ولما كان أمر الله وجميع أفعاله لا تكون إلا على مقتضى الحكمة والمصلحة , قال الله تعالى: )وكان أمر الله قدراً مقدوراً( [الأحزاب – 38] أي يقدر المصلحة على ما يرى في كل ما خلق أو حكم أو برأ لا يجاوز شيء من ذلك مقدار حده فيخرج من حد الصلاح إلى ضده ثم ذكر الأنبياء الماضين والثناء عليهم بقوله تعالى :)  الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله( [الأحزاب – 29] ولا يخشون قالة الناس فيما أحل الله لهم وفيه تعريض به صلى الله عليه وآله وسلم بعد التصريح بقوله :)وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ( , )وكفى بالله حسيباً(  [الأحزاب – 39] أي كافياً للمخاوف أو حافظاً لأعمال خلقه محاسباً على الصغيرة والكبيرة فيجب أن يكون حق الخشية من مثله ولما بين الله تعالى ما في تزويج النبي صلى الله عليه وآله وسلم لزينب بنت جحش من الحكمة والفوائد الجمة بَيَّن الله تعالى أنه كان خالياً من وجوه المفاسد فقال تعالى : )ما كان محمدٌ أبا أحد من رجالكم ( [الأحزاب – 40] .

 قال الهادي (عليه السلام) : كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد ربّى زيد بن حارثة وغذاه وتبناه كما كانوا يفعلون أولا وكانوا يسمونه قبل الإسلام زيد بن محمد وفي طرف من الإسلام حتى كان من أمر زينب بنت جحش امرأة زيد ما كان من تزويج الله لنبيه إياها فقالت قريش تزوج محمد امرأة ابنه فانزل الله تعالى في ذلك ما سمع بنفي أن يكون من رَبَّى إبناً ممن لم يلد ولم يولد ولم يرضع يثبت نسبه أو تحرم على المربي له زوجته وأمرهم بما أمرهم في الآية الأولى من أن يدعوهم لآبائهم فحرم الله عليهم أن يدعوهم إلى من يربيهم أو يتبناهم , أهـ.

قال في البرهان : وأكذبهم الله تعالى ونفى البنوة بينه وبين زيد بن حارثة وهذا خطاب خاص في زيد وليس بعام لأن الحسن والحسين عليهما السلام ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لقوله تعالى :) فقُل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم( [آل عمران – 61] وكتاب الله سبحانه يعضد بعضه بعضاً , أهـ .

قلت "والقائل مصنف المصابيح" : وهذا يبطل شبهة قول من قال من أين يجوز إثبات بنوتهما من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والله عز وجل بقوله : ) ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ( [الأحزاب – 40] ويبطل قول هذا القائل أيضا لوجوه أخر ذكرها الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة (عليه السلام) أحدها تظاهر النصوص من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  بدعائهما بالبنوّة وثانيهما إجماع الصحابة على نسبتهما بالبنوّة وثالثها إجماع العترة عليهم السلام على ذلك وقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  : (( كل بني أنثى ينتسبون إلى أبيهم إلا الحسن والحسين فهما ابناي وأنا أبوهما)) , وعادة أئمة الهدى من عندالله أمير المؤمنين فلان بن فلان بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بغير مناكرة من الأمه ولا إنكار من بعضهم على بعض فأما قول الله تعالى : ) ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله ( [الأحزاب – 40] فذلك من قصة زيد بن حارثة كما قدمنا والخطاب لعامة المسلمين دون أهل البيت عليهم السلام وهما طفلان يوم نزول هذه الآية والطفل لا يطلق عليه اسم الرجل فظاهر الآية مستقيم فاعلم ذلك موفقاً , ثم قال : )ولكن رسول الله وخاتم النبيين ( [الأحزاب – 40] أي ولكن كان رسول الله وكل رسول أبو أمته فيما يرجع إلى حق التوقير والتعظيم وعيسى (عليه السلام) وإن نزل آخر الزمان فهو نبي قبله صلى الله عليه وآله وسلم ويعمل بشرع محمد صلى الله عليه وآله وسلم , أهـ .

