وانتشرت أطرافها عن صدق
أن علياً إمام الحق

واعلم أن للمخالفين شبهاً يتعلقون فيها بأخبار، ويروونها عن النبي صلى الله عليه وآله في المشائخ، ويعدونها أدلة على إمامتهم، ونحن لا نطول الكلام بذكر جميعها هاهنا؛ لأنها أخبار آحاد لا توصل إلى العلم، فإنه لا خبر منها إلا وقد اختلف فيه وفي طريقه وإثباته، ونحن الآن نجيب بجواب كافٍ، وهو أن كل ما يدعى في القوم من نص جلي فإنه لا صحة له لوجهين:

أحدهما: أنه لو كان منصوصاً به عليهم لم يخل ذلك أن يكون نصاً جلياً يعلم ضرورة، وهذا يوجب الشركة بين مخالفهم وبينهم، ومعلوم خلاف ذلك ضرورة، أو يكون استدلالياً فذلك باطل؛ لأنه ليس في الكتاب ولا في السنة، ولا في الإجماع ما يدل عل ذلك، كما بينا ذلك، ثم لو جوزنا صحة ما يدعيه المخالف من النص مثلاً فقد دلت النصوص المتقدمة من الكتاب والسنة، وإجماع العترة وتزايد الفضل واجتماعه على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، كما تقدم ذلك كله لأدى ذلك إلى جواز إمامة إمامين في عصر واحد وهو محال.

الوجه الثاني: أنه لو كان منصوصاً عليهم لوجب أن يورد أبو بكر تلك النصوص يوم السقيفة، حيث احتاج إلى مناظرة الأنصار، ودفعهم عما أرادوا من الإمامة، ولا يحتج بالقرآن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن النص أقطع وأظهر كما فعل أمير المؤمنين عليه السلام يوم الشؤرى وغيرها، وكذلك فلو كان منصوصاً عليه لما قال: أقيلوني، ولما قال: وليتكم ولست بخيركم؛ لأن المنصوص عليه لا يستقيل؛ لأن الاستقالة تدل على أن الإمامة وقعت بالبيعة، ولما قال أبو بكر يوم السقيفة بايعو أحد هذين إن شئتم عمر وأبا عبيدة؛ لأن هذا منه إخبار بأنه لا نص عليه، ولكان أبو بكر يورد النصوص في عمر يوم أنكر عليه الصحابة توليته عليهم، ولما جعل عمر الأمر شؤرى بين ستة، بل جعل الأمر لصاحب النص، ولما قال عمر: لو كان سالم مولى حذيفة حياً لما خالجتني فيه الشكوك، ولكان عثمان أيضاً يحتج بتلك النصوص أيام الشؤرى، كما فعل أمير المؤمنين في احتجاجه بالنصوص، فلما لم يكن شيء من ذلك دل على أنهم غير مدعين لما ادعاه لهم المخالف، وأن ما يهذون من تلك الأحاديث لا صحة لها، ومثل ما ألزمناهم لا يلزم في أمير المؤمنين؛ لأنه عليه السلام لم يتمكن من المناظرة واللجاجة كتمكنهم، لخوفه وقوع الفتنة إلا القليل من ذلك إلى أيام الشؤرى، ثم بين بما احتمله الحال يومئذٍ، ولهذا لما استقر له[262] الأمر أظهر كثيراً مما كان يكنه نحو خطبته الشقشقية، وغيرها مم اقدمنا ذكره، ونحن نذكر من الأحاديث التي يروونها شيئاً لنريك الكلام على وجه التفضيل، إذ تكلمنا هاهنا على سبيل الجملة.

شبهة: تعلقوا بما رووه من قول النبي صلى الله عليه وآله: ((إن وليتم أبا بكر وجدتموه قوياً في دين الله، ضعيفاً في بدنه، وإن وليتم عمر وجدتموه قوياً في دين الله قوياً في بدنه، وإن وليتم علياً وجدتموه هادياً مهدياً، يحملكم على المحجة البيضاء)) قالوا: ولم يذكر النص ولا ذكر أن ذلك لا يسوغ لهم، بل قررهم عليه، وجعل الأمر إليهم، فدل ذلك على أن الأمر في تعيين الإمام إلى الأمة.

