وحكى القاضي عياض عن جماعة من السلف منهم أبو قلابة وسالم بن عبدالله والحكم بن عتيبة وقتادة وسليمان بن يسار وإبراهيم بن علية ومسلم بن خالد وعمر ابن عبدالعزيز في رواية عنه أنَّها غير ثابتة، واحتجوا بأنَّها مخالفةٌ لأُصُول الشريعة من وجوه هي:ـ
1ـ أنَّ البَيِنة على المُدَّعي وعلى المُنْكِر اليمين في أصل الشرع.
2ـ أنَّ اليمين لا تجوز إلاَّ على ما علمه الإنسان قطعاً بالمشاهدة الحِسِية أو ما يقوم مقامها.
3ـ أنَّ حديث سهل بن حثمة الآتي لم يثبتْ به حكمُ القسامة، وغاية ذلك أنَّها من أحكام الجاهلية، فتلطف لهم النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم ليريهم كيف بطلانها.
وأجاب مُثْبِتُوْهَا: أنَّها أصلٌ مستقلة بالتشريع لورود الأدلة بها فيخصص بها ما كان عاماً، ولا يحل طرح سنة خاصة لأجل سنة عامة، وعدم الحكم في الحديث المذكور لا يلزم منه عدم الحكم مطلقاً، فقد وُجِدَ الحكمُ في غيره من الأحاديث، وهو صلّى اللّه عليه وآله وسلم لا يعرض إلاَّ ما كان شرعاً، ودعوى أنَّ ذلك للتلطُفِ بهم وإنزالهم من حكم الجاهلية باطلة، كيف وفي حديث أبي سلمة أنَّ النبيَّ صلى اللّه عليه وآله وسلم أقرَّ القَسامة على ما كانت عليه في الجاهلية، وقولهم: أنَّ الحكم على المُدَّعِي بالبينة وعلى المنكر باليمين، هو الوارد ولكن ذلك عام وهذا
أدلَّة ثبوتها
1ـ عن سلمة بن عبدالرحمن وسليمان بن يسار عن رجل من أصحاب النبيِّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم من الأنصار أَنَّ النبيَّ صلّى اللّه عليه وآله وسلم: ((أقرَّ القَسامة على ما كانت عليه في الجاهلية)). رواه أحمد ومسلم والنسائي.
2ـ عن سهل بن أبي حثمة قال: أنطلق عبدالله بن سهل ومحيصة بن مسعود إلى خيبر وهو يومئذٍ صلح فتفرقا فأتى محيصة إلى عبدالله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلاً فدفنه، ثم قَدِمَ إلى المدينة فانطلق عبدالرحمن بن سهل ومحيصة وحويصة ابنا مسعود إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فذهب عبدالرحمن يتكلم فقال: كَبرّ،كبِرّ، وهو أحدث القوم فسكت فتكلما، قال: ((أتحلِفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم)) فقالوا: كيف نحلف ولم نشهدْ ولم نرَ! قال: فتبرئكم يهود بخمسين يميناً، فقالوا: كيف نأخذ أيمان قوم كفار، فعقله النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم من عنده. (رواه الجماعة).
3ـ وفي روايةٍ متفق عليها فقال رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((يُقْسِمُ خمسون منكم على رجل فيدفع برمته)) فقالوا: أمرٌ لم نشهده كيف نحلف؟ قال:((فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم)) قالوا: يارسول الله: قومٌ كفَّار.
4ـ وفي لفظ لأحمد فقال رسولُ اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: ((تسمُّون قاتلكم ثم تحلفون عليه خمسين يميناً ثم نسلمه)).