(1/258)

والثاني: معنا الحكم من الرحمن، وفي ذلك ما يكون من واضح الفرقان وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض إلى قوله: كان ذلك في الكتاب مسطور ا، فقال: في كتاب، وإنما أراد في حكم الله، وذلك في قوله في الطور وكتاب مسطور، يقول: في الحكم مثقتا مفروضا، ومن ذلك قوله: وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس، وقال: كتبنا عليهم فيها يريد وحكمنا عليهم فيها فذكر أنه حكم على بني إسرائيل بما ذكر من النفس بالنفس، ومعنا قوله فيها في التوراة التي أنزلها على موسى صلى الله عليه، وما أشبه ذلك في القرآن مما أراد به الحكم على الإنسان.

والمعنى الثالث: فهو إسم الكتاب المنزل نفسه مثل قوله: ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، فأراد بذلك هذا الكتاب الكريم الذي يحصى في الصحف والدفاتر وتعينه وتطمئن عليه الصدور والظمائر، ومثل ذلك قوله: وما أقسم به من كتابه وتنزيله حين يقول والطور وكتاب مسطور وما كان في الكتاب مثل هذا وغيره مما أراد به تفسير تنزيله ووحيه فعلى هذا الثلاثة معان تخرج معنا الكتاب، ولن يوجد معنا رابع بسبب من الأسباب.

وسئل الهادي إلى الحق صلوات الله عليه: عن قول الله سبحانه: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم، فقال: إن الإستقراض لا يكون إلا عن حاجة من المستقرض خارج على معنين فأحدهما يكون للإنسان ولا يكون للرحمن والأخر يجوز للإنسان، وللرحمن ويجوز بذلك القول في الإنسان.

(1/259)

فأما الوجه الذي يكون للإنسان، ولا يجوز في الرحمن فهو اسقراض المحتاج لما يحتاج إليه مما يقيمه ويحييه من قوته المضطر إليه وهذا فلا يجوز القول به في الرحمن. وأما الوجه الذي يجوز أن يقال به في الرحمن، وفي الإنسان فهو ما يكون من طاعة المطيع لمن يطيعه وذلك موجود في اللغة والكلام عند أهل الفصاحة والعلم والتمام وذلك موجود في اللغة والكلام عند أهل الفصاحة والعلم والتمام، وذلك موجود في اللغة والكلام عند أهل الفصاحة والعلم والتمام، وذلك قول العرب لمن اصطنع خيرا أو أسد إلى صاحبه يدا إن لك عند فلان لقرضا حسنا يجزيك به وذلك إن كان سوا فداله إن لك عنده تعرض لله فمن أقرض الله قرضا، وقدم إليه عملا حسنا أعطاه على ذلك من الله فضلا وثوابا وخلودا في جنته.

(1/260)

وسئل: عن قول الله تبارك وتعالى: أو لم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما، فقال: كيف كانتا مرتوقتين وما الرتق وكيف فتقا وما الفتق قيل له إن الله تبارك وتعالى الخالق لكل شيء والمصور له والمدبر خلق الماء والهواء والنار والرياح فابتدع هذه الأشياء الأربعة ابتداعا وانتزع تكوين تصويرها انتزاعا من غير ما أصل كان موجودا مع الواحد الرحمن بل هو الواحد الأحد الموجد لكل جميع ما يوجد فخلق تبارك وتعالى هذه الأشياء طبايعا مختلفة متضادة غير مؤتلفه فجعلها أصولا لكل ما خلق وبرأ، وهذا المعنا الذي به تكلمنا ذكر ذلك عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه لنا، قال: فلما أن خلق الله تبارك وتعالى الماء والرياح أوحى إلى الرياح بأن تصفق وتهيج عوارب الما وأمواجه فهيجت أمواجه وزعزعت ساكنة فارتعدت عواريه فتراكم زبده وعظم أمره ثم أوحى إلى النار فأحرقت ذلك الزبد، فثار منه دخان فصعد الهواء وبقا حراقة الزبد فخلق الله السموات من ذلك الدخان كما قال سبحانه: ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض أتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طآئعين.

فقد يمكن أن يكون معنا قوله: ففتقناهما هو ميزناهما من أصل واحد، فخلقناهما فجعلنا السماء من دخان ذلك الشيء والأرض من جناته فهذا عندي أحسن ما أرى فيه من القول والله سبحانه أعلم، وبذلك جل جلاله أحكم ولا أتوهم أنه يصح في قول خلاف هذا يثبت علي المطالبة ويمكن في المناظرة ويمتنع على من رام إفساده من الفساد ويبين رشده إن شاء الله لمن أراد الرشاد.

