قال علي عليه السلام: نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمكة وأنا معه في بيته فقال: ((يا علي)) فقلت لبيك يا رسول الله، فقال: ((اللهم أجب علي عن رسولك بالخير أبداً، انطلق إلى بني عبد المطلب، ثم سرد عليه الخبر المعروف، حتى قال وأجمعها لي في بيتي هذا فأني أطعمها من طعامي، واسقيها من شرابي، وابلغها رسالة ربي، وأقيم فيها اليوم زيري وناصري إلى يوم القيامة، ليتقدمها وليعلمها، وليتأمر عليها، ثم قام صلى الله عليه وآله فذبح شاة، واتخذ خبزاً وثريداً لنفسه، ثم انطلقت سريعاً حتى قال أمير المؤمنين صلوات الله عليهم فجمعتهم كلهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فاجتمعوا طمعاً أن يحالفهم ويجامعهم على أمرهم، فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله وكان بيته مما لا يسع عشرة رجال، فاجتمعوا فيه كلهم بإذن الله، وهم زهاء ستين رجلاً، يزيدون أو ينقصون، فقرب لهم رسول الله طعاماً فطعموا من الشاة والجفنة، فشبعوا وفضل من الطعام النصف أو أكثر، ثم سقاهم لبناً في عيس واحدٍ، فرووا منه والرجل منهم لا يروى من مثله ومثله، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنتم الملأ من قريش أتيتكم بعز الأبد، وملك الدنيا والآخرة، وهو الملك الذي قال آدم، وملك لا يبلى، وتكونون فوق الناس، ولا يزال الناس تبعاً لكم إلى يوم القيامة، تملكون الأقاصرة والأكاسرة، وبني الأصفر حتى يكون زمان الدنيا في ملككم، فأيكم يؤازرني ويجامعني ويتابعني، ويؤمن بي ويصدقني على أمري هذا، فيكون وزيري وخليلي وأميني وخليفتي، ووصيي ووليي في الدنيا والآخرة)) فسكت القوم واشمأزوا حتى قالوا هجرت ولم يجيبوه، فقلت: أنا يا رسول الله، وأنا أحدث القوم سناً، قد آمننت بك وصدقتك، ووازرتك وناصرتك، واتبعتك، وأشهد أنك رسول الله[270] بعثك بالحق بشيراً ونذيرا، فقال صلى الله عليه: ((اللهم اشهد أني قد وازرت علياً وحالفته، وجامعته، فهو وزيري وخليلي، وأميني ووصيي، والقائم بعدي، وخير أهلي، ومن آمن بي، فاتخذه يارب خليلاً وارض عنه)) فقام القوم وهم يقولون ويهزون لأبي طالب: يا أبا طالب قد ولي علك ابنك وأمره، واتخذه خليلاً ووزيراً من دونك فما بعد هذا شيء، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ((من تولى الله ورسوله فهو ولي الله ورسوله، فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ما كان لرسول الله مجمع مثله)).
وقال عليه السلام فيها: وأنا صاحب مطر المدينة، أصبح الناس غثى مطر شديد، فخرج النبي صلى الله عليه وآله يمشي حتى برز إلى الصحراء فلحقته فعلم مجيئي فوقف حتى سلمت عليه فرد السلام، فقال: ((ياعلي لا تزال تتبعني في الخيرات، وتلحقني حتى تجمعنا درجة واحدة، وأنه بشرني ملك كريم بمجيئك فمن ذا الذي يبغضك إلا شقي، وأنا بريء منه)).
وقال عليه السلام فيها: من اسمه في التوراة والإنجيل، والزبور والفرقان، وثاني اسمه غيري، من ناداه الله بالتطهير غيري {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}[الأحزاب:33] أين كان سيفه في المواطن الكريهة، من ضرب خرطوم العرب بسيفه، حتى نجعت وجاءته أفواجاً، من كان صاحب السرايا الذي كان جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، من خص بالنذور والثناء، وشكر فعله، من ناداه الله يعلم المؤمنين بأني وليهم، فقال: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ} إنما هو من سأل الله منكم المودة، وأمر النبي أن يقول لأمته لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في القربى.
وقال عليه السلام فيها: هاتوا من سمع رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في خطبة الجماعة وهو يقول: ((من فارقني فارق الله، ومن فارق علياً فقد فارقني، ومن أطاعني أطاع الله، ومن أطاع علياً فقد أطاعني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن عصا علياً فقد عصاني)).
