الخطبة الزهراء

هي الخطبة الكبرى التي خطب بها أمير المؤمنين علي عليه السلام قبل موته البعيد والقريب، فأسمعها البغيض والحبيب، كان في عصره ممن تبلغه ذلك عنه، وهي آخر خطبة خطبها، ولقي الله تعالى عليها، انطوت على علم كثير، وبين فيها عليه السلام أحوال الدنيا، وما يكون بعده من العظائم إلى يوم القيامة، وهي موجودة بحمد الله تعالى، غير أنا نذكر منها طرفاً منبهاً لذوي البصائر على ما تقدم من أمره عليه السلام قال عليه السلام في موضع منها: ألا وإني أقول قولي هذا فلعلني لا أقول بعد يومي هذا مثل قولي هذا، فليستمع المحبون والمبغضون، فإنه ما من نبي بعث في الأولين ولا في الآخرين، إلا كان له هادي من بعده، وإن موسى كليم الله ومحمد صفي الله، وأقام موسى بعده هادياً مهدياً هارون بن أمه، وإن محمد أقامني هادياً مهدياً، فأنا نظيره إلا أني لست بنبي، فاختلفتم كما اختلف بنو إسرائيل على هارون فضربها الله بالفتن والاختلاف، وطاعة السامري فعاقبهم بالقتل، فمن قتل نفسه بالتوبة كان شهيداً، ومن كره القتل عوقب بالافتراق، والخروج عن الملة، فافترقت على اثنتين وسبعين فرقة كلها ضلت وتاهت، وهلكت إلا بقية من آل موسى وآل هارون، وهي الأمة الهادية التي قال الله تعالى: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} فهي التي تعدل وتنهي، ولم يكن الله ليضل الناس بعده، وافترقت هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كل فرقة على ثلاث وسبعين ملة لكل ملة ضالة مضلة، إلا من أخذ بحجزتي وحجزة أهل بيت رسوله وكتابه وسنته، واتبع الحبل الأكبر والحبل الأصغر.

وقال عليه السلام في موضع منها أجر اللهم علمك في عبادك ما أقول، وقضاؤك هو أعلى من كل شيء، وأبلغ كل شيء من غيرك مقهور، اللهم إني قد بلغت وحذرت، وحمدت وقمت، وأديت كل ما أمرت، وكلما وقعت فيه بعد رسولك، هو كما انبأني به[267] رسولك، وما فعلت بعد رسولك أمرني رسولك، ومن يطع الرسول فقد أطاع الله، لم أزل ولم أمل، ولم أفارق منهاج الرسول ودينه وذريته، وسيرته ووصيته، ألا فاعترفوني معرفة النفس، أنا ابن اسلامها، وبانيها وسابقها، وناصرها ومنصورها وجابرها، أنا وضعت بكلكل العرب، وكسرت قرني ربيعة ومضر، ونطحت جبابرة قريش وفراعنتها، وهذا الحي من قحطان..........فيها أنا ليثها وفارسها، أنا ابن سيفها وذابحها، أنا ذبحت مخزمها وكعبها، وعبد شمسها، وأنا ضربت بخرطومها، هل لأحدٍ من هذه العصابة والعشيرة التي تنتحل أنها كانت على المؤازرة، والنصر من رسول الله صلى الله عليه وآله قرابتي، ومنزلتي وصحبتي، وضعني في حجره وأنا ابن أربع سنين، يضمني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسني جلده وجسده، وعرقه وإنه ليقبلني فامص ريقه ، واكل من قصعته، وألعق أصابعه ويناولنيها لأفعل ذلك على العهد، ليدخل روحه في روحي، ومن مائه في مائي، واتخلق بأخلاقه، واخذ بهديه حتى كان يمضغ الشيء مضغاً، ثم يلقمني من فيه، وإنه كان صلوات الله عليه يتطهر إذا أتاه الوحي، ويأمرني بذلك فلا أكون معه نهاري إلا طاهراً، ولا أبيت معه ليلي إلا طاهراً، وما وجد لي كذبة في قول ولا خطأ في حد.

وقال عليه السلام في موضع آخر منها: ألا فاعرفوني فكل العرب قد عبدت الأصنام، واستقسمت بالأزلام، ولبيت كما لبى رسول الله صلى الله عليه وآله، وإني لم أعبد صنماً ولم استقسم بالأزلام، ولم أشرب خمر الجاهلية، وأنا أول من رأى نور الوحي والرسالة، واشتم رائحة النبوة، وأنا أول من صدق به، وقال لا إله إلا الله محمد رسول الله بعد رسول الله، وأنا سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وعلى وآله وسلم وهو يقول: يا ويله من ذا يضل بعد نبي الرحمة، ولم يسمعه غير رسول الله صلى الله عليه وآله غيري، فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنة، فقال: ((هذا شيطان إنك تسمع ما أسمع وترى ما أرى إلا أنك لست بنبي، وإنك لوزير وإنك لعلى خير)).

وقال عليه السلام فيها: وأنا كنت معه يوماً قال النبي صلى الله عليه وآله: ((يأتيني تسعة نفر من حضرموت يسلم منهم ستة نفر، ولا يسلم ثلاثة فوقع في قلوب الناس كثير من كلامه بما شاء الله أن يقع، فقلت أنا صدق الله ورسوله هو كما قلت يا رسول؟ فقال: ((أنت الصديق ويعسوب المؤمنين وإمامهم، وترى ما أرى وتعلم ما أعلم، وأنت أول المؤمنين إيماناً، وخلقك الله من ضياء، وترك منك الشك والضلال، فأنت الهادي الثاني والوزير الصادق)) ثم سرد عليه السلام حديث النفر.

