ثم بعد ذلك مرة بعد مرة امتحن القوم فيها أنواع المحن، مرة بحلق الرأس، ومرة بمواعد الخلوات، ومرة بموافاة الأماكن، كل ذلك يفى القوم بوعدهم، فوالله يا أخا يهود، ما منعني منها إلا الذي منعني من أختها قبلها، ورأيت الابقاء على ما بقى من الطائفة أنهج لي، وأنس لقلبي من فنائها، وعلمت أني إن حملتها على ركوب الموت ركبته، فأما هنيتي فقد علم من حضر ممن يرى وممن غاب من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أن الموت عندي بمنزلة الشربة الباردة في اليوم الشديد الحر من ذي العطش.

وقد كنت عاهدت الله ورسوله، وعمي حمزة، وأخي جعفر، وابن عمي عبيدة ابن الحرث، على أمر وفينا به لله ولرسوله، فقدمني أصحابي وتخلفت بعدهم لما أراد الله، فأنزل الله تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} أنا والله يا أخا اليهود المنتظر، وما بدلت تبديلا، وماسكنني من ابن عفان وحثني على الإمساك إلا أني عرفت من أخلاقه فيما خبرت عنه مالم يدعه حتى يستدعي الأباعد إلى قتله وخلعه، فضلاً عن الأقارب عزله، فصبرت حتى كان ذلك لم أنطق فيه بحرف من لا ولا نعم.

ثم أتاني بالأمر[64] وأنا بعلم الله له كاره لمعرفتي بمايطمعون من اتقاد الأموال، والمرح في أرض الله، وعلمته بأن تلك ليست لهم عندي وشديد عادة  منتزعه، فلما لم يجدوها عندي تعللوا الأعاليل. ثم التفت إلى أصحابه فقال: أليس ذلك؟

قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

قال: وأما الخامسة يا أخا يهود، فإن المنافقين لم يطمعوا في تلك مني وثبوا بالمرأة علي، وأنا ولي أمرها والوصي عليها، فحملوها على الجمل وشدوها على الرحل،  أقبلوا بها تخبط الفيافي وتقطع البوادي، وتنبحها كلاب الحوب، فتظهر لها علامات الندم في كل ساعة، وعند كل حالة في عصبه قد بايعوني ثانية بعد بيعتهم لي عامة أولاً في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله، وأتت أهل بلدة طويلة لحائها، قليلة عقولها، عرية أوزارها حبارى يخبطون بسيوفهم، ويخرقون بسهامهم، بغير علم فوقعت من أمرهم على اثنتين كلتاهما في محلة المكروه، إن كففت لم يرجعوا ولم يقلعوا إن قدمت، كنت قد صرت إلى الذي كنت كرهت فقدمت الحجة بالأعذار والإنذار، ودعوت المرأة بالرجوع إلى بيتها، والقوم الذين حملوها إلى الوفاء ببيعتهم لنقضهم عهدها، وأعطيتهم من نفسي كل الذي قدرت عليه منها، وناظره بعضهم فرجع وذكرته فذكر.

ثم أقبلت على الناس لمثل ذلك فلم يزدادوا إلا جهلاً وتمادياً وغياً.

فلما أتوا إلهي ركبتها منهم فكانت عليهم الدائرة، وبهم الهزيمة والحسرة، وفيهم القتل والفل، وحملت نفسي على التي لم أجد منها بداً، ولم يسعني منها أن تقلدت الأمر، وأظهرته آخراً مثل الذي وسعني منه أولاً، من الإغضاء والإمساك، إن أمسكت كنت مغنياً لهم بإمساكي على ما صاروا إليه، وطمعوا فيه من تناول الأطراف وسفك الدماء ، قتل الرعية، وبحكم النواقض العقول والنواقض الحظوظ على الرجال كعادة بني الأصفر، ومن مضى من ملوك سبأ والأمم الخالية، فأصير  إلى ما كرهت أولاً، وقد أهملت المرأة وجندها ففعلوا ماوصفت وذهب بين الوقتين، وألقى ما قدرت ولم أهجم على الأمر إلابعد أن قدمت  وتأخرت، وتأنيت وأرسلت، وشاورت  وأعذرت، وأنذرت وأعطيت  القوم كل ما التمسوه، وبعد أن عرضت عليهم كل شيء لم يلمسوه مالم يخرج من الدين، فلما أبو إلا تلك أقدمت فبلغ الله فيهم ما أراد، وكان عليهم بماكان مني إليهم شهيداً، ثم ثم التفت إلى أصحابه فقال أليس كذلك؟

قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.

