قلت: وأيضاً في الخبر (( من تركها استخفافاً وجحوداً )) , وفي بعض (( من غير عذر)) فتاركها مع الإمام الجائر ليس مستخفاً بها ولا جاحداً لحقها , مع أن هذا الخبر لا يقوى على معارضة الأدلة من الآيات والأخبار المفيدة للمنع وإجماع أهل البيت ومن شبههم حضور بعض السلف لجمع الظلمة ولا حجة في ذلك لأنه للتقية وخشية السيف والسوط , أو لخشية افتراق كلمة المسلمين وغلبة أهل الكفر .
وقد تخلف أمير المؤمـنين (عليه السلام) ستة أشهر كما رواه البخاري ومسلم وغيرهما ثم طلب مصالحة أبي بكر كما في روايتهما , وفي روايته أن ذلك لانصراف وجوه الناس بعد موت فاطمة عليها السلام , وعندنا أن ذلك لإشفاقه على الإسلام كما قال : (( فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الإسلام رجعت فخشيت أن أرى في الإسلام ثلماً هو أعظم عليّ من فوت ولايتكم هذه )) , أو كما قال (عليه السلام) .
وقد قال أكثر المخالفين في ذلك الإرهاب والتهويل , والمعتمد الدليل والله سبحانه الهادي إلى خير سبيل.
وهذا الشرط وهو أن لا يقيمها الظالم أو من ينتمي إليه , وأن لا يقترن بها معصية هو الذي وقع الكلام فيه , وبقية الشروط ما ثبت بدليل واضح فهو صحيح وما لا فلا , والتفصيل يوجب التطويل ولا يسع الحال.
ومما لم يتضح عليه دليل ـ اشتراط أن يدرك المصلي قدر آية من الخطبة لصَحة الجمعة لقيام الخطبتين مقام ركعتين ـ وهذا من كلام عمر ولا حجة فيه والمختار ما ذهب إليه بعض أئمة الهدى منهم إمام الأئمة زيد بن علي والإمام المؤيد بالله والإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة والإمام القاسم بن محمد وولده الإمام المؤيد بالله محمد بن القاسم عليهم السلام , وقد أجاب الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة على جعلهم الخطبتين بمثابة ركعتين لأنه لا يستقيم على أصولهم إذ قد أوجبوها على المسافر ( أي النازل وسامع النداء ) , ولأنها لو كانت بمثابة ركعتين لكان من لم يستمع الأولى يصلي ثلاثاً وإجماعهم على خلافه .
قال الإمام المؤيد بالله محمد بن القاسم عليهما السلام: ويلزمهم أيضاً ألا يتولاهما ـ أي الخطبتين ـ والصلاة إلا شخص واحد كالصلاة وهم لا يشترطونه .انتهى .
والأخبار واردة أن من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة وهذا عام في الجمعة وغيرها , مع أن في بعض الروايات : (( من أدرك من صلاة الجمعة ركعة فقد أدرك)).
وعلى الجملة فلا تسقط فريضة الجمعة المقطوع بها بلا دليل , والله ولي التوفيق.
قلت: وهذا هو المختار المعمول به عندي وكذا غيرها من الشروط التي لم يقم عليها دليل واضح فلا معنى لإسقاط هذه الفريضة المؤكدة المعلومة في القرآن بشروط لم ينزل الله بها من سلطان والله المستعان .
هذا وأما قولكم: (( وفي بلاد الكفر )) فقد أشرت إشارة عابرة إلى وجوب الهجرة بنحو قوله تعالى :) وإمَّا ينسينك الشيطان فلا تقعدْ بعد الذكرى مع القوم الظالمين( [الأنعام : 28] , وقوله صلى الله عليه وآله وسلم : (( لا يحل لعين ترى الله يعصى فتطرف حتى تغير أو تنتقل )).