فمَنْ أراد التخلص من حقوق المخلوقين أخرج قيمة ما بيده من الأموال مع حساب غلاتها في السنين الماضية مدت استغلالها في عمره إلى موضع صرف المظالم في العلماء والمتعلمين وفي سبيل الله في المساجد والمناهل وكل طرق البر والخير , فهذا هو المخلص له عند الله تعالى , لأن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها , وإذا علم الله من نيته الامتثال لأوامره ونواهيه والخوف منه , فسيعوضه الله في الدنيا ويكفيه مؤنته ,) ومَن يتق الله يجعل له مخرجاً * ويرزقه من حيث لا يحتسب ( [الطلاق– 2 " 3] , وقد ضمن الله تعالى برزقه , وهو على كل شيء قدير .
الجواب الثاني
الجواب أن الذي نختاره وعليه سلفنا الصالحون وغيرهم من أئمة الإسلام , أن الأصل أن ما في يد كل فرد من أفراد المسلمين وأهل الذمة فهو ملك له ويعامل فيه معاملة المالك , ولا يخرج ذلك إلا عن علم ويقين في بعض الأشخاص لتحقق ما يرفع هذا الأصل في حقه , والدليل على ذلك من وجوه:
أحدها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بُعِثَ والناس يتعاملون بالربا وبيع الخمر ونحوهما من وجوه المحرمات وظلم المستضعفين , وكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يباشر ما يباشره أهل بلده من وجوه الإكتساب والمعاملات على الوجه المطابق للدين , ويتوقّى ما خالفه مما مَنَع منه الشرع , ولم يزل على ذلك حتى توفاه الله , وكان يحكم بمقتضى ظاهر الشرع في الملك والبيع والشراء وجميع التصرفات وذلك ظاهر , ومما نقل من معاملته صلى الله عليه وآله وسلم أنه رهن درعه من يهودي في شعير , وقد أخبر الله تعالى عن اليهود بأنهم يأكلون الربا والسحت وغير ذلك من سوء تصرفاتهم , وعدم توقيهم من الحرام , ومع ذلك كانت معاملته صلى الله عليه وآله وسلم معهم على ما يقتضيه ظاهر الشرع من أن كل واحد منهم مالك لما في يده من تجارة وإجارة وهبة وهدية ونحو ذلك مما أباحه الشرع الشريف , وكان صلى الله عليه وآله وسلم يعامل أهل مكة .
الوجه الثاني: أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) كان يعامل اليهود وغيرهم ويقبل منهم العطية فيما وافق الشرع , ويتجنب الإكتساب من الوجوه التي نهى عنها الشارع كالربا , وروى في الجامع الكافي أنه (عليه السلام) كان يمدُّ ليهودي دلواً بتمرة , وأنه غرس واستخرج الارضين والغالب عليها الجور , واشترى أمهات الأولاد ونكح والدار فاسدة ولم يمنعه الفساد من الشراء , ولا قال أن له أن ينكح الإماء بدون نكاح ولا شراء لأن من هي في يده لا يملكها , وفي حديث أن علياً (عليه السلام) اشترى من يهودي دقيقاً بدينار وأنه رد عليه الدينار وقال لك الدقيق , وأنهم سألوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأحله , وليس لقائل أن يقول : إنما فعل أمير المؤمنين ذلك لكون المال مظالم والولاية إليه , لأنا نقول المعلوم من حاله (عليه السلام) في ذلك الزمان توقي المعاملة الباطلة وتحريمها وزجر الناس عن التعدي على بعضهم الآخر وأكل أموالهم بغير معاملة صحيحة وطيب نفس وكان يعظ الناس ويحذرهم من الحرام والشبه والتوصل إلى الحرام بصورة الحلال ولو كانت مظالم , لما كان لذلك الوعظ والتحذير كثير فائدة , وأيضاً هو المبين للأمة ما اختلفت فيه بعد نبيئها صلى الله عليه وآله وسلم وقد وقع التظالم في وقته وأخبر بما سيكون من بعده ولو كان ذلك يوجب منع الحكم بظاهر اليد لما جاز منه ترك البيان ولو لبعض أصحابه وخواصه منهم , ولو كان لنقل عنه بعض ما كان يكتمه من العامة , على أن مثل هذا لا يحسن منه كتمانه لعموم البلوى به , ولمَّا لم يكن منه شيء