قالوا أن الدليل على إثبات الصانع إنما يدل عليه جملة ثم يحتاجون إلى إثبات الصفات لا مؤكدة ومؤيدة .

 فقالت الفلاسفة: علمكم بأنه قادر عالم بذاته , وكان يجب أن تعلموا صفاته , وإن كان قادراً عالماً لغيره لزمكم أن تكون صفات أغيار له .

فقالوا الصفات أحوال ومزايا , فَعِلْمُنا بأنه قادر عِلْمٌ بأنه ذات يصح منها الفعل وكذلك سائر الصفات .

والصحيح أن الدليل الدال على إثبات الصانع دال على صفاته , فمن لم يعرف الصانع بصفاته لم يعرفه , كما حكاه العنسي عن الأئمة عليهم السلام .

والمعتزلة لا يقولون بذلك بل عندهم أنه يصح أن يعلم أن الله أوجد العالم وصنعه قبل أن يعلم أن الله موجود قادر عالم كما تقدم في كلام العنسي .

قال الإمام (عليه السلام) : قلت ويلزم الفلاسفة أتباع الحكماء ما ألزموا به الموحدين أتباع المنطق وهي أن العلة أثرت في العقل الأول المؤثر في إمكان وجوده من باريه ومؤثره , وصحة وجود إمكان وجود المؤثر لزوماً طبيعياً للمؤثر وعقله لمؤثره , فقد وصفوا علتهم وباريهم بالفرد لفظاً وظمناً , لا محالة بأن جعلوا العلَّة مؤثرة وملزومة ومعقولة وتأثيراً للأشرف في أشرف , فإن قالوا أن الصفة غير الموصوف , لزم تكثير الآلهة والعلل وفات ما راموه من الوحدة وعدم وصفها بشيئ من صفات الإثبات على أصلهم .

وإن قالوا صفاتها ذاتها وافقوا الموحدين .

وإن قالوا لا توصف ناقضوا وخرجوا عن حكم العقل , إذ يحكم العقل حكماً ضرورياً أولياً أن الجماد الموجود لا يؤثر في إحداث حي ولا ميت فضلاً عن المعتبر المعدوم والقول بذلك سفسطة والسفسطي خارج من ديوان الحكماء .

وأمَّا الطرف الثاني وما يتصل به: فالثبوت الممكن عند المعتزلة أعم من الوجود فالثابت هو الحاصل على الفرق المعلوم , والموجود الثابت الكائن والمعدوم ما ليس بثابت ولا كائن, والحاصل أنهم قسموا الثابت إلى حاصل وموجود , الأول المعدوم المتميز , والثاني الكائن, وقسموا المعدوم إلى متميز وغير متميز , فالأول العدم الممكن , والثاني النفي المحض الممتنع لا كما ذكره السمرقندي انه كقول الفلاسفة لحصول مقطعة الاتصال في الثابت دون الموجود القديم , فالمعتزلة لا تقول أن النفي المحض الممتنع ثابت , وليس الثبوت حقيقة إلا علم وتمييز فلا يثبت به جميع أحكام الوجود , انظر إلى جعلهم الممكن من قسمي العدم ويكشف عن الثبوت الوجود وخبر الصادق وإعدام الموجود فالأول كالعالم والثاني كالبعث والحشر والعقاب والثواب والجنة والنار , والثالث إعدام الفعل الماضي فهو معلوم ثابت معدوم , والمعلوم المتميز كقيام زيد أمس يكون مماثلاً لقيامه اليوم ومخالفاً لقعوده , أفليس الممكن على حد ثبوت الواجب الوجود.

والعلم بذات الباري على انفرادها المراد به علم بوجودها للعلم بوجود صفاته الذاتية والفعلية على قدر القدرة البشرية لا الإنفراد المحسوس فلا يحاط بذاته علماً , ومما يتصل بذلك قول أبي هاشم (( أن الله لا يعلم من ذاته إلا ما يعلم أبو هاشم )) فإنه يعلم من ذاته أنه ليس كمثله شيء , والموحد يعلم ذلك , وإن اختلف العِلْمان فالله عالم لذاته وأبو هاشم مُعْلَم لا عالم على الحقيقة , وتكون فائدة هذه العبارة التي تنبوا عنها الأسماع وينفر عنها الفطرة والطباع , القول بأن الله تعالى مفارق لمخلوقاته بذاته إذ الحال والمزية تفرقة لغويه كما تقدم ورد على من يقول أن لله تعالى ماهية يختص بعلمها .

108 / 270
ع
En
A+
A-