قلنا: هذا خبر من الخطأ العظيم؛ لأن الكفر لا يجوز على الأنبياء قبل البعثة وبعدها، ولأنه يؤدي إلى التنفير، ولابد في النبي أن يكون معصوماً قبل البعثة وبعدها من كل كبيرة، هذا كلامه رحمه الله تعالى، ولم يأت فيه إلا بمذهب أهل العدل، غير أنه غفل عن ذلك عند كلامه في الخبر، حيث كان حينئذٍ ناصراً للباطل فخذل، وغير بعيد صحة الخبر الأول الذي رواه ابن مسعود ليلة وفد الجن؛ لأنه إنما ورد بما يوافق الكتاب والسنة وإجماع العترة، فبأي طريق ينسب برد إلى من لا يعتد به، وقد روى هذا الخبر من هو مخالف لنا عن عبد الرزاق.
قال أخبرني أبي عن مثنى عن عبد الله بن مسعود قال: كنت مع النبي عليه السلام ليلة وفد الجن، فلما انصرف منهم تنفس، قلت: ما شأنك؟ قال: ((نعيت إليَّ نفسي يابن مسعود)) قال فقلت: استخلف، قال: ((من؟)) قلت: أبا بكر، فسكت، ثم مضى ساعة ثم تنفس، قلت: ما شأنك بأبي وأمي يا رسول الله؟ قال: ((نعيت إليَّ نفسي يابن مسعود)) قلت: ألا تستخلف؟ قال: ((من))؟ قلت: عمر بن الخطاب، قال: فسكت، قال: ثم مشى ساعة ثم تنفس أيضاً، ثم قال: ((نعيت إليَّ نفسي يابن مسعود)) قلت: استخلف، قال: ((من؟)) قلت: عثمان، ثم قلت طلحة، ثم قلت عبد الرحمن بن عوف، ثم قلت الزبير، وهو ساكت، قال: ((نعيت إليَّ نفسي يابن مسعود)) قال قلت: استخلف، قال: ((من))؟ قلت: علياً وهو في رواية أخرى عن إبراهيم بن عيسى وأخرت علياً لمعرفتي برأيه فيه، فقال: ((والذي نفسي بيده لئن أطاعوا علياً ليدخلوا الجنة أجمعين أكتعين)) فقلت: ما اكتعين؟ قال: ((لا يبقى منهم أحد)).
وفي رواية إبراهيم أنه قال تأوه: ((أما إنهم لن يفعلوا ولو فعلوا لدخلوها أجمعين أكتعين)) فكيف يرو مثل هذا، والمخالف يرويه كما يرويه الموالف، وهو وارد بما هو الحق، وإنما ينبغي أن يرد مثل هذا الخبر الذي في عمر على ما بيناه الآن، وبيناه أولاً عند كلامنا في قول النبي صلى الله عليه وآله لعلي عليه السلام: ((ألا إنه لا نبي بعدي، ولو كان لكنته)) وأن ذلك لا يصح أن يرد في غيره، وإن كان الحاكم رحمه الله قد رجع عن الاعتزال وقال بتقديم علي عليه السلام، واحتج لذلك وصنف وبالغ في نصرة هذا المذهب الشريف مبالغة مثله، وله في ذلك تنبيه الغافلين على قضاء الطالبين.
ثم يقال لهم: أليس يوضح هذا الخبر الذي رويتم يجوز أن يكون حصل النص بعده على أمير المؤمنين عليه السلام بل قد وقع فيبطل ما اعتمد عليه.
شبهة: وتعلقوا بما رووا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: ((الخلافة بعدي ثلاثون سنة)) قالوا: وهي عام ولاية علي عليه السلام.
والجواب أن هذا[264] الخبر ضعيف في نفسه؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله قبض لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة، وقبض عليه السلام لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر رمضان سنة أربعين فهاهنا زيادة على ثلاثين من ليلة ثلاث عشرة ليلة من ربيع الأول إلى ليلة إحدى عشرة بقيت من شهر رمضان، وكلام النبي صلى الله عليه وآله لا يجوز فيه الكذب لا بقليل ولا بكثير، وهذه دلالة وهي الخبر واختلاله على أنه لا تعلق للمخالف به؛ لأن المعتزلة تقول بخلافة الحسن والحسين عليهما السلام، فكيف يقصرون الخلافة على ثلاثين سنة مع قوله عليه الصلاة والسلام: ((الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا)).
شبهة: ومتى قيل أليس قد روي أنه جاء كعب الأحبار إلى عمر بن الخطاب فقال له: يا أمير المؤمنين أعهدت أنك ميت في ثلاثة أيام؟
قال: وما يدريك؟
قال: أجده في كتاب الله التوراة.
قال عمر: إنك لتجد عمر بن الخطاب؟