أحدهما: أن يتقدّم على التكليف أو يقارنه فهذا لا يجب لأن التكليف تفضل، فكذلك ما تقدمه أو قارنه.
قال الإمام عزالدين (عليه السلام) : أمَّا ما تقدمه فظاهر، وأما ما قارنه فلأنه إذا كان التكليف هو المقتضي لوجوب اللطف لم يقتض وجوبه إلا في الحالة الثانية من حصوله.
الضرب الثاني: أن يتأخّر عنه فهذا موضع الخلاف فقال الجمهور: إن اللطف واجب على الله في كلما كلفنا فعله أو تركه، سواء كان الملطوف فيه حتماً كالواجب والمحرم، أم لا كالمندوب والمكروه، وقد احتجّ مَنْ أوجب اللطف بحجج عقليه وهي:
الأولى: أن الغرض بالتكليف تعريض المكلف لمنافع الثواب، فإذا كان في مقدوره تعالى ما لو فعله بالمكلف لاختار الواجب واجتنب القبيح، فإذا كان كذلك فلا بُدّ أن يفعل به ذلك وإلا عاد على غرضه بالنقض وصار الحال فيه كالحال في أحدنا إذا أراد من بعض أصدقائه أن يجيب إلى طعام قد اتخذه له فإنه يجب عليه أن يدعوه إذا علم من حاله أنه لا يجيب إلا بدعائه وإلا عاد على غرضه الذي هو الإجابة بالنقض، ويصير اصطناعه للطعام عبثاً فكذلك هاهنا، وقد أورد على هذه الحجة اعتراضات وأسئلة فادحة أجاب عنها المحتجون بجوابات مطولة.
الحجة الثانية: قالوا اللطف جارٍ مجرى التمكين في إزاحة علة المكلف لاستوائهما في أن المكلف لا يختار الفعل إلا عندهما، فكما أن التمكين واجب لأجل التكليف فكذلك
اللطف، وقد أورد على هذه الحجة اعتراضات وسؤالات وضعفها بعض الأئمة عليهم السلام.
الحجة الثالثة: ذكرها أبو علي بأنه لو لم يجب اللطف لدل على أنه لم يُرد الطاعة من المكلف أو أراد منه المعصية، واعترضه أبو هاشم بأن الإرادة متقدمة على وقت اللطف أو مقارنة للتكليف فلا يدل عدم اللطف على زوال شيء قد ثبت وهو الإرادة ولا يقدح أيضاً في حسنها ولا يقتضي حصول ضدها بدلاً منها وصار كما يقول لو لم يثب الله المطيع لما توجه إلى الله تعالى الذم لأجل أن التكليف حسن لتكامل شرائط حسنه، فما تأخر عنه لا يؤثر في حسنه ولا قبحه.
قال الإمام عزالدين (عليه السلام) : واعلم أنَّ الذي أُورد على دليل أبي علي يرد مثله على دليل الجمهور في قولهم لو لم يلطف لكان ناقضاً للغرض بالتكليف، لأن معنى نقض الغرض إنكشاف عدم الإرادة للفعل المكلف به لتعريض المكلف إلى درجات لا تنال إلا به، وإن كان يظهر أن الجمهور جعلوا وَجْهَ وجوبه ألا ينتقض الغرض، وأبو علي جعل وجهه ألا ينكشف عدم الإرادة.
قال مولانا خاتمة المحققين علي بن محمد العجري رحمه الله قلت: وفي قوله (عليه السلام) : أن معنى نقض الغرض عدم الإرادة نظرٌ لما مرّ أنَّهم أرادوا بالغرض تعريض المكلف لمنافع، وأن الكلام مفروض مع استمرار الحال في الإرادة وبقاء الغرض بالتكليف، أي أنهم إنما أوجبوا اللطف لئلا ينتقض الغرض مع بقائه وبقاء الإرادة فلا يرد عليهم ما ورد على أبي علي , أهـ.
قال الْمُوجبون للطف: إنَّ السمع قد دلنا على أنَّ في الحوادث ما هو لطف وما هو مفسدة، وأن اللطفية والمفسدية لا اختيار للباري فيهما، أما الذي دل على ثبوت اللطف فمنه ما دل على أنه من فعل الله تعالى، ومنه ما دل على ما هو من فعلنا، فالأول قوله تعالى: )أوَلا يَرونَ أنَّهُمْ يُفْتَّنُوْنَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أو مَرَّتَيْنِ.. الآية ( [التوبة – 126] فأخبر تعالى أن غرضه بما يفتن به عباده الإمتحان بالخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس هو دعائهم إلى التوبة، والثاني الذي هو من فعلنا قوله تعالى: )أقِمِ الصلاةَ إنَّ الصلاةَ تنهى عَنِ الفَحْشاءِ والْمُنْكَرِ( [العنكبوت – 45] فأخبر أنَّ سببَ وجوب الصلاة ما فيها من اللطف، وهو الصرف عن الفحشاء والمنكر.