وأمَّا الطرف الثالث وما يتصل به: فقياس الباري عزَّ و جلَّ على الجوهر الثابت الذي لا يحل عندهم فليس مرادهم إلا مثال غير الملتزم بالملتزم ذاتاً وصفة عند الفلاسفة لا في نفس الواقع فهو كالإيصال بالتمثيل والاستدلال للتفهيم لا للإدراك والتوهم فلا جامع عند أهل الحق بين الله تعالى والجواهر والأعراض في شيء فلا يدرك الله تعالى بالوجدان ولا بالحواس ولا يقاس بالناس , ولا تنتظمه الأنواع والأجناس بل طريق معرفته وإثبات صفاته آثار صنعته لا القياس على الجوهر كما تحكيه كتبهم , قال الله تعالى : )ولا يحيطون به علماً( [طه – 110] , وقال الوصي (عليه السلام) : ما تصوره الوهم فالله بخلافه , وعذر المعتزلة في هذا ونحوه ما ذكرنا من ظهور الفلاسفة في عصرهم وتظاهرهم بأقوالهم.

وأما الطرف الرابع وما يتصل به وما يترتب عليه: هو قولهم أن قدرة القادر بذاته غير منحصرة بخلاف قدرة القادر بقدرة فمنحصرة فمرادهم أن الباري تعالى لا ينحصر ما يقدر عليه في الوقت الواحد من متعلقات القدرة التي لا تنافي الحكمة على معنى لا تنتهي إلى حال إلا وتقدر على أزيد منه فلذلك استحال المنع عليه تعالى , وقالوا إنتفاء الثاني واستحال انتهى الثواب والعقاب وأما مقدور القادر بقدرة فمتناه من جهة أنه لا يقدر في الوقت الواحد إلا على جزء ومن حيث أن قدرته قد تقدمها القدم والممكن منه كذلك لأنه جواهر وأعراض لا العلم به , والله تعالى عالم بما كان وبما سيكون كيف يكون , وعلمه لا يوجب وجود المعلوم , والفعل يتزايد والترك لا يتزايد عندهم , إذا عرفت هذا فكيف يكون الممكن قديماً ؟ وكيف يكون المنتهى غير متناه ؟ وكيف يكون النفي الممتنع ثابتاً ؟ وكيف يكون الترك متزايداً ؟ وكيف يكون العلم للمعلوم موجباً ؟ وكيف يكون قادراً من لا يقدر إلا على إيجاد الصفة الوجودية ؟ لا يقال إيجاد الموجود محال وهل هذا إلا قول الفلاسفة القائلين بوحدة الوجود ؟ وأن العالم لا يختلف إلا بإختلاف الصور وحاشاهم ليس قصدهم إلا أن قدرة الباري لا تتعلق إلا بالمتميز المعلوم ولا يكون تعلقها تبخيتاً وخبطا كما تقوله الفلاسفة في مؤثر العلة والعقول وتكون فائدة القول بالثبوت والإيجاد في وقت دون وقت نفى الايجاب والمقارنة والعلم منا بثبوت الاختيار الدالة عليه الآثار والحاصل أن كل واحد من الفلاسفة والمعتزلة قانص للآخر ولو بشبكة في حله أو حرمه أما الملحد فإباحي وأما الموحد فقيل ناف للاختيار تقرباً لحتفه ولو بسيفه ودستور الباب أن كل شبهة باطلة أو مرجوحة مخالفة للمعلوم مخرجة لقائلها عن الحق بخلاف المحمل القوي فلا يخرج قائله عن حكم الحق , ولهذا كفرت العدلية الفلاسفة والباطنية والمطرفية والمجبرة والمشبهة دون المعتزلة , ومن لم يصرح بالحق ولا لوَّح بما يلاشي قوله ولا قبل قوله التأويل الصحيح بل صمم وتمَنَعَّ لَحِقَ بذويه وحاشا المعتزلة عن هذا .

وأما الطرف الخامس وما يتصل به: من قول المعتزلة بإثبات المعاني الموجبة في الشاهد صفة للمحل والجملة مما يوجب عبارات راجعة إلى الموصوف أو إلى الخلاف بين النحاة في فنهم واصطلاحهم وبين المناطقة في فنهم واصطلاحهم , هل أجزاء الكلام عند الأول أو أجزاء القضية عند الثاني ثلاثة أو أربعة ؟ الرابع الضمير عند النحاه والرابطة عند المناطقة فلا محل ولا جملة للباري , وفي الغايب الذات والسبب والصفة الأخص كالمقتضى تعبيراً لفظياً ومواضعه كما عرفت من تلون الفلاسفة والتمثيل بالملتزم لإيضاح غير الملتزم.

وأما الطرف السادس وما يتصل به: وهو القول بحدوث إرادة الباري لا في محل , وتجدد الإدراك , وإدراك اللذة والألم بغير حاسة فنقول اتفق أهل القبلة أن الله تعالى مريد لجميع أفعاله الضارة والنافعة لضرب من الصلاح بعد بطلان قول المطرفية بنفي إضافة الضرر إلى الله جهلاًُ منهم بالحكمة , واتفق المسلمون أنه تعالى مريد للطاعة من عبادة والبر عليهم وكاره لمعاصيهم وما لا يدخل تحت مقدورهم , قال تعالى بعد ذكر المعاصي: )كُلُّ ذلك كان سَيِّئُهُ عندَ ربِّك مكروهاً( [الإسراء – 38] , وقال الله تعالى :)  يُرِيد اللهُ بِكُمُ اليُسرَ ولا يُريد بِكُمُ العُسرَ( [البقرة – 185] , وبعد بطلان قول من يقول بجواز التكليف بما لا يطاق والعقل والنقل دالان على جميع ما ذكرنا , ثم اختلفوا فقيل إرادة الله إيجاده لأفعاله وهو غير ساهٍ عنها ولا مغلوب بلا ضمائر ونيات نظراً منهم إلى ثبوت اللغة لأنه يقال في المراد هذا إرادتي أي مرادي , قال الله تعالى: )هذا خَلْقُ الله( [لقمان – 11] أي مخلوقه ويقال في المكروه هذه كراهتي أي مكروهي , ويستحيل الضمير في حقه إذ لا يكون إلا حالّ تعالى الله عن ذلك , ومثل هذا القول قول من يقول أن مراد الله تعالى علمه بما يشتمل عليه الفعل من مصلحه أو مفسدة من دون أمر زائدٍ على الوجه المرضي يوجد الفعل لأجله أو يعدمه فهو تعالى مريد لا بإرادة زائدة على علمه بذلك فإطلاق العلم على الإرادة مجاز.

 والأول هو قول الإمام القاسم بن إبراهيم (عليه السلام) والبغدادية من المعتزلة وربما دل عليه قول الإمام الهادي يحيى بن الحسين (عليه السلام) .

قلت: بل هو صريح قوله ذلك معلوم .

وقالت الكلابية: مريد بإرادة أزليه .

 وقالت النجارية: أنه مريد لذاته .

 وقالت الاشعريه: أنه مريد بإرادة قديمة .

 وقالت المطرفية : أن لله تعالى إراده ضرورية لا تحصى موجودة لا في محل وينكرون أن لله إرادة محدثة .

109 / 270
ع
En
A+
A-