فالجواب عن ذلك من وجوه:

أحدها: أن هذا الخبر إن ادعوا أنهم علموه ضرورة كابروا، وإن قالوا علموه استدلالاً قلنا فهلم الدلالة من إجماع وقع عليه، أو من نقل ظهر واستشهر ولا سبيل لهم إلى ذلك، بل أكثر ما يقولون أنا علمنا صحة هذا الخبر من حيث اجتمعت الصحابة على القول بالاختيار، ونحن قد أبطلنا الإجماع الذي يدعونه، ولا سبيل إلى ثبوته، ثم لو صح مثلاً ما ادعاه المخالف من الإجماع، ولا سبيل إلى ذلك لكان بنفسه دلالة قطعية، فما وجه التعليق بالخبر وهو لا يستثقل بنفسه، ولا يوصل إلى العلم.

الوجه الثاني: أن هذا الخبر لو صح لكان علي عليه السلام أولى من أبي بكر بالأمر؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وآله وصفه بالضعف في بدنه، وذكر أمير المؤمنين، فأورد فيه خصال الإمامة كاملة؛ لأن كونه هادياً مهدياً يجمع ما احتاج إليه الإمام، والخبر يقتضي بظاهره أن الخطأ لا يقع منه في باب الدين، وإلا خرج من أن يكون هادياً مهدياً، فلو سلمنا صحة الخبر تسليم جدل لدل على أن عدولهم عن أمير المؤمنين عليه السلام إلى غيره كان خطأ؛ لأن الصالحين للأمر إذا استوت حالهما إلا أن أحدهما مأمون الباطن، حيث يؤمن عليه، ويعلم أنه الخطأ لا يقع منه دون الآخر لم يجد حينئذٍ العدول عنه إلى الآخر الذي يجوز عليه الخطأ؛ بل يجوز عليه العمد والعصيان، ولا يؤمن وقوعه منه، فلو جعل هذا دلالة على المخالف كما فعل يعض من نصر هذا المذهب من الشيعة لكان أولى.

الوجه الثالث: أن هذا الخبر معارض بما روى ابن مسعود قال: كنت مع النبي صلى الله عليه ليلة وفد الجن فتنفس فقلت ما شأنك بأبي وأمي يا رسول الله؟

قال: ((نعيت إليَّ نفسي يابن مسعود)) قلت: ألا تستخلف، قال: ((من))؟ قلت: أبا بكر، فسكت، ثم مضى ساعة ثم تنفس، قلت: ما شأنك بأبي وأمي يا رسول الله؟ قال: ((نعيت إليَّ نفسي يابن مسعود)) قلت: ألا تستخلف؟ قال: ((من))؟ قلت: عمر، ثم سكت حتى مضى ساعة ثم تنفس، قلت: ما شأنك؟ قال: ((نعيت إليَّ نفسي يابن مسعود)) قلت: أتستخلف؟ قال: ((من؟)) قلت: علي بن أبي طالب، قال: ((أما والذي نفسي بيده لو أطاعوه - أو قال- لئن أطاعوه ليدخلن الجنة أجمعين أطتعين)) وقد زيف هذا الخبر الحاكم في حال اعتزاله، وروى في عمر ما لا يصح أن يكون عن النبي عليه السلام وهو قوله: لو كان بعدي نبي لكان عمر، فيا سبحان الله العظيم كيف يصح مثل هذا عن الرسول ونحن لا نعلم كونه كذباً إذ لا يصح أن يكون النبي قبل البعثة كافراً يسجد للأصنام ويستقسم[263] بالأزلام كما كان عمر، وهل في التنفير عن الأنبياء أكثر من هذا، وللحاكم رحمه الله تعالى في التهذيب في تفسير سورة الضحى ما ينقض قوله حيث فسر قوله تعالى: {وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى} ثم قال: ومتى قيل أليس قد قال بعضهم أنه كان على دين قومه فهداه إلى الحق، حتى روي عن السدي أنه قال: كان على أمر قومه أربعين عاماً.

274 / 292
ع
En
A+
A-