وقال عليه السلام فيها: هاتوا من الذي سمع رسول صلى الله عليه وآله وسلم وأنا معه يقول: ((إن بني إسرائيل كانت فيهم الأنبياء كلما ذهب نبي كان بعده نبي، وعلي يقوم بعدي بهذا، وحبل علي متصل بحبلي، وأنه يكون في أمتي من ذريتي أئمة هادية يهدون بهدي وسنتي، وحبلهم متصل بحبلي، لا يفتقرون حتى يجمعنا المنزل، فمن اختلف عليهم فقد خرج من الحق والهدى، وإن علياً لا يزول حتى يلقاني شهيداً مختضباً)).
وقال عليه السلام فيها: يقولون إني طلبت الإمارة والأمر، صدقتم إمارة وأمراً سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ((ويل للأمراء، ويل للعرفا، ويل للأمنا، ليأتين على أحدهم يوم يود لو أنه به معلق بالنجم مذبذباً، وأنه لم يتأمر على اثنين)) إنما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وبنوه وخلافه، فزعمتم أنه لا خلافة بل إمارة، فما أسرع ما تسيتم قول رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول على رؤس الأشهاد: ((من أراد أن يحيى حياتي، ويموت مماتي، ويسكن جنة الخلد التي وعدني ربي، قضيت غرسه بيدي، وقال له كن فليتولى علي بن أبي طالب، وليتولى[271] وليه، وليعادي عدوه، وليتولى ذريته من بعدي، خلقوا من طينتي، ورزقوا فهمي وعلمي، فويل للمكذبين بفضلهم من أمتي، القاطعين منهم صلتي، لا أنالهم الله شفاعتي، ويقول: كل نسب وسبب منقطع بوم القيامة إلا نسبي وسنتي ونسبي، ويضرب على منكبي ومنكبي ولدي وزوجتي هي ابنته، وهو يقول: أما ترضى أن تكون منزلتك في الجنة مقابل منزلي))؟ قلت: بلى، قال: ((فإنه كذلك)) هاتوا لمن قال رسول الله صلى الله عليه نحن بنو عبد المطلب سادات أهل الجنة، أليس قال: أنا وعلي وحمزة وجعفر والحسن والحسين والمهدي ألا من فارقني فارق الله، من فارق علياً فارقني، أين أنتم عن رسول الله صلى الله عليه وهو يقول في خطبته: ((ألا فدلوني من أفضلكم)) فقال محبوه يا رسول الله أنت، قال: أنا رسول الله وليس الرسول كالأمة، قالوا: أخبرنا يارسول الله فإنك أعلم، فأخذ بيدي فقال: ((هذا أفضلكم فضلاً، وأكثركم علماً، وأقدمكم سلماً، ما أوتيت شيئاً إلا وقد أوتيته، ولا أمرت بشيء إلا وقد أمرته، إلا أنه لا نبي بعدي، أما إني لم أبعثه في سرية قد إلا رأيت جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، يكلمانه ويحفظانه، ولا وجهته في شيء قط حتى أمرت بذلك)) أتنكرون ذلك فلينكره من ينكر، وليعرف من عرف، فوالذي فلق الحبة، وبرأ النسمة لقد أخذ الله ميثاقنا، وميثاق شيعتنا من صلب آدم، فجعلها تحت العرش، والله لا يزيد فينا أحد ولا ينقص منا أحد أبداً، ولحبنا أشد خزانة من الذهب والفضة، وإن حبي على كل المؤمنين إيمان، وبغضي كفر بالله العظيم، ألا أنبيكم بقول الله تعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ} قال: اللهم أنت ولي في نعمتي، والقادر على طلبتي، والعالم بحاجتي اسألك بحق محمد وآل محمد وأهل بيته إلا تقبلت مني توبتي، فقال: أنا ولي نعمتك، وأنا القادر على طلبتك، وقد علمت حاجتك، فكيف تسألني عمن لم يسألني بحقه غيرك، فقال: يا رب إنك لما نفخت في الروح رفعت بصري فإذا على عرشك مكتوب: محمد رسول الله صلى الله عليه، وعلي وصيه، فعلمت أنهما أقرب الخلق إليك.