قال أبو حيان في البحر المحيط في تفسير قوله تعالى: )ما كان محمد أبا أحد من رجالكم( [الأحزاب – 40] : ثم نفى تعالى كون رسوله أبا أحد من رجالكم بينه وبين من تبناه من حرمة الصهارة والنكاح ما يثبت بين الأب وولده هذا مقصود هذه الجملة وليس المقصود أنه لم يكن له ولد فيحتاج إلى الاحتجاج في أمر بنيه بأنهم كانوا ماتوا ولا في أمر الحسن والحسين بأنهما كانا طفلين وإضافته إلى ضمير المخاطبين تخرج من كان من بنيه لأنهم رجاله لا رجال المخاطبين , أهـ .

وقال الفقيه حميد الشهيد رحمه الله في كتاب محاسن الأزهار في بيان دلالة آية المباهلة:

وتدل الآية بصريحها من دون استنباط أن الحسن والحسين عليهما السلام ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهذا يقضي بفضوح النواصب الفجرة الذين يمنعون من نسبتهما إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهل بعد بيان الله تعالى بيان أو أنور من برهانه برهان ؟ ولم تختلف الصحابة في زمنهما في وصفهما بأنهما ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقد وردت في ذلك آثار كثيرة قد قدمنا طرفاً منها وقد روينا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال : عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (( كل بني أنثى ينتسبون إلى أبيهم إلا ابني فاطمة فأنا أبوهما وعصبتهما )) , وعن ابن بريدة عن أبيه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب فرأى الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران يمشيان ويعثران فنـزل صلى الله عليه وآله وسلم من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه ثم قال : (( صدق الله : ) إنما أموالكم و أولادكم فتنة( [التغابن – 15] نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت خطبتي ورفعتهما )) .

ورُوِيَ أنَّه صلى الله عليه وآله وسلم رأى الحسن والحسين يمشيان فتهلل لهما ثم التفت إلى أصحابه فقال : أولادنا أكبادنا تمشي على الأرض )) .

وهذه آثار شريفة تنطق بمثل ما نطق به القرآن , وأما ما تعلق به النواصب من قوله :   )ما كان محمد أبا أحَدٍ مِنْ رِجَالكم ( [الأحزاب – 40] فإنه لا دلالة فيه على ما راموه وذلك لأنَّ سبب نزول الآية ظاهر عند المفسرين ونقلة الآثار وهو أن مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زيد بن حارثة كان ينتسب إليه على ما جرت به عادة أهل الجاهلية فيقال زيد بن محمد ولم يكن أباً شرعياً فوردت الآية الشريفة بالمنع من نسبته إليه , قال علماؤنا : وأيضاً فإنه تعالى قال: )ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ( [الأحزاب – 40] ولم يكن الحسن والحسين من الرجال حالة نزول الآية بل هما صبيان صغيران في ذلك الوقت فلم تكن الآية متناوله لما يرومه المخالف وبعد فإن الإجماع منعقد من الأمة على أن عيسى (عليه السلام) من ولد آدم ولا شبهة أنه إنما نسب إليه من قبل أمه وهي مريم عليها السلام فيجوز نسبة الحسنين إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لولادة ابنته فاطمة عليها السلام وقد ورد الكتاب الكريم بنظير ذلك قال الله تعالى: )تلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم * ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلاً هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهرون وكذلك نجزي المحسنين * وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين * وإسماعيل واليسع ويونس ولوطاً وكلا فضلنا على العالمين ( [الأنعام – 83"84"85"86] فانظر كيف نسب تعالى عيسى صلى الله عليه وسلم إلى نوح صلى الله عليه وسلم جعله من ذريته لأنه قال تعالى: )ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريته داود ( فذكر من ذكر من الأنبياء عليهم السلام وذكر عيسى عليهم السلام عطفاً على ذرية نوح فهكذا يجب مثله في الحسن والحسين عليهما السلام أن تكون نسبتهما صحيحة إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وقد احتج يحيى بن يعمر الفقيه حين طلب منه الحجاج أن يأتي بدليل من القرآن على أن الحسن والحسين ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم   فتلا عليه الآية الكريمة كما رواه جمع من المؤرخين .

وقد أجاب الإمام يحيى بن عبدالله بن الحسن عليهم السلام على الرشيد حين قال الرشيد : ( أأنا أقرب إلى رسول الله أم أنت ؟ فقال : لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حياً فخطب إليك ابنتك أكانت تحل له ؟ فقال : نعم , فقال (عليه السلام) : ولو خطب ابنتي أكانت تحل له ؟ فقال : لا ) , هذا معنى الرواية إذ لم يحظرني لفظها وقت التحرير .

67 / 270
ع
En
A+
A-