قلتُ: عَنى بكثير من البصريين أبا علي الجبائي وكثير من أتباعه.

ومعرفة الله جل جلاله وجبت عند الأئمة، لأن توجيه شكره على نعمه مترتب على معرفته فوجبت لوجوبه.

وقال الموجبون للطف: بل وجهُ وجوبها كونها لطفاً للمكلفين في القيام بما كلفوه أو جارية مجراه، قالوا : لأنَّ مَنْ عرف أنَّ له صانعاً يثيب مَنْ أطاعه، ويعاقب من عصاه كان أقرب إلى طاعته، وقالوا : إن الشكر إنما هو الإعتراف بنعمة المنعم على ضرب من الإجلال والتعظيم فقط من غير عمل، وإذا فعل ذلك فقد شكر، وليست الصلاة ونحوها من هذا الإعتراف في شيء فلا يبقى لها وجه وجوب سوى أنها لطف في واجبات عقلية، لأنه قد بانَ بالعقل أن ما دعى إلى واجب وحث عليه من فعل المكلف وجب عليه، لأنه يجري مجرى الوصلة إليه.

قال أئمتنا عليهم السلام: القائلون بأن الطاعات شكر قال تعالى: )اعْمَلُوا آلَ دَاودَ شُكْراً( [سبأ – 13] ، فنصَّ سبحانه على أنَّ الطاعة شكرٌ له جل وعلا على نعمه، وقال: )فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُون( [البقرة – 152] ، واحتجوا بإجماع أهل اللغة أن الشكر هو قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان، أي بالجوارح في مقابلة النعمة، فأنت خبيرٌ بأنَّ كل فريق قد احتج بحجج عقلية وحجج نقلية، ونحن إذ حررنا ما حررناه لنا تفصيل وجمع وتلفيق.

والذي تحصَّل لي بعد طول النظر وإعمال الأدلة: أنَّ القول بأن الطاعات لطف ، وأن معرفة الله لطف لا ينافي قول أئمتنا والبغدادية بأنها شكر، بل الجمع ممكن بأن نقول الطاعات لطف تذود الفاعل لها عن فعل المعاصي كما قال الله تعالى: )ومَنْ يَتَّق اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * ويَرْزَقْهُ مَنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ([الطلاق – 2 , 3] ، )ومَنْ يَتقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أمْرِهِ يُسْرَاً(  [الطلاق – 4] ، )إنْ تتقوا اللهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقَانَاً ( [الأنفال – 29] ، وما ذلك المخرج ولا ذلك اليسر ولا ذلك الفرقان إلا ما تسميه البصرية لطفاً، ونسميه نحن توفيقاً وتنويراً وزيادة في البصيرة، ولا يمتنع مع هذا أن تكون تلك الطاعة شكراً لله تعالى على نعمه التي هي أصول وفروع، وأيُّ منافاة أو مضادة في الجمع بين اللطفية والشكر، مع أن أئمتنا عليهم السلام والبغدادية وكل من قال بأنها شكر لم ينفوا كونها لطفاً، وكذلك مَن صرَّح من البصرية ومتابعيهم بأنها لطف لم ينفوا كونها شكراً، ومع عدم التضاد والمانع جاز القول بالجمع وهو أولى، وتعليل الحكم بعلتين  أقوى من تعليله بعلة واحدة، مع أني حضرت درس مولانا وشيخنا الإمام الحجة مجدالدين بن محمد المؤيدي أسعده الله في الينابيع في وجوب معرفة إرسال الرسل لكونها لطفاً، فراجعت مولانا بأنه ممكن أن تكون لطفاً في حال كونها لبيان تأدية شكر الله تعالى فاستحسن هذا وقرَّره ولم ينكره، ولم يبق إلا أنَّ إطلاق الوجوب على الله تعالى لا يحسن لإيهامه، أن يكون مكلفاً كلفه ذلك، وإن كنا نقول أن ما يفعله جل وعلا من المصالح الدينية والدنيوية يفعله قطعاً لاقتضاء الحكمة لذلك وهو معنى الوجوب، وقد جرى ذكر الوجوب في كلام أكثر الأئمة عليهم السلام وهو متأول على هذا الذي ذكرناه لاقتضاء الحكمة له كقول الهادي عليهم السلام في البالغ المدرك وجب على قود الحكمة ..إلخ .

