في حقيقة اللطف إصطلاحاً

قال السيد مانكديم (عليه السلام) : (هو ما يختار المرء عنده الواجب، ويتجَّنب عنده القبيح، أو ما يكون عنده أقرب إلى اختيار الواجب أو ترك القبيح ) ، وليس بجامع لخروج اللطف في فعل المندوب وترك المكروه.

وقال القرشي: (هو ما يختار المكلف عنده الطاعة لأجله بعد التمكين أو يُقِّرب من اختيارها كذلك، والمفسدة ما يقابله، قلنا: ما يختار عنده الطاعة ليدخل لطف التوفيق، وهو الذي يختار عنده الفعل، ولطف العصمة، وهو الذي يختار المكلف عنده الترك، وكلاهما طاعة أعني الفعل والترك، وقلنا: لأجله احترازاً من أن يختار للإلجاء أو لمنفعة دنيوية، وقلنا: بعد التمكين احترازاً من أن يختار الطاعة عند مجرد التكليف، والآلة لا تكون لطفاً ولا مفسدة بل هما تمكين، وقلنا: أو يُقرِّب من اختيارهما ليدخل اللطف المطلق، وقلنا: كذلك لأجله بعد التمكين).

وحدَّه المهدي (عليه السلام) بقوله: (هو ما يدعو المكلف إلى فعل ما كُلف فعله أو ترك ما كلف تركه، أو إلى مجموعهما لأجل أنه كلف بذلك ما لم يبلغ حد الإلجاء، فدخل في القيد الأول اللطف الواجب والمندوب، وبالقيد الثاني اللطف في ترك القبيح والمكروه، وبالقيد الثالث ما كان لُطفاً في الفعل والترك معاً، وبالقيد الرابع خرج ما يدعو إلى ذلك وليس بلطف اصطلاحي وهو محبة الشرف والسمعة، فإنَّها وإن دعت إلى ما كُلِّف به، وهذا الداعي وإن كان لطفاً لغوياً فليس باصطلاحي، وإنما هو يدعو إلى فعل ما كلف به لأجل التكليف لا لغيره، وبالقيد الخامس خرج ما يدعو على جهة الإلجاء، ، وقال: إنَّه أحسن ما قيل فيه).

قال مولانا خاتمة المحققين في مفتاح السعادة: وقد اعترضه أي اعترض هذا الحد بعض المحققين بأنهم قد جعلوا اللطف من قبيل الدواعي وليس كذلك، لأن الدواعي هي الإعتقاد أو الظن بأن في الفعل جلب نفع ودفع ضرر، وهذه الدواعي تثبت مع الألفاظ أو عدمها، ألا ترى أنَّا نعلم أن لنا في الطاعة جَلْب نفع ودَفْع ضرر وإن لم تقع الألطاف التي هي الأمراض وسماع المواعظ وفعل الشرعيات، وكذلك معرفة الله تعالى فإنها لطف وليس هي الداعي، وإنما الداعي هو العلم بأن هذا الفعل مما يستحق عليه الثواب والعقاب، وأيضاً فإن الداعي لا بُدّ منه في كل ما كلفناه، ولهذا قالوا: لا بد أن يكون المكلف متردد الدواعي بخلاف اللطف فإنه يختص ببعض الأفعال، فثبت أن اللطف هو ما يُختار عنده سواء كان داعياً أم ألماً أم كلاماً أم صلاة أم غير ذلك مما لا يدعو.

وأُجيب بأنَّ هذا مؤاخذة بظاهر العبارة، لأنَّ المعلوم قطعاً أنهم لا يقولون بأنَّ الألطاف لا تكون إلاَّ من قبيل الدواعي التي هي الإعتقادات والظنون فقط، فإنهم لا يزالون ينصون على أن وجه حسن الآلام وغيرها كونها لطفاً، وإنما أرادوا بقولهم أن الألطاف تدعو أن الدواعي تنبعث معها وتحصل لأجلها ويقع الملطوف فيه عندها.

قلت: فعلى هذا معنى الحدين واحد . أهـ .

والحد شامل للطف التوفيق ، وهو الذي يُختار عنده الفعل، ولطف العصمة، وهو الذي يُختار عنده الترك، إذ الفعل والترك طاعة.

أمَّا شارح الخلاصة فقال: (وأمَّا اللطف فله حقيقتان لغوية واصطلاحية ، فحكى اللغوية: أنَّها ما قَرَّب من نيل المراد وإدراك المقصود ) , إلى أن قال : ( وأمَّا الإصطلاحية : فهي تنقسم إلى مطلق وتوفيق وعصمة، ولكل واحد حد على انفراده ، فحقيقة المطلق: هو ما يدعو المكلف إلى فعل ما كلف فعله أو ترك ما كلف تركه أو إلى مجموعهما أو إلى شيء من ذلك ما لم يبلغ به الحال حد الإلجاء، هذا ما ذكره أصحابنا في الإحتراز عن الملجأ ولا حاجة إلى الإحتراز عنه، لأن قولنا ملجأ يغني عن ذلك ، إذ التكليف لا يجامع الإلجاء ، وقولنا ما لم يبلغ الحال حد الإلجاء إحترازاً من مشاهدة المحتضر للملائكة، فإن ذلك وإن دعاه إلى فعل الطاعة لا يكون لطفاً لأنه ملجأ ) أهـ .

وقال شارح الخلاصة: ( اعلم أنَّ اللطف في التحقيق على ما ذكره المتكلمون هو العلم بالثواب والعقاب ، لأن ذلك الذي يدعو الخوف منه والرجاء به إلى فعل الطاعة واجتناب المعصية، وأمَّا مجرد المعرفة بالله وبصفاته وعدله من غير معرفة الثواب والعقاب فلا يثبت لشيء من ذلك حظ في اللطف ، إلى أن قال : فإذا ثبت ذلك فقد اختلف كلام قاضي القضاة فمرة ذكر ما ذكرناه، ومرة قال: العلم بالثواب والعقاب ، وإن كان لطفاً فما من شيء من العلوم الإلهية إلا وله حظ في الدعاء والصرف مع العلم بالثواب والعقاب )  أهـ.

57 / 270
ع
En
A+
A-