وقال عليه السلام فيها: أولست الذي قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((قال لي ملك الموت، يا محمد إن الله وكلني بسيف علي، فما أشار عليه قبضت روحه)) والله ما كان لأحدٍ من الناس مجلس من رسول الله صلى الله عليه وآله في كل ليلة بعد العتمة الأولى، ثم كان لا يزال يحدثني، ويقول: ((يا علي يكون كذا وكذا يكون كذا وكذا، حتى حدثني بكل زمان ورجال، وكل قتال عاتي، حتى أخبرني بصفة ثلاثين دجالاً إلى آخرهم الدجال المسيح الأعور، حتى قال آخر ما قال: إني سألت الله أن يجعلك معي في درجتي، فأعطاني ذلك)).
وقال عليه السلام فيها: هاتوا أنبئوني من صاحب الرمانة مع رسول الله صلى الله عليه وآله، والذي نفس علي بيده ما أكل منها غير رسول الله صلى الله عليه وآله وغيري، خرج رسول الله صلى الله عليه وآله نحو حرا وقد أصابه الجوع[272] وأصابني معه فدعا الله، وشكونا إليه الجوع فهوت رمانة فوقعت في يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فأكل نصفها وناولني النصف الآخر، وقال: ائت عليها فلما فرغت منها قال رسول صلى الله عليه وآله: ((إن جبريل أخبرني أن هذه الرمانة من المنّ، وأمرني أن لا يأكل منها غير نبي أو وصي، ولا يأكل طعام الجنة إلا الأنبياء والأوصياء)) أنا الأذن الواعية يقول الله جل ثناؤه: {وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ} أنا وعيت وحفظت، أتنكرون قول الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ، ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} أنا والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، الأسرة من نوح والآل من إبراهيم، والسلالة من إسماعيل، والعترة الهادية من محمد، به شرفنا، واستوجبنا الحق من أمة محمد فينا كالسماء المرفوعة، والجبال المنصوبة، والكعبة المستورة، والشمس الصاحية، والشجرة الزيتونية، أضاء زيتها، وبورك زبدها، وصي آدم في علمه، ووارت ما علمه الله من الأسماء حتى قال عليه السلام: لا يتم لنبي في العالمين الميثاق والإقرار حتى يؤمن بمحمد وآله ووصيه، وإن اسمي كان مقروناً باسمه، حيث كان اسم محمد في وصية آدم والسفر الأول.
وقال عليه السلام فيها: أما والله أيتها الأمة المتحيرة بعد ثبتها، لو فتحت لكم أبواب ما علمني رسول الله صلى الله عليه وآله من خصيصات العلم الذي لم يشركني فيه غيري، لفتحت لكم ما تفتأ الأقلام، وتعيأ الأصابع، ويعجزكم المداد عن كتابته، ولأوضحت لكم الحنيفية البيضاء النقية، إن الله بارك على إبراهيم وآل إبراهيم، وجعل تلك البركة على محمد وآل محمد، لو علمتموها وعرفتم حق الوراثة، وأعطيتم وراثة رسول الله صلى الله عليه وآله من ورثه، وعرفتم حق الوصي القائم إذاً ما غال القائم، ولا ضاق الفقير، ولا طاش من فرائض الله، ولا اختلف اثنان في حكم، لكن رغبتم عن أهل البيت، وتركتم المحجة الكبرى، وتركتم السلم الهادية، وملتم إلى الدنيا.
وقال عليه السلام فيها: هاتوا أنبئوني من الذي سال روح رسول الله صلى الله عليه في كفه حتى وجد برده، وضم ريحه، من الذي غسل حسده المبارك الذي ستره الله من الخلائق بعد موته غيري، من الذي تولى غسله وتحنيطه ودفنه غيري، من كان آخر العهد به من الناس غيري، من الذي جاءته التعزية فيه من السماء غيري، من الذي أتاه بعد موته في المنام كل ليلة جمعة واثنين غيري، من الذي نعى إليه نفسه في منامه غيري، وأنا الذي رأيته عليه السلام ينعي إلي نفسي، من الذي عزاني في ولدي بعد مولدهما غيري، من الذي استزراه رسول الله في المنام غيري، من الذي كان في الطبقة الثانية من الأمة غير رسول الله صلى الله عليه كان الطبقة الأولى وأنا الثانية، ثم الناس كانوا في طبقتي حكم أؤتيناه، وفهم استنبطناه.