وأما التابعون: فأبو جعفر محمد بن علي الباقر (عليه السلام) وسعيد بن جبير وعلقمة والاسود والنخعي والشعبي والحسن البصري ومكحول وعكرمة والزهري وابن أبي ذُءيب .

ومن الحجة لهم استقراض النبي صلى الله عليه وآله وسلم من طعام اليهودي ورهنه درعه وذلك في آخر أيامه , وقد وصف الله اليهود بأكلهم السحت .

ومن الحجة القاهرة القوية وجوب الحكم للفجار بما في أيديهم كوجوبه للأخيار سواء في حكم الشريعة , وكذلك يحتج بأخذ الجزية من أهل الكتاب وحلها للمسلمين مع علم الله تعالى بأن أكثر أموالهم أثمان الخمور والخنازير وأنهم يتعاملون بالربا وهذا أمر واضح , ويزيده وضوحاً أنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يقض بأن ما في أيدي الناس قد صار لبيت مال المسلمين لإختلاط الحرام بالحلال , ولا قضى بذلك أميرالمؤمنين (عليه السلام) ولا غيره من الصحابة مع كثرة الفساد ووقوع الحروب كما وقع من الناكثين والقاسطين والمارقين في أيام أمير المؤمنين (عليه السلام) واستيلائهم وتغلبهم على كثير من البلدان ووقع بذلك من النهب والتظالم ما هو معروف , وقد نهبت المدينة يوم الحرة ثلاثة أيام نهبها عسكر يزيد اللعين ولم يمتنع أحد من الصحابة والتابعين من المبايعة والشراء والمعاملة بعد تلك الفتن العظيمة , بل جرى التعامل بالبيع والشراء في الأسواق بلا تناكر ولم يقض أحد من الصحابة وغيرهم بأن جميع ما في أيدي الناس قد صارت بيت مال لإختلاط الحلال بالحرام .

ثم جرى على ذلك أكابر الأئمة عليهم السلام فلم يؤثر عن أحد من قدمائهم أنه قضى بأن جميع ما في أيدي الناس بيت مال , ولا ظمنوا أحداً ولا عاقبوه بأخذ شيء مما في يده وإن كان مخالفاً عاصياً .

مع أن الهادي (عليه السلام) خرج إلى اليمن ولا مزيد على ما كان أهله فيه من التظالم ومنع الواجبات وفشو الربا وبُعد العهد من أئمة الهدى , فلم يضمن أحداً منهم بل تحرج من القرض بغير رضا أربابه مع تسويغ الشريعة له ذلك للإستعانة به على الجهاد مع الحاجة لذلك.

وما يُرْوى عن إبراهيم بن عبدالله بن الحسن (عليه السلام) حين استولى على البصرة أنه أرسل إلى عامل أبي جعفر : (هل عندك شيء ؟ فقال : لا , فقال : الله فأل الله ) فتركه , وأرسل إلى آخر ... إلى آخر الحكاية .

ولم يُضَمِّن أحداً من أولئك , وهذا مستلزم حرمته وحرمة ماله.

فإن قلت: إقراره صلى الله عليه وآله وسلم لأهل المدينة قبل تحريم الربا وقبل تحريم الخمر.

قلنا: بل المعلوم أنه عاملهم بعد تحريم ذلك وصح أنه استقرض من اليهودي ورهن درعه ومات صلى الله عليه وآله وسلم ودرعه مرهون في شعير عند أبي الشحم اليهودي , ولا شك أن أموال اليهود لا تخلوا عن ما هو من تلك المحرمات .

وأيضاً فإن علماء الدين من آل محمد المتقين وغيرهم من علماء الدين في كل عصر من أعصار الظالمين وزمان قوة شوكتهم , اكتسبوا بالتجارة والحِرَف وغيرهما إذ الأصل ما ذكرنا من أن ما في أيدي الناس ملك لهم إلا ما علمنا انه عين مغصوبة للغير وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن الحلال بين والحرام بين وبينهما شبهات, وهذه الأنواع الثلاثة باقية ما بقي التكليف , فالعامل بهذا الحديث وأمثاله يتبع الحلال البين ويجتنب الحرام البين ويستبري لدينه بترك الشبهات .

121 / 270
ع
En
A+
A-