أمَّا قول البصرية: أنَّ الشكر إنما هو الإعتراف فيمكن تمشيته بأن نقول الواجبات تنقسم

القسم الأول

القسم الأول

 ما يحكم العقل بوجوبه وتحتُّمه على المكلف الْمُنْعم عليه، ولا يبيح العقل إسقاطه في حال من الأحوال، وذلك ما يتعلق بفعل القلب فقط، وهو معرفة المنعم والإعتراف له بأنه منعم فيحكم العقل بلزوم اعتقاد حصول القسم الثاني القسم الثاني

 يحكم العقل بوجوبه ولزوم فعله أو تركه، واعتقاد ثبوته في نفسه وعدم جواز جحده بالقلب، وذلك ما يتعلّق بفعل الجارحة كردِّ الوديعة وقضاء الدين والشكر باللسان، ويبيح العقل بعض ما ينكره القلب مع إكراه ظالم أو معارضة مفسدة كما إذا كانت الوديعة لعاقل ثم جن، فإنه لا يحسن ردُّها إليه بل إلى وليه، فهذا يجوز عند الإكراه أو الضرورة الملجئة أو معارضة المفسدة بالفعل أو الترك فهذا القسم والقسم الأول هما اللذان نعبر عنهما بالواجبات القسم الثالث القسم الثالث

 مالا يحكم العقل فيه بلزوم فعل ولا ترك، وإنما يحكم فيه حكماً عاماً، وهو لزوم امتثال ما أمر به أو نهى عنه المالك المنعم، وإباحة ما سكت عنه، وهو جميع الأفعال الخارجة عن القسمين الأولين وعما لا يتمان إلا به، وهذا هو الذي ينقسم إلى الأحكام الخمسة الشرعية ويطرأ عليه النسخ بحسب المصلحة، ولا يهتدي العقل فيه إلى حكم معين أو مصلحة في فعله أو مفسدة في تركه إلا بواسطة الرسل صلوات الله عليهم، فما أمروا به وجب وعلمنا أن المصلحة في فعله والمفسدة في تركه، وما أرشدوا إلى فعله من دون وعيد على تركه علمنا ندبيته، وأن المصلحة في ندبيته، والمفسدة في خلافها، وما نهوا عنه علم تحريمه، وأن المصلحة في تركه، والمفسدة في فعله، وما أرشدوا إلى تركه من دون وعيد على فعله علمنا كراهته وأن المصلحة في كراهيته، والمفسدة في خلافها، وما سكتوا عنه علمنا أن المصلحة في إباحته، والمفسدة في خلافها، إذا عرفت ذلك فجميع ما ذكرناه في الأقسام الثلاثة والإنقسامات في القسم الثاني يكون معرفة الجميع، وفعل ما وجب أو ندب لأجل أمر الشارع به، وترك ما نهى عنه أو أرشد إلى تركه لأجل نهي الشارع عنه شكر لله، والمخالفة له تعالى بتغيير أي حكم منها أو ترك ما وجب من الشرعيات قطعاً، أو فعل ما حرم منها قطعاً يكون كفراً لكنه يُقَيد في ترك الواجب وفعل المحرم بكفر النعمة، وكذلك الواجب والمحرم في القسم الثاني ما لم يكن عن استحلال فيكون كفراً بلا قيد ، أو عن إكراه ونحوه فلا أيهما ولا إثم، ومن هنا يظهر مرادنا بحمل قول البصرية أن الشكر هو الإعتراف على السلامة وعدم الخطأ بأن مرادهم أن الشكر العقلي ليس إلا الإعتراف بالمنعم والنعمة، فمرادهم قبل ورود الشرائع لأن العقل لا يهتدي إلى شيء منها، فلو قالوا: أنَّها شكر واجبٌ أعني الإعتقاد بالجنان والقول باللسان والعمل بالجوارح للزم التكليف بما لا يُعلم، فاقتصروا على قولهم الشكر هو الإعتراف يعنون الذي وجب بالعقل هو الإعتراف، ويظهر أنَّ مراد مَنْ قال أن الطاعات شكر أن فعلها بعد الأمر بها شكر، وقبل الأمر بها يحكم العقل أن يوطن نفسه على تأدية الشكر حين تبلغه الرسل كيف يشكر، ولأنَّ من المعلوم أن من اقتصر على الإعتراف بعد ورود الشرع بالأوامر والنواهي أنه غير شاكر بل كافر، ويدل على ذلك قوله: )أفبِالباطِلِ يُؤمِنُوْنَ وبِنِعْمةِ اللهِ هُمْ يَكْفُرُوْنَ ([العنكبوت– 67] ، فلو كان الإعتراف كافٍ لَما وصفهم بالكفر مع قوله تعالى: )ولأنْ سَألْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ( [الزخرف – 87] ، وإلا لقال: أفبالله أو الأنبياء أو الشرائع هم يكفرون .

وبهذا الكلام ينتهي خوضنا في هذه المسألة ونسأل الله التوفيق والتسديد والعصمة

64 / 270
ع
En
A+
A-