أما الكتاب قول الله تعالى: {فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ} ولا خلاف بين أهل النقل أن المراد بالأبناء الحسن والحسين عليهما السلام، وأنه ما دعا من الأبناء غيرهما، وأن المراد بالنساء فاطمة عليها السلام، وأنه ما دعا من النساء غيرها، وأن الأنفس هاهنا علي عليه السلام دون كل أحد؛ لأنه ما دعا سواه مع نفسه ممن عداهم.

وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وآله: ((كل بني أنثى ينتمون إلى أبيهم إلا ابني فاطمة فأنا أبوهما وعصبتهما)).

وقوله صلى الله عليه وآله: ((وإنهما ولداه وابناه، إن الله جعل ذرية كل نبي من صلبه، وإن الله عز وجل جعل ذريتي من صلب علي بن أبي طالب عليه السلام)) وقد ورد فيهما عنه صلى الله عليه وآله وأنهما[252] ولداه وابناه ما لا يتسع له الكلام في هذا الفصل مع ظهوره واشتهاره، وقد قدمناه في الكتاب، وقدمنا من الكلام في فضلهما وفضل أهل البيت عليهم السلام ما فيه كفاية وغنى عن غيره بحمد الله، ومتى كان كذلك لم يجز نكاح الفاطميات لمن عداهم، بل لو نكح فاطمية أجنبي من غيرهم لما انبرم النكاح، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وآله: ((لا يزوجنَّ النساء إلا من الأكفاء)) فإنه دليل على هذا بعينه؛ لأنه بمنزلة قوله: ((لا نكاح إلإ بكفو)) والمعنى لا نكاح شرعي إلا بكفو، فأما وحوده غير شرعي فذلك ممكن، ومتى لم يكن شرعياً فهو الغرض بقولنا لا يجوز، أي لا ينبرم في الشرع لعدم الكفو لهنَّ من غير القوم.

وروينا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: ((لما أسري بي رأيت على باب الجنة مكتوباً بالذهب لا بماء الذهب: لا إله إلا الله، محمد حبيب الله، علي ولي الله، الحسن والحسين صفوة الله، على باغضهم لعنة الله)) وقد تقدم الحديث فأين الكفو لصفوة الله، ولأولاد حبيب الله ورسوله من غيرهم ما أبعد ذلك، وهذا واضح بين بحمد الله، فأما ما عدا الفاطميات فإن نكاحهنَّ ممن عدا الكفو إذا رضيت المرأة، ورضي أولياؤها صحيح لما ثبت من أمثال ذلك في زمن النبي صلى الله عليه وآله من غير إنكار منه، ويمكن أن يحتج على ذلك بقوله صلى الله عليه وآله: ((أنتم بنو آدم طف الصاع لن تملاؤه، ولا فضل لأحدٍ إلا بتقوى الله)) فإن هذا الخبر دليل على أنه لا تفاضل بغير الدين غير أنه مخصوص في أهل البيت عليهم السلام بما تقدم من أدلة الكتاب والسنة النبوية التي قدمناها، فبقي من عداهم داخلاً في عموم الخبر.

فأما من يقول أن الإجماع منعقد على أن المرأة متى رضيت ورضي أولياؤه بالنكاح من غير كفو صح النكاح على وجه العموم فقد غلط؛ لأن الإمام المؤيد بالله نص على أن نكاح الفاطميات مع ذلك لا يصح، وكذلك الإمام المتوكل على الله قال: لا ينبرم العقد، ولم يكونا عليهما السلام ليجهلا هذا الإجماع، فإن كان ذلك فيما عدا الفاطميات فلعل إذ لا يصح الإجماع من دونهما عليهما السلام، ولو كان لم يخف عليهما فنصهما على ذلك مؤذن بأنه لا إجماع فهذا هو المعتمد عليه والله الهادي.

وهذه مسألة في تحريم نكاح الفاطميات بغير الفاطميين، أجاب عنها مولانا الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة بن سليمان عن رسول الله عليه وآله السلام، وسألت عن الدليل على تحريم نساء ولد الحسين والحسن على سائر الناس، وقلت أنك قد سمعت جماعة ممن يدعي الفهم يزعم أن حجتنا في ذلك ضعيفة، وقال: ليس أحد أعز من النبي صلى الله عليه وآله فزوج بناته قريش، وذكر أن أكثر العلماء مطبق على زواج بنات النبي صلى الله عليه وآله من العامة.

الجواب عن ذلك أن قول من ذكرت من يدعي العلم أن حجتنا في منع زواج الفاطيمات من غير الفاطميين ضعيفة استضعاف من ذكرت لها لا يقضي بصحة دعواه فيها.

