ثم أنَّهم سموا هذه الأحوال صفاتاً وأموراً ووصفوها بالزيادة على الذات وبأنها أزلية وبأن بعضها مقتضٍ وبعضها مُقْتضى وكل هذا يقضي بأنها معلومة عندهم إذ ثبوت هذه الأشياء لغير معلوم محال .

وأيضاً فإنهم مايزوا بينها في التسمية فيلزم تمايز معانيها فقد لزمهم تميزها عن غيرها وتميز بعضها عن بعض , وهذا هو الذي فروا منه .

ثم أنه يقال لهم ما الذي تعنونه بقولكم أن الأحوال لا تعلم بإنفرادها وإنما الذات عليها تعلم ؟

أتعنون لا تتصور إلا مضافة إلى الذات ومنسوبة إليها , كذلك المعاني فان علم زيد لا يتصور إلا مضافاً إليه , لأن العلم من حيث هو لا يعقل إلا منتسباً إلى من يعلم فأي فرق بين المعاني والأحوال بهذا الاعتبار وإن أردتم معنى غير هذا فبينوه لنا فإنا لم نفهم ما هو الذي تعنونه غير ما حررناه .

وفي كلام لبعض العارفين قال ما لفظه:

فإن قيل: قد ثبت بالأدلة القاطعة بطلان أقوال المعتزلة وفساد عقائدهم في معرفة الله وصفاته , وصحة أقوال أئمة أهل البيت عليهم السلام في ذلك بالأدلة القاطعة والبراهين الواضحة وقد علم أن الحق في ذلك مع واحد , وسمع قول الله تعالى: )فماذا بعد الحق إلاّ الضلال( [يونس – 32] , والمخطئ في معرفة الله غير معذور , وإلا لعذر المجبرة والمشبهة وسائر فرق الكفر من الدهرية والمنجمة وغيرهم.

وأمَّا أنَّهُم لم يثبتوا شيئاً محققاً لتلاشيه , فإنما هو متلاش عند أئمة أهل البيت عليهم السلام ومن تبعهم من أهل الحق .

فأما عند المعتزلة وفي عقيدتهم فقد قطعوا وجزموا بأن ذات الباري سبحانه مشاركة لسائر الذوات في الذاتية وفي العلم بها على انفرادها , وأن صفاته مشاركة لسائر الصفات في كونها أموراً زائدة على الذات , وأنه تعالى لم يخالف مخالفه إلا بصفته الأخص على قول أبي هاشم ومن تابعه , أو بوجوب صفاته الأربع في حقه تعالى دون غيره فإنها جائزة في حقه على قول أبي علي ومن تابعه , مع تصريح البهشمية بالإقتضاء والإيجاب , وأن الباري لا يستحق صفة لذاته غير الصفة الأخص , وأن من لم يعلمها فهو جاهل بالله تعالى وكافر به.

وقولهم في الصفة الأخص أنها لا شيء ولا لا شيء ...إلى آخر ما ذكروه فيها لا ينقض ما جزموا به من أن صفاته تعالى مقتضاة عنها , ومع قطعهم وجزمهم أن ذوات العالم وأصوله ثابتة في الأزل على حد ثبوت الله تعالى وأنها مشاركة له سبحانه في ذلك.

وقولهم بأنها ثابتة هي وصفاتها الذاتية من صفات الأجناس لا بتأثير الله سبحانه ولا غيره من فاعل أو علة وإنما هو لذاتها وأنها متميزة في حال عدمها بالمماثلة لما ماثلها والمخالفة لما خالفها , وأنه ليس لله تأثير إلا في صفة إيجاده لها فقط مع كون الوجود الذي هو صفة لها غير معلوم لله سبحانه وتعالى عندهم كما سبق ذكره في غير موضع .

105 / 270
ع
En
A+
A-