(1/261)

وسئل: عن قول الله سبحانه في ما يحكى عن موسى عليه السلام، إذ قال لقومه إستعينوا بالله واصبروا أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين، قال: كيف يستعان بالله، وما يقول المستعين، قيل له: الإستعانة بالله هي العمل لا المقال من كل مستعين من النساء والرجال والاستعانة بالله هي العمل بطاعة الله والأمر بأمره والنهي عن نهيه والوقوف عن معاصيه فمن عمل ذلك من الناس فقد استعان بالله الواحد الرحمن، وفي ذلك ما يقول الله سبحانه إن الله مع الذين أتقوا والذين هم محسنون، ومن كان الله معه فقد قهر أمره وقوى ومن لم يكن الله معه فقد عجز في أموره وغوى، والله سبحانه فلا يكون إلاَّ مع من ذكر من المتقين المحسنين، وإذا لم يكن إلاّ مع المتقين فهو لاشك خاذل للفاسقين.

ومن خذله الله فقد هلك، وهو ومن وفقه الله وأعانه قهر أمره ألاترا تدل آخر الآية التي سألت عن تفسير أولها على جميع ما عليه سألت منها حين يقول، والعاقبة للمتقين، فأخبرهم سبحانه أن استعانتهم به لا تنجح للمتقين، وفي هذا دليل لمن عقل وفهم واستضاء بنور كتاب الله فعمل على ما قلنا به من تفسير الآية وشرحنا.

قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه، إن قال: أحد من أهل الضلال وأهل الزيغ في المقال من الملحدين الفسقة الجهال فقال: خبرونا عن قول الله تبارك وتعالى: ضرب الله مثلا إلى قول الله: إن الله لقوي عزيز فذكر مثلا لم يأتنا به قيل للكافر الملحد: إن المثل لم يضرب فيأتي به، وإنما خبر عن جهل من ضربه وهم الذين ضربوا لله الأمثال وجعلوا لله أندادا وعبدوا من دونه الأصنام التي جعلت لله مثلا وعبدت مع الله، فقال سبحانه: إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولوا اجتمعوا له، ثم قال: ضعف الطالب والمطلوب.

(1/262)

يريد تبارك وتعالى ضعف وجهل وسخف فلم يعقل من طلب من غير الله طلبة وأشرك مع الله غيره في العبادة، وقوله ضعف الطالب والمطلوب فمعناه ضعف المطلوب إليه المرغوب إيه والمعبود دون الله عن أن يعطي سائله وأن يجازئ عابده أو يقضي له حاجته لعجزه عن ذلك، وقتله أن يكون كذلك.

وإن سأل: فقال: خبرونا عن قول الله سبحانه: ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا، فقال: ما معنا قوله: ترون ونحن لم نر قيل له: إن القرآن عربي وإنما خاطب الله العرب بلغاتها، وهذا عند العرب أحسن لغاتها وأتم قالاتها تقيم ترا مقام أخبرك ومقام إعلم يقول العربي لصاحبه إذا أراد أن يعلمه شيئا.

أما رأيت إلى فلان عمل كذا وكذا، فإن قال: كيف يكون القمر والشمس في السموات وإنما هو دون الأولى منهن، وقد ترون إلى تميز كل سماء وتميز التي فوقها مثل ما بين الأرض وسماء الدنيا فكيف يكون فيهم أو ينالهن كلهن وأنتم لو سترتم دونه ثوبا لم تروه، ولو دخلتم بيننا لم تعاينوه.

قيل له: هذا أحسن ما تكلم به العرب مثل ذلك وأصحه وأبينه وأوجزه، ألا ترا أن العرب تقول للجماعة إذا كان فيها عالم أو لأهل البيت الكبير في بني فلانعلم وخير وعدد بني فلان كثير، ولذلك تقول العرب بالعراق فسق كثير وبالحجاز جور شديد، وليس الفجور في جميع كله سهله ولا جبله ولعل ذلك إنما هو جانب من قرائها أو في قرية واحدة منه فنسب ذلك إذا كانت القرية فيه فعلى ذلك نسب الله القمر إلى السموات، وإن كانت واحدة لأنها منها، وفي ذلك ما تقول العرب إن في بني فلان لجمالا بارعا وليس في كلهم جمال، وإنما هي في بعضهم.