وقال عليه السلام فيها: ألا فاعرفوني فإني صاحب عقبة بن أبي معيط فرعون قريش، وضع رجله على عنق رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ساجد فغمزه إلى الأرض غمزاً شديداً[268] حتى بلغ منه، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((والذي لا يحلف بأعظم منه، لئن أمكنني الله منك، ويمكنني إن شاء الله لأقتلنك على يدي أحب خلق الله إليه من أهلي وآلي)) فلما كان يوم بدر أخذ أسير فجاؤا به إلى النبي صلى الله عليه وآله فأمرني أن أضرب عنقه صبراً، فسمعت قائلاً يقول: ما بعد يومك هذا من ذنب، وأنت ذو قرينها فالتفت فلا أرى شيئاً.

وقال عليه السلام: من الذي بكت عليه مكة بعد النبي صلى الله عليه، إنها لما خرجت منها بكت علي كما بكت على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ...............هل تخلفت عن غزاة واحدة، ومن صاحب بدر وأحدٍ وحنين والخندق، ومن سبي البطل يوم الأحزاب، من صاحب ليلة الهرير، من الذي زعزع بني قريظة، هاتوا من الكرار غير الفرار، من صاحب الجبابرة، من صاحب الحصون، من كان نظير يوشع بن نون، وعلى من ردت الشمس، وضحكت إليه المدينة غيري، من كلم الخضر من أصحاب الرسول غيري، ومن رأى جبريل ومكيائيل غيري، وعلى من قرأوا السلام من الرب العظيم غيري، ومن كان صاحب تبوك حين خلفني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فتكلم الناس للظغن الذي في صدورهم، وقالوا: إنما خلفه رسول الله لأنه قد أبغضه، فلحقت رسول الله صلى الله عليه وآله فأخبرني الخبر فقال والملأ يسمع: ((كيف أبغض رجلاً أمرني الله بحبه قبل ليلة  أسري بي، وأمرني أن أواخيك ففعلت، وأمرني أن أزوجك ففعلت، وأمرني أن أعلمك ولا أترك جاهلاً، وأمرني أن أقربك ولا أجفوك ففعلت، وإن أدينك ولا أقضيك، وأنت أخي في الدنيا والآخرة، ولم يعط رب الشفاعة غيري، وسألت ربي أن يشركك معي في الشفاعة ففعل، وأمرني أن أقيمك ولياً من بعدي، وأنت ولي ولما يفعلوا إلا أن لك الكرة عليهم كالكرة الأولى، فمن أعطى ما أعطيت يا علي وأنت كرارها غير فرارها، لم يرجع أبداً إلا بفتح أو نصر أكرم ملائكة الله معك، لا يفارقونك، وهل ذكرت في موضع من السماء إلا ذكرت معي أنت خاتم الأوصياء بعدي، وأنت شهيد الشهداء من أهلي، لتخضبنَّ هذه من هذا قضى مقدوراً، وعلماً سابقاً، ونفس تسعد وتبلغ الدرجة العلياء بنفس تقيه، ويله ماله شقى الآخرين فمثلك أبغض، وقد أحب الله رب العالمين حباً لا يبغضك أبداً، ثم سار رسول الله صلى الله عليه وآله وسار الناس معه فشكوا العطش، فقال للناس اطلبوا الماء فطلبوا فلم يصيبوا قليلاً ولا كثيراً حتى خافوا على أنفسهم، وماتت بعض دوابهم، فلما رأوا ما نزل بهم قالوا: يا رسول الله ادع لنا ربك يسقينا الماء فنزل جبريل عليه السلام فقال: يا محمد أبحث بيدك هذا الصعيد، ثم ضع قدميك وأصبعيك المسبحتين حتى يكون اثنتي عشرة أصبعاً وسم، ففعل النبي صلى الله عليه وآله ما أمره جبريل فتفجر من بين أصابعه الماء حتى شرب الناس وارتووا، وسقوا دوابهم، وحملو معهم من الماء ما كفاهم، حتى بلغو إلى الماء الآخر، فأعطى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما أعطى موسى صلى الله عليه وآله، وأن الموضع الذي تفجر من لمعروف[269] في طريق الحديبية، لم يغتسل فيه تلك الساعة غيري، ولا ينبغي لأحدٍ أن يغتسل فيه غيري، فازداد المؤمنون أيماناً، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ((الصلاة جامعة)) فاجتمع أحياء العرب، وكل فصائلها وعشائرها من المهاجرين والأنصار وغيرهم من العرب فخطبهم ثم أقامني عن يمينه، ثم قال: ألست برسول الله؟

قالوا: نعم.

قال: أليس هذا علي؟

قالوا: نعم.

قال: إني أقول فيه قولاً لا أقوله في أحد من الناس: إن هذا مني بمنزلة هارون من موسى، كذلك سألت ربي، وأمرني ربي أن أخلفه في ديني وعداتي، وأضع عنده أسراري، والعلوم المخصوصة التي تكون في النبيين وآل النبيين، وهذا ولي كل مؤمن بعدي، اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، ومن كنت عدوه فعلي عدوه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، أقول قولي هذا للمؤمنين والمؤمنات، وتلا في موضع عليه السلام قول الله تعالى: {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} {وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ، وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}.

281 / 292
ع
En
A+
A-