاء فاستقبل المنبر وقال: كذبت لعنك الله.

وانفض مجلس ذلك اليوم فجعل عيسى بن سوادة يتتبع أخبار محمد بن صفوان.. فأخبر أنه أصيب بصداع في رأسه في تلك الساعة.. ولم تمض عليه تلك الليلة حتى فقد بصره.

كانت النساء في خدورهن والرجال في محاريبهم ينتحبون ويبكون.. والضجيج والنحيب يعلو بيوت بني هاشم.. وهيَّج هذا المشهد أشجان القلوب.. فخيم الحزن عليها وأعاد إلى الأذهان ذكرى كربلاء.

لكن الكبت والاضطهاد كان هو المشهد الطبيعي..

فالناس قد صاروا أشبه بحجارة صماء لا تنطق ولا تجرؤ أن تعبر عما يدور في أعماقها.. فالسجن والتعذيب والقتل أصبح شبحاً يطارد الأحرار ويلجم الألسن.

ولما بالغ إبراهيم بن هشام في التشنيع على زيد بن علي.. وجعل يطوف برأسه بين شوارع المدينة أفصح الأحرار عن بعض مشاعرهم..

فهذا كثير بن كثير بن المطلب السهمي ينظر إلى رأس الإمام مرفوعاً على الرمح فيقول : نضّر الله وجهك.. وقتل الله قوماً قتلوك..

فأسرع الوشاة بهذا الخبر إلى إبراهيم بن هشام المخزومي فدعا كثير بن كثير.. وقال له هشام:

- أومثلك يجرؤ على هذا القول؟.. خذوا هذا السفيه وارموه في السجن.

وما كانت مثل هذه الكلمات والمواقف تجعل كثيراً يتراجع عن موقفه فما كاد يستقر في سجن هشام حتى كتب إليه شعراً يقول فيه :

إن امرءاً كانت مساويه

حب النبي لغير ذي ذنب

كذا بني حسن فوالدهم

من طاب في الأرحام والصلب

ويرون ذنباً إن أحبّهم

بل حبهم كفارة الذنب

فكتب إبراهيم بن هشام المخزومي إلى هشام بن عبدالملك في الشام يبلغه موقفَ كثير.. فكتب إليه أن أقِمْه على منبر المدينة واجعله يلعنُ علياً وزيداً.. فإن لم يفعل فاضربه مائة سوط على ظهره.

فأخرج كثير من سجنه.. وجُمع الناس.. ووقف كثير على المنبر.. والأمير وجنوده من حوله يهددونه ويتوعدونه إن لم يسب علياً وزيداً عليهما السلام.. فانتصب قائماً وأنشا يقول :

لعن اللهُ من يسبُّ علياً

وبنيه من سوقة وإمام

تأمن الطيرُ والحمامُ ولا يأ

من آلُ النبي عند المقام


التوقيع
تم الغاء عرض الصورة التي استخدمتها في التوقيع كون المستضيف لها يحتوي على برمجيات ضارة، يرجى رفعها على موقع آمن .. رابط صورتك القديمة::
http://www.nabulsi.com/text/02akida/4ot ... age023.gif


أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
رد مع اقتباس  
 عنوان المشاركة:
مشاركةمرسل: الأربعاء فبراير 13, 2008 12:59 pm 
معلومات العضو
مشرف الجناح التاريخي
إحصائيات العضو

اشترك في: الأحد مايو 30, 2004 3:03 am
مشاركات: 679
غير متصل
أحسن الله إليكم أخي مواطن صالح .

إذا كان هناك المزيد فلا تبخلوا .

التوقيع
مدحي لكم يا آل طه مذهبي .... وبه أفوز لدى الإله وأفلح

وأود من حبي لكم لو أن لي .... في كل جارحة لسانا يمدح


الحسن بن علي بن جابر الهبل رحمة الله عليه



أعلى
 يشاهد الملف الشخصي  
رد مع اقتباس  
عرض مشاركات سابقة منذ:  مرتبة بواسطة  
إرسال موضوع جديد الرد على الموضوع  [ 8 مشاركة ] 

جميع الأوقات تستخدم GMT + 3 ساعات
اليوم هو الاثنين مايو 25, 2020 1:40 pm


الموجودون الآن

المستخدمون المتصفحون لهذا المنتدى: لا يوجد أعضاء مسجلين متصلين و 1 زائر


لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة في هذا المنتدى
لا تستطيع كتابة ردود في هذا المنتدى
لا تستطيع تعديل مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع حذف مشاركاتك في هذا المنتدى
لا تستطيع إرفاق ملف في هذا المنتدى

البحث عن:
الانتقال الى:  
Powered by phpBB © 2000, 2002, 2005, 2007 phpBB Group
ترجم بواسطة phpBBArabia | Design tansformation:bbcolors
  تصميم الستايل علاء الفاتك   http://www.moonsat.net/vb  
jurisdictionbeautifulbakednylongamersparanoidstratfordwinery