(1/263)

وإن سأل: عن قول الله ذي الجلال: لا جناح عليكم إن طلقتم النساء مالم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة، فقال: معنا قوله لا جناح على من طلق قبل أ، يمس وقد تعلمون ويعلم أيضاً أنه لم يجعل جناحاً على من طلق بعد المس قيل له إن للآية مخرجاً بينا عند من عقل سواء ما ذهبت إليه وتقحمت بسوء نظرك فيه وإنما المعنى في ذلك أنه تبارك وتعالى يقول لا جناح عليكم لا إثم ولا حرج في الطلاق وإنما أراد بالجناح هاهنا المهر ومطالبة المرأة له بما تطالب به المطلقة المفروض لها التي لم يسمها، ولم يدخل عليها زوجها فأخبر تبارك وتعالى إذا طلقها ولم يكن فرض لها صداقا ولا سما لها مهراً أنه لا سبيل لها عليه في مطالبة بمهر لأنه لم يفرض لها شيئا تطالبه بنصفه كما تطالب التي قد فرض لها ثم طلقها من قبل أن يمسها ما سمى لها فهذا هو معنا الجناح هاهنا.

وإن سأل: عن قول الله سبحانه: ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا، فقال:ما هذا الخلف وما هذا الذي بين اليدي وما هذا الذي بين ذلك قيل له: أما قوله له ما بين أيدينا فهو أمامنا، وقد أمنا من يوم الحشر والحساب وما ذكر الله من الثواب والعقاب، وأما قوله: وما خلفنا فهو ما تركناه وراء ظهورنا وما يحدث من بعد مماتنا من أحداث الدنيا، وأما حق قوله وما بين ذلك فمعناه سوا ذلك مما كان قبل خلقهم وخلق أبائهم وما كان في وقت حياتهم وما يكون من بعد مقرهم من دار بؤس أو دار سرور ونعمة النفوس.

وإن سأل: عن قول الله: يرزق من يشاء بغير حساب، فقال: أليس قد يحاسبهم في الآخرة، ويسألهم عما أنفقوا من أموالهم فيه، فما معنا قوله: بغير حساب، وهو فقد يحاسبهم ويسألهم عما يؤتيهم، قيل له: إن المحاسبة فيه لهم ليست تكون على إنفاق ونفس تلك الأموال التي رزقهم وإنما يحاسبهم على ما اكتسبوا وفعلوا وما كنزوه بها وبأسبابها لا عليها هي أنفسها.

(1/264)

ألا ترا أنه إنما يحاسب من صرف رزق الله في الحرام دون الحلال لا من صرف رزقه في الحلال دون الحرام، ولو كانت المحاسبة منه تقع على الأموال أنفسها لكان الحساب يقع على المنفق لها في الطاعة والمنفق لها في المعصية، فمن صرف رزق الله في ما رزقه إياه كان له غير محاسب له عليه.

ألا تسمع كيف يقول الله سبحانه لنبيه سليمان عليه السلام: هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب، يقول: غير مسؤل ولا محاسب، وقد يخرج معنا قوله: بغير حساب على معنا آخر رزقمن يرزق من عباده ليس على من شيء عنده مجموع معد لذلك مصنوع يخرج منه أجزا محسوبة من أجز أو تبقا منه أجزا فأصله عن أجر فأخبر أن رزقه من سعة لا تحصى وأنه إذا شاء أن يعطي عباده أعطا ولو كان يرزق من شيء مجموع لكانت أرزاقه تنقص إذا أصلها الذي يخرجها منه تنقص بخروجها عنه، فتبارك الله رب العالمين وتقدس أكرم الأكرمين.

وسألت: عن قول الله تبارك وتعالى لهارون وموسى عليهما السلام: إذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى، فقال: ما معنا قوله لعله و(لعله) لا يقع إلا شاك لا يحيط بما يريد علمه، قلنا له: جهلك باللغة دلاك في بحور الجهالة، ألا ترى أن العرب يقول قائلها لغلامه خذ هذه الدنانير عساك أن تشتري بها طعاما لنا ويقول خذ هذا الطعام عساك أن تأكله وهو يعلم إذا ذهب بالدنانير أن يشتري بها طعاما أنه سيشتريه وإنه إذا أخذ الطعام أنه سيأكله، فقال: لعل وهو يعلم أنه سيفعل فعلى ذلك يخرج معنا قول الله لعله في لغة العرب.

