وقال السيدان الهارونيان وأبو عبد الله الداعي وجماعة من أهل البيت عليهم السلام: أن إرادة الله حادثة لا في محل , فلما بطل أن يكون مريداً لذاته وبإرادة أزلية أو قديمة لما يؤدي إليه من أن يكون مريداً لجميع المرادات والجمع بين أضدادها من القبائح وغيرها وأن يوجد أفعاله دفعة واحدة لأنه قد أرادها جميعاً وبطلان أن تكون الإرادة المحدثة في محل إذ يكون المريد غيره تعالى وبطل قول المطرفية إذ مقصودهم بالإرادات الضرورية التي لا تحصى هي القوى الثابتة بعالم العقول والطبيعة عند الفلاسفة والكائنة لعالم النور والظلمة عند المجوس وعبروا بالعلة عن الله تعالى الله عما يقولون علوّاً كبيراً لَمْ يبق إلا أنه مريد بإرادة محدثة لا في محل , وبقي القول في كيفية حدوثها لا في محل حقيقة أو مجازاً تستحيل الحقيقة إذ الإرادة الضمير ولا يوجد إلا في شبح فلم يبق إلا أن يكون ذلك مجاز تعبيراً وتشبيهاً عندهم لإرادة الباري بإرادة الشاهد فإنه ليس بين إرادته ومراده واسطة كما أنه ليس بين المخلوق وإرادته واسطة بل إرادة الباري تعالى أسرع وأقرب )إنما أمْرُهُ إذا أرادَ شيئاً أن يقولَ له كُنْ فيكون( [يس – 82] , فمراد من يقول أن إرادة الله محدثة لا في محل تجوزاً هو كقول من يقول إرادته مراده تجوزاً  انتهى كلام الإمام (عليه السلام) .

والى هنا انتهى المراد , وإن كان الكلام قد طال فالمقام يقتضيه , وهذه المسألة مما يجب فيها التثبت وإمعان النظر , نسأل الله الإستقامة والسداد , والكون في زمرة سفن النجاة , وصلى الله على محمد وآله آمين.

القسم الثاني

بسم الله الرحمن الرحيم

القسم الثاني

مبحث في البداء

مبحث في البداء

اعلم وفقك الله: أن الجهل بشروط التناقض والتعارض في الخطاب هو السبب في خطا كثير من الفرق الإسلامية وهو السبب لكثير من الضلالات التي اعتقدها أهل الجهالات من أهل الملل الكفرية أداهم ذلك إلى القول بأن القرآن الكريم والسنة النبوية متناقضات متعارضات ينافي بعضها بعضاً، ويدفع بعضها في وجه البعض، ولسبب ذلك قال فريق من منتحلي الإسلام: أنه لا يمكن الإستدلال بالقرآن الكريم على حكم من الأحكام، وأنه يجب التصديق به فقط دون فهم معانيه، وأنه لا يعلم تأويله إلا الله، ولسبب ذلك جنح فريق إلى حمل آيات القرآن وأخبار السنة على ظواهرها من غير حمل بعضها على بعض.

 وقالوا: لا تجمع الأدلة على طريقة التأويل وإن كانت متناقضة متدافعة متى أجريت على ظاهرها، وإنما يقولون يجب التصديق بجميعها ولا نتأولها ولا نرد بعضها إلى بعض، فمتى كان الجهل بشروط التعارض والتناقض في الخطاب مؤدياً إلى أمثال هذه الجهالات وسبباً لهذه الضلالات وجب معرفة تلك الشروط، ليعرف حينئذ أنه لا تناقض ولا تدافع فيهما، لأن الكتاب العزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، وأن السنة كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو رسول صادق لا ينطق عن الهوى، ولا يقول إلا حقاً، ونحن مبينون في هذا المبحث الغرض المقصود بعون الملك المعبود.

 فأول ما نقول به: أن التناقض قد يدخل في الأوامر والنواهي، وقد يدخل في الأخبار، فأما التناقض في الأوامر والنواهي فشروطه هي شروط البدا وهي معرفة اتحاد الآمر والناهي واتحاد المأمور المنهي، والفعل الذي تعلق به الأمر والنهي، والوجه الذي يقع عليه وزمانه إن كان، ومكانه والقوة، فالآمر الناهي نحو السيد، والمأمور المنهي نحو العبد، والفعل المأمور به نحو الأمر بصلاة ركعتين، والزمان نحو أول وقت الظهر، والمكان نحو المسجد، والقوة قيل قدرة العبد وقيل القوة، نحو قولك الماء في البئر مروٍ ومطهر، الماء في البئر غير مروٍ ولا مطهر، فإن أردت بالأول أنه مروٍ ومطهر بالقوة أي به صلاحية الروى والتطهير، وبالثاني أنه ليس بمروٍ ولا بمطهر بالفعل لكونه في البئر فلا يكون تناقضاً، وليس ببدا، فإذا اختل شرطٌ من الشروط فليس ببدا.

 وأما التناقض في الأخبار فشروطه سبعة:

 أحدها: أن يكون أحد الخبرين موجباً والثاني سالباً، أو يكونا موجبين لأمرين ضدين.

110 / 270
ع
En
A+
A-