من ذلك علمنا أنه كان يعمل على ما يقتضيه الظاهر من ملك كل أحد ما في يده , وعلى ذلك كان (عليه السلام) يفتي ويقضي ويحلل ويحرم ويصحح ويبطل في جزئيات المسائل على حسب ما تدل عليه تفاصيل الأدلة الشرعية , فيحل البيع ويصححه إن طابق الواقع وأمر الشارع , ويوجب على البائع تسليم المبيع وعلى المشتري دفع الثمن , وهكذا في الاجارات وسائر المعروضات والتبرعات ويحكم ببطلان ما خالف الشرع ويوجب رد الغصب والعارية والوديعة إلى من أخذت منه ويحبس في الدين والنفقة والحقوق فلو كانت الأموال لا مالك لها لما جاز منه شيء من ذلك لأن البائع ونحوه أعطى ما لا يملك والمشتري ومن في حكمه (كالمستأجر والمرهون) يأخذ ما لا يصح له تملكه بذلك العقد , لأن البائع باع ما لا يملك , ولكان الحبس في الحقوق ظلماً لعدم القدرة على الوفاء إذ الفرض أن لا ملك له , ولأن من له الحق لا يستحق الإيفاء , لأن المأخوذ منه ليس له , إلى غير ذلك من اللوازم المترتبة على كون التظالم يصير المال مظالم لا مالك لها, فلما وجدنا الأمر بخلاف ذلك , وهو أنه كان يجري في معاملة الناس بحسب ظاهر اليد إلا فيما علمه مظلمة بعينه كاللقطة علمنا أنه كان يجري الأحكام الشرعية على الظاهر وقد صرح عنه فيما رواه عنه في الجامع الكافي ولفظه أن رجلاً أتى علياً (عليه السلام) فقال : إن لي جار يعمل بالربا يدعوني أفأجيبه ؟ قال : نعم , قال : أستقرضه ؟ قال : نعم , قال: يجيزني بالشيئ أفأقبله ؟ قال : نعم إلا أن تكون تعرف أنه مال رجل أخذه بعينه.
وكل ما ذكرناه عن أمير المؤمــنين (عليه السلام) فهو ظاهر مشهور تضمنته كتب الفقه والسير والتاريخ وغيرها وكفى به دليلاً لمن أنصف .
الوجه الثالث: إجماع الصحابة فإنهم لم يزالوا في معاملة الناس من الكفار والفجار وغيرهم مع ظهور اختلاط الحلال بالحرام والإستئثار بالأموال , وكانوا يفتون بحسب ظاهر اليد على نحو ما مر عن أمير المؤمــنين (عليه السلام) , ووقع الغلول من الغنائم وغيرها , ونهبت المدينة ثلاثة أيام في أيام يزيد لعنه الله وفي الناس بقية من الصحابة ولم يتوقوا المعاملة إلا فيما علموه حراماً بعينه , ولا قال أحد منهم أن الأموال قد صارت لا مالك لها.
الوجه الرابع: إجماع أهل البيت عليهم السلام على العمل بظاهر اليد في وجوه الإكتساب في الأزمنة التي انتشر الجور فيها واختلط فيها الحلال بالحرام , وكان الجور فيها هو الغالب , رواه في الجامع الكافي ولفظه قال الحسن بن يحيى (عليه السلام) : (أجمع آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في البيوع على أن البيع والشراء والملك جائز في كل عصر عدل أو جور , وأن التجارة والملك لا يفسده جور الجائرين , ولكن على التاجر والصانع والمالك أن يعملوا في ذلك بالحق وترك الظلم , وإتباع السنن في جميع البيع والشراء والاكتساب والملك ), وقال أيضاً ما معناه : (وأجمعوا على أن من له عقاراً أو أرضاً أو ضيعة أو غير ذلك واحتاج إلى أن يؤدي عشره أو غلته إلى من يستحقه أن ذلك لا يفسد الملك ) , ثم قال : (وأجمعوا أن البيع والشراء من أسواق المسلمين جائز ما لم يعلم غصباً بعينه , وأجمعوا على أن الدار دار هجرة , تحل مناكحة أهلها وذبائحهم وعمارة المساجد ومبايعتهم وقضاء حقوق بعضهم على بعض على ظاهر الدعوة ولا يبطل هذه الأحكام فيهم والحقوق التي لهم ولبعضهم على بعض غلبة أهل الباطل على الدار وأحكامهم فيها وتعطيل حكم الله فيها.
قال: (وعلى هذه الأمور مضى خيار آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلماءهم في وقت تعطيل الأحكام من الولاة وظهور أهل الباطل على أهل الحق ) .