والجواب عن ذلك أنه عليه السلام خاطبهما، واحتج عليهما بما هو عندهما حجة، وهو البيعة، إذ لو كانوا معترفين بكونه منصوصاً عليه لما خرجوا عن طاعته، فأما مع إعراضهم عن النص فلا معنى للاحتجاج به، وبعد فقد كانا ممن حضر الشؤرى، وسمعا ما احتج به هنالك من النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة، ولكن القوم نبذوا الحجج وراء ظهورهم، وآثروا الدنيا على الآخرة، وقد روى علي عليه السلام يوم الجمل قول الرسول عليه الصلاة والسلام للزبير: ((أما والله لتقاتلنه وأنت له ظالم)) يعني علياً عليه السلام، فلما سمع ذلك الزبير عنه قال: بلى، والله لقد نسيت مذ سمعت رسول الله ثم تذكرته الآن، والله لا أقاتلك فرجع الزبير يشق الصفوف، فأي دلالة في ذلك.

قالوا فلم ينقض الأحكاما
قلنا اتقى أولئك الأقواما

 

إن لم يكن فاعلها إماما
أن ينفروا عن أمره قياما

شبهة: قالوا إن أمير المؤمنين عليه السلام لما تمكن من الأمر، وقام به لم ينقض على القوم الأحكام التي حكموا بها، فلولا أنهم عنده أئمة لرد ما جكموا به ونقضه.

والجواب عن ذلك من وجهين:

أحدهما: أن أمير المؤمنين عليه السلام إنما لم ينقض أحكامهم؛ لأنه لو نقضها[258] لتخلف عنه الناس، فلم يمكنه القيام بالأمر، إذ أتباعه هم أتباع القوم أولاً إلا القليل، وكان لا يمكنه حينئذٍ القيام بم افترض الله عليه، فاستثقل عليه السلام ما بقي متعلقاً به دون الماضي الذي هو حاله.

والثاني: أن أحكامهم مختلفة، فمنها ما هو حق سواء كان من إمام أو غيره من المسلمين، وهذا لا يجب نقضه ما لم يكن ذلك القائم به كافراً، أو فاسقاً على القطع دون التظنن والتجويز، وليس يقول بذلك قطعاً بعض الزيدية، فأما من قال به من أهل البيت وغيرهم من الزيدية فالجواب الأول كافٍ عنه، ومنها ما هو محالف للحق، وقد تقدم الجواب عنه الآن في الوجه الأول، ثم يقال لصاحب الشبهة فما تقول في إمامك عمر ألم يوعد خالد بن الوليد بعد قتله لمالك بن نويرة بأنه يفتده به إن ولي من أمر المسلمين شيئاً، حتى قال له: فقد تحقق لي أنك قتلت مالكاً رغبة منك في امرأته، فوقعت بينهما منازعة في المسجد تطايش خالد بن الوليد فيها عن عمر يوم قدوم خالد من سفره حتى دخل خالد على أبي بكر وقاس ما عنده، فوجده غير محرج عليه في ذلك، فخرج إلى عمر وقال: هلم إليَّ يا ابن أم أشملة، فأغضا عنه عمر لما عرف اعراض أبا بكر عنه، فلما ولي الأمر لم يفعل فيها بخالد شيئاً، بل عاش حتى مات، فإن قال أنه رأى من المصلحة أن لا يقتله وهو إمام، قلنا: فاقتنع منا بمثل هذا الجواب.

قالوا فكم من حجة وبرهان
فقلت أين الناس من هذا الشان

 

270 / 292
ع
En
A+
A-