ما معنى قول الله تعالى (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه ...)

سؤال : ما معنى قول الله تعالى : )وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمتَ عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحقُّ أنْ تخشاه( [الأحزاب – 37] ؟

الجواب والله الموفق: أن هذه الآية سبب نزولها في قصة زينب بنت جحش أم المؤمنين وسأذكر الآية التي قبلها لترابط ذلك ولإيضاح ما هنالك قول الله تعالى : )وما كان لمؤمنٍ ولا مؤمنةٍ إذا قضى اللهُ ورسولُهُ أمْراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً( [الأحزاب – 36] , روي عن بن عباس ومجاهد وقتادة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خطب زينب بنت جحش بن رباب وهي بنت عمته صلى الله عليه وآله وسلم لأن أمها أميمة بنت عبدالمطلب , لزيد بن حارثة وكان زيد مملوكاً لخديجة رحمها الله شراه لها حكيم بن حزام فوهبته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم اعتقه وتبناه فلما خطب زينب لزيد أبت وأبى أخوها عبدالله فنـزلت الآية فأنكحها صلى الله عليه وآله وسلم زيد بن حارثة , قوله تعالى : )وإذ تقول ( الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم )للذي أنعم الله عليه( هو زيد بن حارثة أنعم الله عليه بالإسلام )وأنعمتَ عليه ( بالعتق , فجاء زيد فقال : يا رسول الله إني أريد أن أفارق صاحبتي , فقال : (( أرابك منها شيء ؟ )) قال : لا والله ولكنها تتكبر عليّ وتؤذيني بلسانها , فقال صلى الله عليه وآله وسلم : (( أمسك عليك زوجك )) , قيل هذا أمر إباحة وإرشاد لا أمر إيجاب وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما رءآها وقع في نفسه موقعاً فقال : (( سبحان مقلب القلوب )) , ففطن زيد لذلك فطلقها , فلما طلقها زوجها الله من رسوله صلى الله عليه وآله وسلم , وقوله تعالى: )واتق الله( قيل في معاشرتها , وقوله تعالى: )وتخفي في نفسك ما الله مبديه( [الأحزاب – 37] قيل أخفى صلى الله عليه وآله وسلم رغبته فيها لئلا يطلقها زيد لأجله , وقيل أخفى محبتها وقال له أمسكها , وقيل الخطاب لزيد أي تخفي طلاقها والله مبديه , وقوله تعالى :)وتخشى الناس( خاف قالة المنافقين بأنه تزوج زينب بعد زيد وهو مولاه , قال علي بن الحسين (عليه السلام) : قد كان أوحى الله تعالى إليه أن زيداً سيطلقها وانه يتزوجها بتزويج الله فلما شكى زيد خُلقها وأنها تؤذيه وأعلمه أنه يريد طلاقها , قال له أمسك عليك زوجك واتق الله على طريق الأدب والوصية وهو يعلم أنه سيطلقها فهذا الذي أخفى في نفسه وخشي رسول الله أن يلحقه قول من الناس والله أحق بالخشية في كل حال وإذ قد حررت هذا المقال واعتمدت فيه على كثير من التفاسير فتفسير أهل البيت أحق بالإيثار والركون إليه.

وإليك نص السيد العلامة عبدالله الشرفي رحمه الله في المصابيح:

قوله تعالى: )وما كان لمؤمن و لا مؤمنة( [الأحزاب – 36] ما صح لهم إذا قضى الله ورسوله أمراًً أي أراده واختاره وقضاء الرسول قضاء الله تعالى , والمعنى ما كان لهم إذا حكم الله حكماً ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون لهم الخيرة من أمرهم وإنما الواجب أن يجعلوا اختيارهم تبعاً لإختياره . قال في البرهان : وهذه الآية نزلت في شأن زينب بنت جحش حين خطبها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لزيد بن حارثة فامتنعت وامتنع أخوها عبدالله بن جحش لنسبها من قريش وأنهما ولدا عمة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمهما أميمة بنت عبدالمطلب , وقال إن زيداً بالأمس كان عبداً إلى أن نزل فيه قوله تعالى )اُدْعُوهم لآبائهم( [الأحزاب – 5] فقالت زينب أمري بيدك يا رسول الله فزوجها إياه ثم قال سبحانه : )ومَن يعص الله ورسوله( بخروجه عن الطاعة باختياره خلاف ما يختار )فقد ضلَّ( أي ذهب عن طريق الحق )ضلالاً مبيناً( أي ظاهراً , ثم قال الله تعالى: )وإذ تقول( أي وقد عفا عنك حين تقول )للذي( وهو زيد بن حارثة  )أنعم الله عليه( بالإسلام )وأنعمت عليه( بالعتق )أمسك عليك زوجك( يعني زينب بنت جحش , أي إلزم زوجتك يا زيد ولا تفارقها صبراً من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنها مع ما دخل في قلبه من حبها وكان فيما روي قد دخل على زيد بن حارثة فواجهها ونظر عند ذلك منها منظراً بهجاً حتى شغل في ذلك الحين قلبه لأنه صلى الله عليه وآله وسلم بشر مركب على طباع البلوى ليظهر الله فضله عند صبره عن الهوى ثم رجع ولم يقف وخرج مسرعاً مجداً فقال زيد ما لرسول الله رجع منا ولم يدخل كما أراد إلينا ؟ فقالت : إني عجلت فقلت تقدم يا رسول الله قبل إنحرافي عن طريقه فلما رآني سبح الله ورد وجهه مسرعاً ففطن زيد رحمة الله عليه أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد أعجب بها لعلمه بحسنها "يعني من قبل الحجاب " فطلقها فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بطلاقها وعرض له في أخذها , فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : (( أمسك عليك زوجك واتق الله فيها ولا تطلقها )) وهو نهي لزيد وقال ابن زيد جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى باب زيد وعلى الباب ستر من شعر فرفعت الريح الستر فرأى زينب فوقعت في قلبه فقال سبحان الله مقلب القلوب وذلك أن نفس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت تجفو عنها قبل ذلك ولا تريدها وسمعت زينب بالتسبيحة فذكرتها لزيد ففطن وألقى الله في نفسه كراهة صحبتها والرغبة عنها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إني  أفارق صاحبتي , فقال : (( مالك ؟ أرابك منها شيء ؟ )) فقال : لا ولكنها تتعاظم عليّ لشرفها وتؤذيني , فقال : (( أمسك عليك زوجك واتق الله)) لا تطلقها , وقيل اتق الله ولا تذمها بالنسبة إلى الكبر وأذى الزوج , ثم قال تعالى: )وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس( من أن يقولوا اخذ زوجة الغير أو الإبن , وقال في البرهان : والذي أخفى في نفسه هو ما أعلمه الله من أنها تكون من أزواجه قبل أن يتزوجها وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خشي قالة الناس فكتم من أمرها ما اعلمه الله من أنه سيتزوج بها بعد طلاق زيد , انتهى.