وأما اطباق الأكثر على ذلك فأكثرهم لا يعقلون، وأكثرهم للحق كارهون، ولله الحجة البالغة، غير أنا نقول أن القرآن الكريم قد نص بتحريم نكاح أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأحدٍ من المخلوقين، وأجمعت الأمة على ذلك، وأولاد رسول الله صلى الله عليه وآله غير مخاطبين بالنهي عن نكاح[253] أزواج النبي صلى الله عليه وآله؛ لأن الآية لو لم ترد وأطلق نكاحهنَّ للأمة حرم نكاحهنَّ عليهم؛ لأنهنَّ زوجات جدهم، وما يعلم لتحريمهنَّ على الأمة وجه يشار إليه إلا كونهنَّ فراشاً لرسول الله صلى الله عليه وآله، ومتصلات بسبب زوجيته، وشرفهنَّ الواقع بمناكحته، والمعلوم أن سبب الولادة آكد في الحرمة من سبب النكاح؛ لأن أولئك فراشه وهؤلاء لحمه ودمه، فتحريم نكاح بناته على الأمة بطريق الأولى أولى، وهذا قياس لا نعلم في أقيسة الفقه ما هو أقوى منه، بل هو يوصل من نظر فيه على الوجه الصحيح إلى العلم، وهو يستعمل في أصول الدين لقوته، وبعض أدلة الفقه أمارات لا تقتضي إلا غالب الظن، ويسميها أهل الفقه أدلة، وهذا الدليل كان يوجب الحكم في جميع البنات لعمومه وشموله، إلا ما خصه الدليل، وقد خص الدليل ما عدا فاطمة عليها السلام بالقول والفعل، أما الفعل فإنه زوج رقية وأم كلثوم عليهما السلام من عثمان واحدة بعد واحدة، وزوج زينب من أبي العاص بن الربيع.

وأما القول فإن أبا بكر وعمر وجماعة من الصحابة خطبوا إليه فاطمة عليها السلام، فكان يقول: ((انتظر القضاء)) إلى أن نزل الوحي بزواج فاطمة عليها السلام من علي عليه السلام، فإن الله تعالى زوجه إياها في السماء، وأشهد ملائكته وأوحى إلى شجرة طوبا، فنثرت الدر والياقوت وأنواع الجواهر، فلقطت ذلك الحور العين فمن لقط منهنَّ شيئاً من نثار فاطمة عليها السلام كان حلياً للحلي، وفضيلة لمن أخذه في أخبار كثيرة، نرويها مسندة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثم قال: ((إنما أنا بشر مثلكم أتزوج منكم وأزوجكم إلا فاطمة، فإن زواجها نزل من السماء)) فانحاز الحكم كله إليها، وعكف عليها سلام الله ورحمته عليها، وذكر أن من يذكر أن بنات فاطمة من زوج من غير الفاطميين، وذلك مما لا لا ننكره، ولكنا نقول ونعلم أنما زوجت واحدة منهنَّ في غيرهم إلا لضرورة، والضرورات تبيح المحظورات، فيصير الذي كان قبيحاً في الحال الأول جائزاً أو واجباً في الحالة الثانية، كما تقول في النطق بكلمة الكفر أنه محظور في الحال الأولى جائز في الحال الثانية، وكذلك أكل الميتة محظور في الحالة الأولى واجب في الحالة الثانية، وهو بأن تخاف تلف النفس ولا تجد إلا هي.

وتفريع قول القائل أن ما عدا ما قلنا هو قول أكثر العلماء إنما يجوز على الجهال؛ لأن قول أكثر العلماء لا يكون حجة بل لا يمنع أن يكون قول الأكثر هو الخطأ، وقول الأقل هو الصواب، ونحن نقول بأن الدولتين العباسية والأموية لما تظاهر ضعف حال أهل البيت عليهم السلام، وجهل الناس حقهم، وأنكروا فضلهم، وأكبر برهان على ما قلنا ما فعلوا بالحسين بن علي عليهما السلام ولا واسطة بينه وبين النبي صلى الله عليه وآله إلا بضعة البنوية فاطمة عليها السلام، فمنعوه وقتلوه، وقتلوا أهل بيته، وفرقوا بين جسده ورأسه، وأوطؤا الخيل صدره وظهره، وسلبوا ثيابه، ونزعوا سراويله، وكشفوا عورته، وسلبوا نسائه، وساقوا حريمه وذريته، كأنهم أهل شرك من ترك وتأمل، وقال شاعرهم:

266 / 292
ع
En
A+
A-