(1/265)

وإن سأل: عن قول الله سبحانه: أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون، فقال: كيف يسبق الشيء من فعله، قيل له: المعنا في ذلك أنه أرادوهم بها إلى الله سابقون، وذلك قوله سبحانه: والسابقون السابقون أولئك المقربون، وحروف الصفات يعاقب بعضها بعضا فقامت (اللام) مقام (الباء)، ومثل ذلك في كتاب الله كثير غير قليل، من ذلك قول الله تبارك وتعالى: ولأصلبنكم في جذوع النخل، وفي ذلك ما يقول القائل:

لقد نلت أمرا لم تكن لتناله... ولكن لفضل الله ما نلت ذلكا

... فقال لفضل الله وإنما أراد بفضل الله فقامت (اللام) مقام (الباء).

وإن سأل: عن قول الله تبارك وتعالى: كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما، فقال: كيف يعذب الله جلودا لم تعصه كلما نضج منها جلد غيره، قلنا: إن الله عدل لا يجور لا يعذب إلا من عصاه ولم يكن ليعذب جلودا لم تعصه لذنب من قد عصاه وأنى يكون ذلك وهو يقول: ولا تزر وازرة وزر أخرى، وإنما الجلود التي يبدل الله هي الجلود التي عصب، وفي النار أولا أحرقت.

وإنما معنا بدلناهم جلودا غيرها أي رددنا خلقها وأجساما بعد مماتها وصورناها جلودا بعد احتراقها وهي هي بعينها تحرق وترد وتحرق وتردكما كانت أولا عند مماتها ودخلوها في أجداثها فمزقت وبليت واضمحلت وفنيت ثم ردت فعذبت وخلقت خلقا جديدا بعد امتحاقها، وإنما معنا قوله سبحانه: يريد غير الصفة التي كانت عليها، وهي هي على حالها، فتبدل وتنقل وتغير وهي في أنفسها ومثلها في ذلك كمثل رطل من فضة صيغت كوبا ثم كسرت حليا ثم كسرت فصنعت بعلا ثم كسرت فرجعت عقود ا، فالفضة هي الفضة بعينها وأنت تبدلها في الصور والحالات وتنقلها إلى ما تريد من الصناعات فهي كوز تارة وهي حلي تارة فعلى هذا يخرج معنا ما ذكر الله من تبديل جلود العباد، فتبارك الواحد ذو الأياد.

(1/266)

وإن سأل عن قول الله سبحانه: فتبارك الله أحسن الخالقين، قيل له: لا خالق إلا الله تبارك وتعالى ولا موجود غيره والعرب قد تسمي العامل خالقا من ذلك ما يقول الشاعر:

حروب دهت منا الجميع وفرقت... كما فرقت صدر الأديم خوالقه

وقال أيضا:

ولأنت تفري ما خلقت وبعض... الناس يخلق ثم لا يفري

والشاهد من ذلك كتاب الله سبحانه قوله: ويخلقون إفكا، وإن سأل عن قول الله سبحانه: ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعا ونداء، فكيف يشبه الذين كفروا بالناعق، ثم قال: بما لا يسمع والناعق سميع بصير فإن كان مثلهم بالبهائم فكان محاز الكلام، وإن يقول كمثل الذي ينعق به، قيل له: يا جاهل ذا إرتيابْ ويا حائر عن الصواب إن الله تبارك وتعالى شبه الذين كفروا بالبهائم التي تنعق بقله أسماعهم وقبولهم وقلة معرفتهم بما جاءهم من ربهم فشبههم في قلة استماعهم بالبهائم التي لا تمييز لها.

فأما قوله: مثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع، فهو مثل ضربه الله لهم فمثلهم بغنم راع فطلب وتتابعت فذهبت ما راعها صاحبها فلم يجدها فعلا شرقا في الأرض لها، وأقبل ينعق بها ويناجيها وهي لا تسمعه وهو في دعاء وندا وهي سائمه ترعا ولا تحيب له صوتا، ولا تألوه فوقا كذلك الذين كفروا حالهم في ترك الإجابة إلى الحق كحال هذه الغنم المستجمعة من الخلق.

