نعم: واعلم أن من أعظم ما دار فيه الخلاف وتباينت فيه الأقوال بين أهل التوحيد وبين غيرهم من فرق الضلال مسائل صفات رب العالمين , ذي العظمة والجلال , وقد اتفق أهل التوحيد والعدل قاطبة من العترة عليهم السلام والمعتزلة على الشهادة له بما شهد به لنفسه , وشهد به ملائكة قدسه , وأولوا العلم من جنِّه وإنسه )شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم( [ ق:18] وعلى وصفه جل وعلا بما وصف به نفسه تعالى : من أنه القدير العليم الحي )وهو اللطيف الخبير( [الأنعام:103] )الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير( [الشورى:11] وأنه المختص بصفات الكمال المضافة إلى الذات المقدس والأفعال، العدل الحكيم , وعلى تنـزيه الله سبحانه وتعالى عن المعاني الحقيقية المقتضية للتعدد والمشاركة للقديم جل وعلا في الأزلية، التي هي في الشاهد الممكن القدرة والعلم والحياة والوجود وغيرها من المعاني الزايدات على الذات , وليست هذه المذكورة بالصفات ولا الأحوال ولا المزايا ولا التعلقات , على إختلاف المصطلحات التي يقول بها المعتزلة كما يتوهمه من لا إطلاع له , وإنما هي عندهم مثلاً القادرية والعالمية أي كونه قادراً عالماً ونحوهما , وجمهور أئمة العترة لا يقولون بشيء من ذلك كما هو معلوم , ومن صرائح نصوصهم مرسوم .
قال إمام المحققين الأعلام الحسين بن القاسم بن محمد عليهم السلام في بحث النسخ من شرح الغاية: قلنا لا نسلم ثبوت العالمية فإن ثبوتها فرع ثبوت الأحوال , والحال هو الواسطة بين الموجود والمعدوم , وهو عند الجماهير من أئمة أهل البيت عليهم السلام وغيرهم باطل لما علم بالضرورة من أن الموجود ماله تحقق والمعدوم ما ليس كذلك , ولا واسطة بين النفي والإثبات , ولذا قال بعض أئمة أهل البيت عليهم السلام في وصف اعتقادات آبائه الصحيحة من قصيدة طويلة:
لم يثبتوا صفةً للذات زائدة ولا قضوا باقتضاء حال لأحوال
انتهى المراد , وهذا البيت من الأبيات الفخرية.
هذا ولهم في تقسيمها وكيفية استحقاقها كلام طويل مبسوط في محله من الأصول , والخطب عند التحقيق على خلافهم يسير , فإن الصفات الزائدات التي يثبتونها ليست عندهم بأشياء ولا ذوات ولا معلومات على الإنفراد , وإنما الخلاف الخطير الكبير بين أهل العدل وغيرهم كالأشعرية المثبتين للمعاني القديمة الحقيقية , والحق الذي عليه قدماء آل الرسول صلوات الله عليهم ومن وافقهم من علماء الأصول , وقضت به حجج المعقول والمنقول , أن صفات الله جل جلاله ذاته , والمعنى أنه ليس لله سبحانه وتعالى باعتبار هذه الصفات سواه لا معنى ولا أمر ولا حال ولا شيء غير ذي الجلال , بل الذات المقدس يوصف عز وجل من حيث انكشاف جميع المعلومات له وتعلق علمه بها عالماً , ومن حيث اقتداره على جميع المقدورات , وعدم امتناع شيء منها عليه قادراً , إلى آخرها .
فلما ترتب على الذات الواجب الوجود جل وعلا ما يترتب على الذوات والصفات في الشاهد لكون ذوات غيره سبحانه وتعالى غير كافية في ثبوت الصفات بل تحتاج إلى معنى يقوم بها .
قالوا : صفاته ذاته عز وجل , وليس المراد أن هناك ذاتاً وصفةً كما يتوهمه من لم يرسخ علمه في هذه الطريقة بل الذات المقدس وصفاته عز وجل عبارة عن شيء واحد بالحقيقة , والتغاير إنما هو باعتبار المفهوم , فعالم باعتبار تعلق الذات بالمعلومات من حيث كونها معلومات , وقادر كذلك من حيث كونها مقدورات , وهكذا سائرها .
فالتعدد حقيقة في متعلق الصفات لا في الصفات فليست إلا عبارة عن الذات , ومرجع الكلام عند التحقيق إلى إثبات مدلولات الصفات وثمراتها وآثارها بالذات المقدس العلي عز وجل لا بمعنى ولا أمر ولا مزية , وليس هذا القول كقول أبي الحسين فإنه يقول : الصفات أمور اعتبارية وهي التعلق , وقدماء الآل عليهم السلام يقولون : هي الذات من حيث التعلق لا التعلق نفسه , وبينهما فرق واضح , وعلى هذا فالمضاف هو المضاف إليه في قدرة الله وعلمه وجميع صفاته , كما في وجهه ونفسه وذاته ونحو ذلك , فلا معنى لاعتراض بعض الأئمة المتأخرين على إمام الأئمة الهادي إلى الحق المبين (عليه السلام) وقد رد عليه السيد الإمام المحقق المفتي صاحب البدر الساري رضي الله عنهم وغيره, ولو حقق النظر , لما سطر ما سطر , ولكن لكل جواد كبوة , ولكل صارم نبوة.
هذا وإنَّما وقع فضل العناية بتحقيق الكلام في هذا المقام , لاشتباهه على كثير من الأفهام , ولعظم محل هذا الأصل في معرفة الملك العلام , وكثرة النزاع في شأنه بين فرق الأنام , وقد تحصلت المذاهب في صفات ذي الجلال إلى عشرة أقوال كما لخصها علماء الكلام:
القول الأول: إن صفاته جل جلاله ذاته, على ما حققناه وهو الواجب بجلال التوحيد , وجناب التمجيد للرب المجيد , والذي قامت عليه البراهين , وقد أبان ذلك إمام الموحدين , وسيد المتكلمين , وباب مدينة علم الرسول الأمين , صلوات الله عليهما وعلى آلهما الأكرمين , قال صلوات الله عليه : ( أول الدين معرفته , وكمال معرفته التصديق به , وكمال التصديق به توحيده , وكمال توحيده الإخلاص له , وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير الموصوف , وشهادة كل موصوف أنه غير الصفة , فمن وصف الله فقد قرنه , ومن قرنه فقد ثنّاه , ومن ثنّاه فقد جزأه , ومن جزأه فقد جهله) إلى قوله (عليه السلام) : ( ومن قال : فيم ؟ فقد ضمنه , ومن قال : علام ؟ فقد أخلى عنه , كائن لا عن حدث , موجود لا عن عدم ) إلى آخر الخطبة الشريفة .