والثاني: أن يكون الموضوع في أحدهما هو الموضوع في الآخر من جهة المعنى.
والثالث: أن يكون المحمول في أحدهما هو المحمول في الآخر من جهة المعنى والمحمول هو الخبر، لأنه حكم به على الموضوع المخبر عنه بسلب أو إيجاب فالموضوع المبتدى عند النحويين، والمحمول هو الخبر.
والرابع: أن يكون الوقت واحداً.
والخامس: أن يكون المكان واحداً.
والسادس: أن يكون الوجه واحداً.
والسابع: أن يكون الجزء واحداً، فمتى تكاملت هذه الشروط في الخبرين كانا متناقضين متدافعين، ومتى اختل واحد منهما لم يكن بينهما تناقض ولا تدافع، وإنما اشترطنا الشرط الأول وهو أن يكون أحد الخبرين موجباً والآخر سالباً أو يكونا موجبين لأمرين ضدين، لأنهما متى لم يكونا كذلك لم يكونا متناقضين، فإن قولنا زيدٌ أبيض زيدٌ أبيض لا يكون متناقضاً، وكذلك قولنا زيدٌ ليس بأبيض زيدٌ ليس بأبيض لا يكون متناقضاً، وإنما يكون متناقضاً متى قلنا: زيد ليس بأبيض زيد أبيض، أو قلنا: زيد أبيض زيد أسود، واشترطنا الشرط الثاني، وهو أن يكون الموضوع واحداً فيهما من جهة المعنى، لأنه متى لم يكن كذلك لم يكونا متناقضين، فإن الموضوع متى كان متغايراً في اللفظ والمعنى لم يكن بينهما تناقض كقولنا زيد أبيض عمرو ليس بأبيض، أو كان متغايراً في المعنى وكان اللفظ واحداً لم يكونا متناقضين، كقولنا: الحَمَل يُذْبح ويُشْوى، الحَمَل لا يُذْبح ولا يُشْوى، فإنَّا متى قصدنا بالأول الحيوان المخصوص وهو الكبش، وقصدنا بالثاني النجم الذي في السماء لم يكن بينهما تناقض، ومثال ذلك في الشريعة: قولنا الأقراء عدة المُطَلَقَة من ذوات الحيض، فإنا متى قصدنا بالأول الحيض وبالثاني الطهر لم يكن بينهما تناقض، ولا عبرة باتحاد اللفظ، فإن المعنى متى كان واحداً وتقابلا بالسلب والإيجاب تناقضا، وإن كان اللفظ مختلفاً فإنا متى قلنا: الحَمَل يُذْبح ويُشْوَى، الكبش لا يُذْبَحُ ولا يُشْوى، وقصدنا بذلك معنى واحداً كان ذلك متناقضاً، وإن كان لفظ الموضوع مختلفاً واشترطنا أن يكون المحمول فيهما واحداً من جهة المعنى، لأنه متى لم يكن كذلك لم يكونا متناقضين، فإن المحمول متى كان متغايراً في اللفظ من جهة المعنى، لم يكن بينهما تناقض كقولنا زيد ليس بأبيض زيد كاتب، أو كان متغايراً في المعنى وكان اللفظ واحداً لم يكونا متناقضين، كقولنا العلم مختار العلم ليس بمختار، فإنا متى قصدنا بالأول أنه مفعول على وجه الإختيار، وقصدنا بالثاني أنه ليس بفاعل على الإختيار كان الكلام صحيحاً غير متناقض، ومثال ذلك من القرآن قول الله تعالى: )ومَنْ يُضْلل الله فما له من ولي من بعده(، وقوله في الشيطان: )فهو وَلِيُّهُمُ اليوم(، وكذلك قوله: )وكذلك نُوَلِّي بعضَ الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون(، فإنَّ الجاهل بالخطاب يظن هذه الآيات متناقضة، وليس كذلك، فإن لفظ المحمول وإن كان واحداً فإن المعنى مختلف فإنه تعالى إنما أراد بقوله: )فما له من ولي من بعده(، أي فما له من ناصر من بعده، وأراد بقوله في الشيطان: )فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليوم( أي والي أمرهم اليوم، أو الذي أمرهم إليهم، وكذلك قوله: )وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً(.
