ثم يقال: إن الآية لايقة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبأصحابه، فإنه مكنهم بعد الخوف الشديد، وأظهر دينه على الأديان، ولو جعلنا المراد بالآية من تمكن في البلاد لأدى ذلك إلى أنها نازلة في معاوية وجبابرة بني أمية وبني العباس، فإنهم ملكوا ما لم يملكه أبو بكر ولا عمر، وقد روي عن مجاهد أنهم أمة محمد صلى الله عليه وآله، وعن ابن عباس مثله.
وعن الشيعة: أن ذلك في زمن المهدي عليه السلام، وعلى الجملة فإنها لا تختص أبا بكر، ولا توجد دلالة تدل على حملها عليهما فبطل قول المخالف.
شبهة: ومتى تعلقوا بقول الله: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} فقالوا: إن أبا بكر هو السابق إلى الإسلام، فدخل فيمن رضي عنه الله ورضي الله عنه، وأعد له الجنة، ومتى كان كذلك فهو إمام، إذ لو لم يكن إماماً صح ذلك فيه، ولا كان ممن وعد له الجنة، وتعلقوا بقوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} وبما أشبه هاتين الآيتين مما فيه ذكر الرضى من الله تعالى، وذكر الوعد بالجنة، وأن القوم قد دخلوا في جملة من رضي الله عنه، ووعده بالجنة، وإذا كانوا كذلك فأفعالهم حق، ولن يكون ذلك إلا وهم أئمة.
فالجواب عن ذلك أما قولهم في الآية الأولى أن أبا بكر هو السابق إلى الإسلام فذلك قول ساقط لما قدمنا بيانه من الحجج القوية، والآثار النبوية، التي أطبق على روايتها الموالف والمخالف، وقد قدمنا منها في صدر كتابنا ما لو أعددناه هاهنا لطال الشرح، واتسع الكلام، وكفى بقول الرسول عليه السلام في أخبار كثيرة: ((علي أولكم سلماً)) وفي بعضها: ((إسلاماً)) وهذا تعريض الرسول من نزاع هذا مع ما تظاهر به أمير المؤمنين[260] عليه السلام على المنابر وغيرها، وهو يدعي ذلك على رؤس الأشهاد، وبعده من أعظم المناقب، وفي ذلك يقول عليه السلام.
|
سبقتكم إلى الإسلام طراً |
غلاماً ما بلغت أوان حلمي
فما علم أن أحداً من الصحابة رد ذلك عليه، ولا أنكره أبداً، وكفى بذلك دلالة، ثم العترة مجمعة على أنه هو السابق إلى الإسلام، لكل أحد من رجال الصحابة وإجماعهم على ذلك معلوم، وإجماعهم حجة كما تقدم ذلك، ومتى كان كذلك لم يكن أبو بكر هو السابق من المهاجرين، وكان من المتابعين، فإن أحسن كان من المتبعين، فإن اتبع كان من المتبعين بإحسان، ولكن كيف الإحسان مع تقدمه على أمير المؤمنين، وسيد الوصيين، وإمام المسلمين، بحكم رب العالمين، وحكم رسوله الأمين، وإجماع آل محمد الطيبين صلوات الله عليهم أجمعين، فبطل تعلقهم بذلك في الإمامة، وصح أنه علي عليه السلام بقرينة قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ} إذ هو الأول عليه السلام، والقول بأنه علي عليه السلام، قول ابن عباس وجابر، وزيد بن أرقم ومحمد بن المنكدر، وربيعة الرأي وأبي حسان، والمزني.
وأما ما تعلقوا به من الوعد بالجنة والاختيار بالرضى عن المبايعين تحت الشجرة، فقد ذكر العلماء أن ذلك إخبار عن الحال؛ لأن من المعلوم الجلي أن من القوم من فسق بعد ذلك، فإن أبا بكر وعمر وعثمان وغيرهم ممن بايع تحت الشجرة فسقوا يوم حنين بالفرار من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يدل على ذلك قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلاَ تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ، وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [الأنفال:15-16] ولا خلاف نعلمه في أن القرآن عن رسول الله صلى الله عليه وآله عن ذلك الموقف وأمثاله كثيرة، ومثل ذلك خروج طلحة والزبير على أمير المؤمنين ففسقا بذلك، فلا يصح مع هذا وأمثاله أن يكون ذلك اخباراً إلا عن الحال أن الله تعالى راض عنهم في تلك الحال، وإنما يكون ذلك خبراً عن الحال، وعن العاقبة جميعاً، في المعصوم وهو أمير المؤمنين عليه السلام، وبهذا المعنى سقط جميع ما يتعلق به المخالف من هذا القبيل، ولا يصح أن يكون شيء من ذلك دلالة على الإمامة أصلاً.
|
قال فلي دلائل في آثار |