(1/267)

وسئل صلوات الله عليه عن قول الله سبحانه لهم: فيها زفير وهم فيها لا يسمعون، فقال: أولئك المتجبرون على الله الفراعنة والطواغيت والكفرة العفاريت الذين أضلوا عباد الله وأخذوهم خولا واستمالوهم إلى عبادتهم بزخرف الدنيا، والعبادة هاهنا هي الطاعة فأخبر الله أنه من مات من أولئك أنهم خالدون في جهنم لهم فيه زفير والزفير فهو التأوه والوجع والكرب في التألم للعذاب، وقوله: وهم فيها لا يسمعون فإنما هؤلا لا يسمعون صوت بشارة كما يبشر المؤمنون ولا صوت لهم فيه سرور ولا فرج ولا خير، فأما سمعهم في جهنم فحديد وبلاؤهم في كل يوم فجديد.

وسئل: عن قول الله عز ذكره وجلت أسماؤه إذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها، فقلت: ما الطيبات في هذه الدنيا هو ما ننعم به الناس ويلبسونه من صالحيهم وطاليحهم وإن لبس الثياب السريه وأكل الطعام الفايق وركب الخيول حلالا كان أو حراما فقد أذهب طيبات الآخرة بما أطلق لنفسه من استعمال طيبات الدنيا، فأما الكافر وأشباهه فقد استغنينا عن اللبس عنه، وعن أمره بما قد عندنا من حاله كثرت دنياه أو قلت، فمصيره إلى النار.

وأما المؤمنون به والعامل بطاعة خالقه المجتذي بأمره فما أمره به ربه فكيف يكون تلك حاله، وإنما جعل الله الطيبات للمؤمنين خاصة دون الفاسقين، فقال في كتابه عزوجل لأنبيائه عليهم السلام: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا، وقال في كتابه: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة، ومعناها ويوم القيامة.

(1/268)

وقال في كتابه: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح إلى آخر الآية، فلم يجعل الله عزوجل على المؤمنين حرجا في شيء مما رزقهم إذ أخذوا على ما جعل لهم وأمرهم به فساوى فيه بطاعة الله ولم يتعدوا إلى شيء مما يسخط الله لأن الله عزوجل أيها السائل لم يجعل ما في هذه الدنيا من خيرها ومراكبها التي خلقها لشرار أهلها ولا لمن عند عن طاعة خالقها، وإنما جعلها للصالحين، ولعباده المتقين يأمرون فيها بأمره وينهون عن نهيه مقيمون أحكامه فيها منفذون لأمره عليها وللطاعة والمطيعين خلقها رب العالمين، ثم أمرهم ونهاهم وبصرهم عنها وهداهم وجعل لهم الإستطاعة إلى طاعة مولاهم ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينه وإن الله لسميع عليم.

وإنما معنى الآية وقول الله سبحانه أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا فتبكيتا منه سبحانه لأهل النار وتوقيفا على تفريطهم في طاعة ربهم، ومعنا: أذهبتم طيباتكم أي تركتم ومحقتم وعطلتم ما جعل الله لكم بالطاعة من النعيم المقيم والخلد مع المتقين في الثواب الكريم بإرتكابكم المعاصي وترككم الطاعة حتى خرجتم مما جعل الله للمطيعين وصرتم إلى حكم الفسقة الكافرين، في عذاب مهين، فهذا معنا أذ هبتم طيباتكم.

بسم الله الرحمن الرحيم

(1/269)

سئل الهادي إلى الحق صلوات الله عليه عن قول الله سبحانه: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كتنم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون، فقال صلوات الله عليه: الطيبات التي أذهبوها في حياتهم فهي طيبات الجنان التي جعلها الله لأهل الطاعة والإيمان بما ذكر أنه أعد لأهل التقوى والإحسان من أزواج الفواكه والرمان وغير ذلك من النخيل واللحمان وكل ما تشتهيه الأنفس من اللباس والنسوان وإذهابهم إياها فهو بعصيانهم لربهم وجرأتهم على خالقهم لأن الله عزوجل إنما حكم بالطيبات لمن أطاعه وحرمها على من عصاه، فمن أطاعه فقد استوجبها بطاعته ومن عصاه فقد أذهبها بمعصيته.

فهذا تفسير إذهابهم للطيبات لا ما يقول من جهل فلم يعلم وضل عن مذهبه فلم يفهم من أن إذهابهم للطيبات هو أكلها في حياتهم فإن من أكلها في الدنيا الفانية حرمها في الآخرة الباقية وحاش لله أن يكون الجواب على ذلك أويكون قول من علم كذلك، ألم تسمعوا قول الله في القرآن وما نزل من النور والبرهان حين يقول: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون.

28 / 47
ع
En
A+
A-