قال: وأما السادسة يا أخا يهود فبحكم الحكمين، ومحاربة ابن آكلة الأكباد لي وهو طليق بن طليق، معاند الله والمؤمنين مذ بعث الله محمداً صلى الله عليه وآله إلى أن  فتح الله علينا مكة عنوة، فأخذت بيعته وبيعة أبيه لي فيمن معه في ذلك اليوم، وفي ثلاثة مواطن بعده، وأبوه بالأمس أول من بايعني، وسلم علي بأمره المؤمنين، ويحضني على النهوض في أخذ حفي من الماضين قبلي، ويجدد بيعته كلما أتاني، فوثب علي لما لم يطمع في أموال المسلمين والتحكيم عليهم، ليستديم قليل مابقى مما يفوته من كثير ما يبقى، وأعجب العجب أنه لما رأى أن الله قدرد علي حقي وأمره في معدنه عندي فانقطع [65] طمعه أن يطمع في دين الله، واقتات في أمانته التي حملناها حاكماً كراً على العاص بن بالعاص بالطمع إليه فمال إليه، ثم أقبل بعد أن اطمعه خطر وحرم عليه أن يأخذ من الفيء درهماً فوق قسمه، وعلى الداعي إيصال درهم إليه فوق حقه، والإغضاء له على أخذه، فأقبل يخبط البلاد بالظلم ويطاؤها بالغشم فمن تابعه أرضاه، ومن خالفه ناواه.

ثم توجه إليَّ باكياً غانما مغيراً في البلاد مشرقاً ومغرباً، يميناً وشمالاً، والأنباء تأتيه والأخبار ترد علي، فأتاني باعور ثقيف فأشار بأن أوليه الناحية التي هو فيها لإدارة ما أوليه فيها، وكان الذي أشاربه الرأي لو وجدت في توليته مخرجاً أو رضيت لنفسه فيما أتيت من ذلك عذراً، فاعملت فكري في ذلك، وشاورني فيه من أثق به بنصحته لله ولرسوله وللمؤمنين، فكل رايه في ابن آكلة الأكباد مثل رأيي ينهاني عن توليته، ويحذرني أن أدخل في المسملين يده، فلم يكن الله ليعلم أني اتخذ المضلين عضدا، فوجهت إليه أخا............وأخا الأشعريين آخراً، فكلاهما ركن إلى الدنيا، وتابع هواه فيما أرضاه، فلم يزدد فيما انتهك من محارم الله تعالى إلا تمادياً، فشاورت من معي من أصحاب محمد عليه السلام، والذين ارتضى الله أمرهم ورضى عنده بيعتهم، وعيرهم من صلحا المسلمين والتابعين، كل يوافق رأيه في غزوه ومحاربته، ومنعه مما مد إليه يده، فنهضت إليه بأصحابي أنفذ إليه من كل موضع كتبي، وأوجه إليه رسلي، أدعوه إلى الرجوع عما هو فيه، والدخول فيما فيه الناس معي، وكان يتحكم على الأحكام ويتمنى علي الأماني، وشرط علي شروطاً لايرضاها الله والمسلمون، يشرط في بعضها أن أدفع إليه قوماً من أصحاب محمد عليه السلام أخياراً  أبراراً، منهم عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه، وأين مثل عمار فوالله لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله و مايعد منا خمسة إلاكان عمار سادسهم، ولاأربعة وإلا كان عمار خامسهم، فاشترط دفعهم إليه ليقتلهم ويصلبهم، وانتحل طلب دم عثمان، ولعمر الله ما آلت الناس على عثمان، ولاحملهم على قتله إلاهو وأشباهه من أهل بيته أعصاب الشجرة الملعونة في القرآن.

68 / 292
ع
En
A+
A-