وقولهم: في إدراك الباري سبحانه بأنه أمر زائد على علمه متجدد , مثل إدراك المخلوقين إدراكاً حقيقياً قياساً على إدراكنا , لأن أحدنا قد يدرك ما لا يعلم ويعلم ما لا يدرك , كَلَوْ غمض عينيه ثم إذا فتح حتى أنه (أي الباري جلَّ وعلا) يدرك الألم واللذة إلا أن إدراكه لها جميعاً بغير حاسّة .
وقولهم: في الإرادة أنه تعالى مريد بإرادة وكاره بكراهة , وأن تلك الإرادة والكراهة محدثة لا في محل .
وغير ذلك من المسائل المخالفة للحق القاضية بجهلهم بالله تعالى , ونسبة صفات النقص والجور إليه .إنتهى .
وخلاصة مقال هذا المحقق أن المعتزلة قد أخطأت في هذه المقالات , وأنهم لاحقون بالفرق الضالة من المجبرة والمشبهة.
هذا وقد بالغ هذا القائل عفا الله عنه في التجني على المعتزلة , وقد حمل أكثر أئمتنا عليهم السلام المعتزلة على السلامة.
قال الإمام القاسم بن محمد (عليه السلام) في الأساس: ( فإن قيل فهل يكفرون بهذه المقالات الباطلة كالمجبرة ؟ قلت : لا لأنهم لم يثبتوا شيئاً محققاً يكون الله مضطراً بسببه أو محتاجاً إليه تحقيقاً لتلاشي ذلك كما مر , ولأنهم لم يجهلوا بالله تعالى , ولم يتعمدوا سب الله , وإنما أخطأوا حيث لم ينتبهوا لذلك اللازم الذي لزمهم , ومن لم يتعمد سب الله فلا إثم عليه لقوله تعالى: )وليس عليكم جناح ٌفيما أخطأتم به ( [الأحزاب – 5] ولم يفصل , أهـ.
ولأن الإكفار والتفسيق لا يجوزان إلا بقاطع , ولا قاطع في حق المعتزلة لحمل أقوالهم على محامل صحيحة.
وقد أجاب الإمام المتوكل على الله المحسن بن أحمد رحمه الله عن هذا الكلام الذي أسلفناه بما لفظه أو معناه : وأقول لا قاطع هنا مع الإحتمال بصحة المقال , وكيف يثبت القاطع مع التصريح من المعتزلة بأن المراد بالمزايا والأحوال التفرقة اللغوية كما ذكره القاضي جعفر صريحاً, ألا تراهم يقولون: (( أن لله مزايا وأحوالاً لا يصح أن يقال أنها شيء ولا لا شيئ)) , فصرحوا ولمحوا بأن المراد بالمزايا والأحوال التفرقة , وهي أن حالة الموجود تخالف حالة المعدوم, والأول الذي لا أول لوجوده مفارق لمن سبقه العدم أو تقدمه غيره , والقادر الذي وجد منه الفعل مفارق لمن لم يوجد منه , والحي مفارق للميت , والعالم الذي صح منه الفعل المحكم مفارق لمن لم يصح منه ذلك , وكذلك السميع والبصير وسامع ومبصر على اختلاف في المرجع من دون إثبات شيء زائد على الذات حقيقة من الصفات القديمة التي أثبتتها الأشعرية , والقوى التي أثبتتها الفلاسفة والمجوس لعالم العقول والطبيعة , ولعالم الظلمة والنور قوى آثار العلة عندهم , فالمزايا والأحوال عند المعتزلة هي التفرقة اللغوية , إذ لو لم يكن بين الموجود والمعدوم والقديم والمحدث , والقادر وغير القادر والعالم وغير العالم , وكذلك سائر الصفات فرق لاستوت , وإذا استوت اشتركت , وكان حال من قدر كحال من لم يقدر ونحوه.
وقد سلك هذه الطريقة من آل محمد عليهم السلام الإمام المؤيد بالله وأخوه الإمام أبو طالب عليهما السلام في كتاب الزيادات والمبادئ والتبصرة , فأي إشكال وطعن يتجه ممن عرف مقصدهم , وإنما يقع ذلك ممن لم يعرف عرفهم ومقصدهم , وهم الذين يطلقون الحال والمزية والصفة على الوصف الذي يوصف به الجسم ويحله , فرتبوا الايرادات على ما هو عندهم لا على عرف ذي الحال والمزيه .
وعذر المعتزلة ظهور الفلاسفة وتظاهرهم بأقوالهم في عصرهم بخلاف العصر الأول فلم يظهر على قواعد التوحيد تشكيكات الملحدة , ومنشأ التشكيك في هذه على أصول المعتزلة .