لنا عليكم بين آي القرآن
شتان بين القوم ثم شتان
أن الكتاب للوصي قد حكم
فمن يكن مخالفاً فقد ظلم
بأنه الإمام في خير الأمم
وقد أساء الفعل حقاً واجترم
واعلم أن للمخالفين شبهاً يتعلقون فيها بشيء من القرآن الكريم، ونحن نورد منها ما يكون منها جوابه على الجواب في غيره بمشيئة الله.
شبهة تعلقوا فيها بقول الله سبحانه وتعالى: {سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ} الآية.
قالوا: والداعي لهم هو أبو بكر؛ لأنه دعا الناس إلى محاربة الروم وفارس، ودعاهم إلى محاربة أهل الردة، فيجب أن تكون طاعته واجبة، لما في الآية من الوعد والوعيد، ولا وجه لوجوب طاعته إلا الاختيار؛ لأنه لا نص عليه.
والجواب عن ذلك أن الآية تدل على أن كل من دعاهم إلى ذلك وجبت طاعته، ولم يجز التخلف عنه، سواء كان ذلك هو أبو بكر أو غيره، ولا يدل ذلك على الإمامة، فبطل التعلق بالظاهر، ثم كذلك لا يدل على قتال قوم بأعيانهم، فإن الداعي إلى الحق إنما يقاتل من هو خارج عنه، والباغي خارج عن الحق كالكافر، ومتى كان كذلك فأمير المؤمنين ذلك الداعي؛ لأنه قد دعا الناس إلى قتال الناكثين والقاسطين، والمارقين، أو يستوي الحال فيسقط التعلق بالظاهر، ولا تعلق للمخالف بقوله تعالى في الآية: {أَوْ يُسْلِمُونَ} فإن الإسلام يكون بمعنى الاستسلام والانقياد، ألا ترى إلى قوله تعالى: {قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} معنى ذلك استسلمنا وانقدنا من غير إيمان، بل نفاه الله عنهم[259] ومما يبين فساد قولهم في الآية أن الدعاء إلى القتال يقع من الإمام ومن غيره، ومتى كان ذلك كذلك لم يكن دعاء الداعي مؤذناً بإمامته؛ لأن وجوب الجهاد لا يتعلق بقوله، وليس من حق الداعي أن يكون إماماً، ثم لا خلاف أن الآية نزلت عن الذين تخلفوا عن الحديبية، وكان هنالك غزواة كثيرة أنكر المخالف تلك الغزوات بعدها هي مراده بالآية، وأن الداعي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
شبهة: ومتى قالوا إن الله تعالى قال: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} الآية، ولم يجد هذا الاستخلاف والتمكين إلا في زمن أبي بكر وعمر لما وقع من الفتوح، فكان هو المراد.
فالجواب أن الاستخلاف المذكور في الآية ليس المراد به الخلافة، وإنما المراد بقاؤهم على أثر ممن مضى من القرون كما قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأَرْضِ} لأنا لو حملناه على ظاهره لأدى إلى تجويز أئمة كثيرة في زمن واحد، وإن عدلنا إلى التأويل فليسوا بأن يتأولوه على الخلفاء أولى من أن يتأولوه عن ملك بلاد معينة، وحصلت فيها الصفة من التمكين، وظهور الدين فيها، فإنا لو حملنا الأرض على عمومها لخرجت عن أن يكون في أحد من الصحابة وغيرهم إلى زمننا هذا، فإن الأرض كلها ما ملكها أحد على الحقيقة.