وقال كرَّم الله وجهه : ( مباينٌ لجميع ما جرى من الصفات , وممتنع عن الإدراك بما ابتدع من تصريف الأدوات , وخارج بالكبرياء والعظمة من جميع تصرم الحالات).

وقال سلام الله عليه : ( فليست له صفة تنال , ولا حد يضرب له فيه الأمثال).

وقال رضوان الله عليه : ( كان إلاهاً حياً بلا حياة , وملكاً قبل أن ينشىء شيئاً , ومالكاً بعد إنشائه , وليس يكون له كيف ولا أين , ولا له حد يعرف , ولا شيء يشبهه , ولكن سميع بلا سمع , وبصير بلا بصر ) .

وقال صلوات الله عليه : ( ما وحده من كيفه , ولا حقيقته أصاب من مثّله , ولا إياه عني من شبهه , ولا صمده من أشار إليه وتوهمه , كل معروف بنفسه مصنوع , وكل قائم في سواه معلول ) , إلى قوله : ( وخرج بسلطان الإمتناع من أن يؤثر فيه ما يؤثر في غيره , الذي لا يحول ولا يزول , ولا يجوز عليه الافول ) ، إلى قوله رضوان الله عليه : ( ولا يوصف بشيء من الأجزاء , يقول ولا يلفظ , ويحفظ ولا يتحفظ , ويريد ولا يضمر , يحب ويرضى من غير رقة , يبغض ويغضب من غير مشقة , يقول لما أراد كونه كن فيكون, لا بصوت يقرع , ولا بنداء يسمع , وإنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه ومثله , ولم يكن من قبل ذلك كائناً , ولو كان قديماً لكان إلاهاً ثانياً ) .

وقال رضوان الله عليه : ( الذي ابتدع الخلق من غير مثال امتثله , ولا مقدار احتذى عليه من خالق كان قبله , بل أرانا من ملكوت قدرته وعجائب ما نطقت به آثار حكمته , واعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمهم بمساك قوته ما دلنا باضطرار قيام الحجة له علينا على معرفته ) , ومن خطبة له أخرى : ( ولم تحط به الصفات فيكون بادراكها إياه متناهياً, هو الله الذي ليس كمثله شيء عن صفة المخلوقين متعالياً , وجل عن أن تناله الأبصار فيكون بالعيان موصوفاً , وارتفع عن أن يحوي كنه عظمته فهاهات رويَّات المفكرين , وليس له مثل فيكون بالخلق مشبهاً , وما زال عند أهل المعرفة عن الأشباه والأنداد منـزهاً ) , إلى قوله (عليه السلام) : (وكيف لما لا يقدر قدره مقدار في رويَّات الأوهام, لأنه أجل من أن تحده ألباب البشر بالتفكير , وهو أعلى من أن يكون له كفؤ فيشبه بنظير, فسبحانه وتعالى عن جهل المخلوقين , فسبحانه وتعالى عن إفك الجاهلين , فأين يتاه بأحدكم ؟ وأين يدرِك ما لا يدرَك ؟ والله المستعان ) .

وقال رضوان الله عليه : ( من وصفه فقد شبهه , ومن لم يصفه فقد نفاه , وصفته أنه سميع ولا صفة لسمعه ) .

وقال رضوان الله عليه: ( باينهم بصفته ربا , كما باينوه بحدوثهم خلقا ) , إلى غير ذلك من كلام سيد الوصيين , فهو مفجر علوم الدين , والمبين للأمة ما اختلفوا فيه بعد أخيه سيد النبيين , وفي كلامه هذا أعظم بيان وأقوم برهان .

ولنورد هذا الفصل الأعظم الذي هو شرح لمعنى قوله عز وجل: )وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلاَّ هو( [الأنعام– 59] .

من خطبته الكبرى التي أقام فيها دلائل توحيد الله تعالى وآيات جلاله , وبينات برهانه النيرات العظمى , قال صلوات الله عليه : ( عالم السر من ضمائر المضمرين , ونجوى المتخافتين , وخواطر رجم الظنون وعقد عزيمات اليقين , ومسارق ايماض الجفون , وما ضمته أكنان القلوب , وغيابات الغيوب , وما أصغت لاستراقه مصايخ الأسماع , ومصايف الذر , ومشاتي الهوام , ورجع الحنين من المولهات , وهمس الأقدام , ومنفتح الثمرة من ولائج غلف الأكمام , ومنقمع الوحوش من غِيْران الجبال وأوديتها , ومختبأ البعوض بين سوق الأشجار وألحيتها ,ومغرز الأوراق من الأفنان , ومحط الأمشاج من مسارب الأصلاب , وناشئة الغيوم ومتلاحمها , وذرور قطر السحاب في متراكمها , وما تسفي الأعاصير بذيولها , وتعفو الأمطار بسيولها , وعرم نبات الأرض في كثبان الرمال , ومستقر ذوات الأجنحة في شناخيب الجبال , وتغريد ذوات المنطق في دياجير الأوكار , وما أوعبته الأصداف وحضنت عليه أمواج البحار , وما غشيته سدفة ليل أو ذر عليه شارق نهار , وما اعتقبت عليه أطباق الدياجير وسبحات النور , وأثر كل خطوة , وحس كل حركة, ورجع كل كلمة , وتحريك كل شفة , ومستقر كل نسمة , ومثقال كل ذرة, وهماهم كل نفس هامة , وما عليها من ثمر شجرةٍ , أو ساقط ورقة , أو قرار نطفة , أو نقاعة دم ومضغة , أو ناشئة خلق وسلالة لم يلحقه في ذلك كلفة , ولا اعترضته في حفظ ما ابتدعه من خلقه عارضة , ولا اعتورته في تنفيذ الأمور وتدابير المخلوقين ملالة ولا فترة, بل نفذ فيهم علمه , وأحصاهم عده , ووسعهم عدله , وغمرهم فضله , مع تقصيرهم عن كنه ما هو أهله ) الخ .

وقبل هذا الكلام , في وصف ملكوت ذي الجلال والإكرام , الذي يجب أن يكون إليه قصد الناظرين , وتوجيه فكر المفكرين , ومنتهى اعتبار المعتبرين , وقد سقنا الفصلين لما فيهما من الموافقة للمقام , عند أولي الأفهام من الأنام .

93 / 270
ع
En
A+
A-