وروينا من كتاب سلوة العارفين، وروى عباد بن يعقوب الأسدي[277] قال: كان أمير المؤمنين قاعداً في الرحبة وأطال الحديث وأكثر، ثم نهض فتعلق به رجل من همدان فقال: يا أمير المؤمنين حدثني حديثان، قال: حدثتكم كثيراً، قال: أجل إنه كثر، فلم أحفظه، وغزر فلم أضبطه، فحدثني حديثاً جامعاً ينفعني الله به، فقال أمير المؤمنين عليه السلام: حدثني رسول الله صلى الله عليه وآله أني أرد وشيعتي رواء، ويرد عدونا ظمآ خذها إليك قصيرة وطويلة أنت مع من أحببت، ولك ما اكتسبت، أرسلني يا أخا همدان.
وعن أبي معاذ الحران قال: سمعت عبد الله بن الحسن يقول: العلم بيننا وبين هذه الأمة علي بن أبي طالب، والعلم بيننا وبين الشيعة زيد بن علي.
وعن عباد بن يعقوب قال: حدثنا الحاكم بن زهير قال: قال إبراهيم بن عبدالله بن الحسن: لو نزلت راية من السماء لم تنصب إلا في الزيدية.
وروى أبو سعيد السمان بإسناده عن سعيد بن أبان عن عمرو بن حريب عن الصادق قال: كل راية تنصب في غير الزيدية فهي راية ضلالة، ومثل ذلك يروى عن علي عليه السلام حيث يقول في حديث حرب الجمل: ألا إن كل راية ليست لنا فهي ضلالة، وكل من قام يدعو بأمرنا فلم يسير بسيرتنا فليس منا.
وعن زيد بن علي عليه السلام قال: نحن ولاة أمر الله، وخزان علم الله، وورثة وحي الله، وعترة نبي الله، وشيعتنا رعاة الشمس والقمر، والله لا تقبل التوبة إلا منهم، ولا يخص بالرحمة يوم القيامة سواهم.
وروينا من كتاب السفينة عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله رجع من سفره وهو متغير اللون، فخطب خطبة بليغة وهو يبكي ثم قال: ((أيها الناس، إني قد خلفت فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أمتي، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض، ألا وإني أنتظرهما، ألا وإني سائلكم يوم القيامة في ذلك، ألا أنه سترد علي يوم القيامة ثلاث رايات من هذه الأمة، راية سوداء فتقف فأقول من أنتم؟ فينسون ذكري، ويقولون: نحن أهل التوحيد من العرب، فأقول: أنا محمد نبي العرب والعجم، فيقولون: نحن من أمتك، فأقول: كيف خلفتموني في عترتي وكتاب ربي؟ فيقولون: أما الكتاب فضيعنا، وأما عترتك فحرصنا على أن ننبذهم، فأولي وجهي عنهم فيصدرون عطاشاً، قد اسودت وجوههم، ثم ترد راية أخرى أشد سواداً من الأولى، فأقول لهم: من أنتم؟ فيقولون كالقول الأول نحن من أهل التوحيد، فإذا ذكرت اسمي قالوا: نحن من أمتك، فأقول: كيف خلفتموني في الثقلين كتاب ربي وعترتي؟ فيقولون: أما الكتاب فخالفنا، وأما العترة فخذلنا، ومزقناهم كل ممزق، فأقول لهم: إليكم عني، فيصدرون عني عطاشاً، مسودة وجوههم، ثم ترد راية أخرى تلمع نوراً، فأقول: من أنتم؟ فيقولون: نحن أهل كلمة التوحيد والتقوى، نحن أمة محمد، ونحن بقية أهل الحق، حملنا كتاب ربنا فأحللنا حلاله وحرمنا حرامه، وأجبنا ذرية محمد، فنصرناهم من كل ما نصرنا به أنفسنا، وقاتلنا معهم وقتلنا من نأواهم، فأقول لهم[278]: ابشروا فأنا نبيكم محمد، ولقد كنتم كما وصفتم، ثم أسقيهم من حوضي، فيصدرون رواء)) الخبر.
قال الإمام الحاكم رحمه الله: ومن نظر في هذا الحبر علم أن الفرقة الأولى الناصبة الضالة، القاتلة العترة، وأن الفرقة الثانية الرافضة التاركة للحق، الخاذلة للعترة، المبغضة لهم، وأن الفرقة الثالثة أهل الحق وأنصار الدين، وأتباع الأئمة الذين هم الزيدية، ويعرف من هذا الخبر قوله صلى الله عليه وآله لأم أيمن: ((يهلك فيه اثنان محب غال، ومبغض قال)) فالأول الرافضة والثاني الناصبة، وهي كما قال رحمة الله عليه، وأن من يدعي الحق بزعمه وهو معرض عن دين أهل البيت المطهرين، غير متبع لهديهم، ولا مسترشد برشدهم، فليس من الله في شيء.
والعجب كل العجب ممن ينتحل دينهم وهو مضعف لأقوالهم، مفسداً لإجماعهم، مشرك معهم غيرهم في وراثة الرسول، والقيام بالأمر في الأمة، والخلافة في المؤمنين، أما علم أنه عنهم بمعزل، وأنه متنكب عن سبيلهم، وراغب عن دينهم، وماذا يكون حال من أعرض عن كتاب الله، وآثار رسول الله، وإجماع عترة رسول الله، كما تقدم ذلك كله، نسأل الله تعالى أن يوزعنا شكر نعمته، وأن يلهمنا رشدنا بمنه ورحمته لنا يوم نلقاه، وأن يجعلها بصيرة للمسترشدين، وهدى وبرهاناً للمؤمنين.
|
فهذه أرجوز الأنوار |