 وقيل: لأنه خشي اليهود  أن يقولوا تزوج امرأة ابنه عن ابن عباس .

 وقيل: أنه خشي الناس أن يقولوا أمر رجلاً بطلاق امرأته ثم نكحها .

ثم قال تعالى: )والله أحق أن تخشاه( وتراقبه فيما أمرك به من زواجها وأطلعك عليه من حكمة ما غيبه عن غيرك ولما طلقها زيد وبانت عنه نزل قوله تعالى:) فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها( [الأحزاب – 37] قال الزجاج : الوطر كل حاجة لك فيها همة فإذا بلغها قيل قد قضى وطره , قال غيره : الوطر منتهى ما في النفس من الشيء , وقيل لم يبق له بها حاجة , والمعنى لما قضى منها حاجته وشهوته ونال منها محبته وإرادته زوجها الله نبيه وملكها بعد فراق زيد وليه .

قال في البرهان: وكان تزويجها من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأمر الله

 تعالى للحكمة التي نذكرها ونشرحها لكيلا يتوهم الجاهل ويحسب الغر الغافل أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دعته شهوة نفسه إلى نكاحها أو نظر إليها متعمداً لتحرم على زيد بعد نظره إليها حاشا لله ولرسوله مما يقول الجاهلون الضالون والله سبحانه أنزه وأعلى من أن يأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا بفعل يكون فيه حكمه باهرة ومصلحة في دينه وافرة والحكمة في ذلك أن الله تعالى أراد أن يُبطل بتزويج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم زينب بنت جحش ما كان عليه أهل الجاهلية أن ابن التبني وابن الصلب حكمهما واحد وان حليلة الابن المناسب محرمة على أبيه وان حليلة ابن التبني محرمة ولذلك أنكر المشركون الجاحدون أن حليلة الابن لا تحل للأب وقد تزوجت بحليلة ابنك زيد فبين الله تعالى بقوله : )لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطراً ( [الأحزاب – 37] أي حليلة ابن التبني غير محرمة بخلاف ابن النسب ونفى الحرج عن أبا التبني إذا تزوجوا بحلائل أدعيائهم ولولا  فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من هذا التزويج بأمر من الله تعالى لما عرف هذا الحكم العظيم الخطير فسبحان الله الذي نزه رسله عن مقال الكاذبين وافتراء المبطلين , )وكان أمر الله مفعولاً ( يعني أمره عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مطاع بتزويج زينب بنت جحش بعد ما طلقها زيد للغرض الذي أوضحناه .

ولتمام الفائدة سنذكر في هذا الموضع تفسير الآيات الكريمة التي نزلت بهذا الصدد قول الله تعالى )ما كان على النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ( [الأحزاب – 38] أي من ضيق ولا مأثم فيما فرض الله له أي فيما احل الله له من تزويج زينب بنت جحش وأباح له من الوطء والنكاح لزوجة دعيه فبيّن الله عز وجل أن دعيه لا يكون ابنه ولكن وليه وغَذِيِّه )سُنة الله( في الأنبياء )في الذين خلوا من قبل( [الأحزاب – 38] أي بين الله ذلك سنة فيهم وهو أن لا يضيق عليهم في الإقدام على ما أباح لهم ووسع في باب النكاح وغيره , وقد كان لداود صلى الله عليه مائة زوجه وثلاثمائة سريه ولولده سليمان مائة مهيره وسبعمائة سريه قال في البرهان : والسنة الطريقة المعتادة أي ليس على الأنبياء حرج فيما أحله الله لهم كما احلّ لداوود المرأة التي سبق منه النظر إليها فتزوجها وزينب بنت جحش هي أول من مات من نساء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعده وأمرت أسماء بنت عميس لها بنعش فحملت فيه , أهـ .

66 / 270
ع
En
A+
A-