ثم لا عبرة بأن يكون اللفظ واحداً، فإن المعنى متى كان واحداً تناقضا، وإن كان اللفظ متغايراً فإنا متى قلنا زيد جالس، زيد ليس بقاعد، كان ذلك متناقضاً، وإن كان لفظ المحمول مختلفاً لما كان المعنى واحداً، واشترطنا أن يكون الوقت واحداً، لأنه متى لم يكن كذلك لم يكونا متناقضين كقولك زيد كان عليلاً أمس زيد ليس بعليل اليوم، ومثال ذلك من القرآن قوله تعالى: )فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون(، وقوله تعالى: )فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون(، فإن من لا خبرة له بشروط التناقض في الخطاب ولا معرفة له بمقاصد الحكيم بخطابه يظن هاتين الآيتين متناقضتين وليس الأمر كذلك، فإنهما وإن تقابلتا بالسلب والإيجاب وكان الموضوع فيهما واحداً والمحمول واحداً فليس الوقت واحداً، لأنه تعالى إنما أراد بقوله: )فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون(، أن عند النفخة الآخرة يخرج الخلق من قبورهم عراة حفاة جياعاً عطاشاً يتبعون الداعي، فكم من والدة تتعلق بولدها ليحمل عنها من ذنوبها فلا يلتفت إليها لشغله بنفسه، وبما هو فيه من الفزع الأكبر، وهذا هو الذي عناه الله تعالى بقوله: )يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرء منهم يومئذ شأن يغنيه( فإذا قضى الجبار بين الخلائق وصاروا فريقين فريق في الجنة وفريق في السعير أقبل بعضهم حينئذ على بعض يتساءلون في الجنة والنار فلم يكن بين الآيتين تناقض لاختلاف الوقتين.
وكذلك قوله تعالى: )ثم إنَّكُم يوم القيامة عند ربِّكُم تَخْتصمون(، وقوله تعالى: )هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون( فإن الجاهل بمقاصد الخطاب في كلام الله تعالى يظنهما متناقضين، وليس الأمر كذلك، فإن الوقت متغاير، فإنهم أولاً يختصمون في الموضع الذي لا حكم فيه إلا لله سبحانه، فإذا ظهرت الحجة على المبطلين ختم الله على أفواههم فلا ينطقون حينئذ ولا يؤذن لهم فيعتذرون، بل تشهد عليهم جوارحهم فتنطق بما كانوا يكسبون، وأشباه ذلك كثير، واشترطنا أن يكون المكان واحداً لأنه متى لم يكن كذلك لم يكن بينهما تناقض كقولنا: زيد كريم في بيته، زيد ليس بكريم في السوق، ومثاله: الصلاة واجبة الصلاة في الدار المغصوبة ليست بواجبة ولا جائزة، واشترطنا أن يكون الوجه واحداً لأنه متى لم يكن كذلك لم يكونا متناقضين كقولنا: السجود لله واجب، السجود للصنم ليس بواجب ولا جائز، ومثال ذلك من الكتاب قوله تعالى: )وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم(، وقوله تعالى بعد ذلك: )وليستعففِ الذين لا يجدون نِكَاحاً حتى يغنيهم الله من فضله(، فإن هاتين الآيتين غير متناقضتين لاختلاف الوجه فيهما، لأنه أراد بالأولى أن النكاح أولى لمن وجد إليه سبيلا وإن كان فقيراً، وأراد بالثانية أن من لم يجد إلى النكاح سبيلاً بأن لم يجد ما يتزوج به أو من يتزوجها فإن الواجب عليه أن يستعفف حتى يغنيه الله من فضله.
واشترطنا أن يكون الجزء واحداً لأن الجزء متى كان متغايراً لم يكونا متناقضين كقولنا: الزنجي أسود الزنجي ليس بأسود، فإنا متى قصدنا بالأول أنه أسود البشرة، وقصدنا بالثاني أنه أسود العين كان كلاماً صحيحاً غير متناقض، ومثاله من السنة قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((من نام عن صلاته أو نسيها فوقتها حين يذكرها))، وما روي من نهيه عن الصلاة في بعض الأوقات، فإن الخبرين غير متناقضين لتغاير الجزء فيهما، فإنه إنما قصد في الأول بعض الصلوات وهي الفوائت من الفرائض، وقصد بالثاني بعضها وهي النوافل، فإذا عرفت هذه عرفت أنما تكاملت فيه الشروط المذكورة في الكلام كان متناقضاً، وما لم تتكامل فيه لم يكن متناقضاً، وتدبرت كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وتدبرت شروط البدا وشروط التناقض، علمت علماً قاطعاً أن الكتاب العزيز والسنة النبوية محروسان عن التناقض منزهان عن التنافي والتعارض، لأنه كلام الحكيم سبحانه تعالى عما يقول المبطلون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين.
وقد لخصت هذا المبحث القويم وهذبته طلباً للفائدة، وأصله للشيخ الحسن بن محمد الرصاص رحمه الله، فقمت بتهذيب عبارته وتنقيح بعض أمثلته، والله الهادي والموفق، وحرر ليلة الخميس/2/ربيع الآخر/1420هـ.