وأمَّا المعتزلة فهم رجال العدل والتوحيد , وقد حلّقوا في التحقيق والتدقيق , لولا ما شاب كلامهم من الغلو ومجاوزة الحد وتقصيرهم في حق أمير المؤمنين (عليه السلام) تقصيراً فتَّ في عضد تحقيقهم , وقد نقم عليهم بعض أئمتنا بعض الأقوال التي أطلقوها على الله تعالى ,وللإمام (عليه السلام) في شرح الأصول الخمسة كلامٌ ألزمت المعتزلة الأشعرية به فألزمنا المعتزلة بمثل ما ألزمت الأشعرية مثبتي المعاني , قال رحمه الله :
فان قيل ما أنكرتم أن هذه المعاني صفات والصفات لا توصف بالوجود ولا بالعدم ولا بالحدوث ولا بالقدم قلنا هذه مناقضة ظاهرة من وجوه:
أحدها: أنه قد ثبت وصفها بأنها معاني بل سَمَّيَتها علماً وقدرةً وحياةً .
والثاني: أنك وصفتها بأنها صفات .
والثالث: أنك وصفتها بأنها لا توصف فقد نقضت كلامك من هذه الوجوه .
ولقائل أن يقول كلام المعتزلة يعود عليها لأنهم قالوا في الأمور هي صفات ويصفونها بأنها زوائد على الذات , وبأن بعضها مقتض وبعضها مقتضى , وبأنها أزلية ويسمونها علما وقدرة وحياة ويقولون أنها لا توصف فقد نقضوا كلامهم فما ألزموا به الأشعرية لزمهم .
قال الإمام (عليه السلام) : فإن قيل هذه المعاني عندنا كالأحوال عندكم وكما أن القسمة لا تدخل في الأحوال عندكم فكذلك لا تدخل عندنا في هذه المعاني.
قلنا: أنَّ هذه المعاني معلومة عندكم فيدخلها قسمة المعلومات وليس كذلك الأحوال فإنها عندنا غير معلومة بإنفرادها وإنما الذات عليها تعلم ففارق أحدهما الآخر , والذي يدل على أن الأحوال لا تعلم أنها لو علمت لتميزت عن غيرها بأحوال أخر والكلام في تلك الأحوال كالكلام فيها فيتسلسل إلى ما لا نهاية له من الأحوال وذلك محال , أهـ.
ويعني بالقسمة التي أشار إليها ما قاله قبل ذلك ((لو كان تعالى عالماً بعلم لكان لا يخلو إما أن يكون معلوماً أو لا يكون معلوماً , فإن لم يكن معلوماً لم يجز إثباته لأن إثبات ما لا يعلم يفتح باب الجهالات , وان كان معلوماً فلا يخلو إمّا أن يكون معدوماً أو موجوداً , لا يجوز أن يكون معدوماً , وإن كان موجوداً فلا يخلو أن يكون قديماً أو محدثاً والأقسام كلها باطلة )).
ولقائل أن يقول أن المعتزلة لم يتخلصوا بهذا التقسيم من لزوم اللوازم , أما قوله أن الأحوال غير معلومة بانفرادها وإنما الذات عليها تعلم فأول ما فيه أنها إذا لم تعلم فقد أثبتوا ما لم يعلم , وذلك بفتح باب الجهالات ولا ينفعهم قولهم أن الذات عليها تعلم فإن ما لا يعلم في نفسه كيف يعلم به غيره.