عن الإمامات التي تقول
وإن يكن له فما التطويل
شبهة: قالوا إنهم قد تولوا من جهة عمر وزوجه علي عليه السلام ابنته أم كلثوم، ومتى ثبتت إمامة عمر فإمامه أبي بكر بالثبوت أولى؛ لأنها مستندة إليها ومبنية عليها.
فالجواب عن ذلك أنا نقول: أما التولية فما تولى أمير المؤمنين منهم شيئاً أبداً، وأكثر ما يدعى في ذلك تولي حفظ المدينة عند خروج عمر إلى الشام، إن صح ذلك عنه عليه السلام فحفظها متوجه عليه يومئذٍ، وليس في مثل هذا دلالة لو صح دلالة على إمامته، على أنا نقول لو تولى هذا أو غيره لكان له ذلك؛ لأن ولايته هي النافذة بحكم الله تعالى، وإنما ترك ذلك لأن لا يوهم الخطأ، وكذلك لو خرج معهم في الجهاد لكان ذلك جائزاً، وإنما تركه لمثل ذلك.
فأما قول المخالف أن جميع أصحابه، ومن يدعي أنه كان أنكر تولوا أمورهم وأخذوا عنهم الولايات الكثيرة، ولا سيما في وقت عمر، فقد بينا وقوع الخلاف منهم، والإنكار فلا تكون الولاية بعد ذلك دليلاً على الرضى؛ لأن كثيراً من الصالحين تولى لبني أمية كالحسن البصري وغيره، ولم يدل ذلك على قولهم بخلافتهم؛ لأن طريق ذلك طريق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد قال بعض الفقهاء بأن الولاية للقضاء وغيره من تحت أيدي الظلمة جائزة، وقد حكى الله تعالى عن يوسف عليه السلام أنه قال للعزيز اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم، فطلب الولاية من الكافر لما عرف أنه نفى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير أن يمنعه مانع، وقد قيل أيضاً أنهم ما تولوا إلا بأمر أمير المؤمنين عليه السلام، فيجب حملهم على أحسن الوجوه، ولا شك أن فيهم الإمام، وهو أمير المؤمنين، وقد ظهر إنكارهم على المشائخ وموالاتهم لأمير المؤمنين، فأما أن يظن أن ميل أمير المؤمنين في زمن أبي بكر وعمر كان خافياً فكلا وحاشا.
وقد روى أبو الحسن بن علي بن الحسن بن محمد الزيدي في كتاب المحيط بالإمامة بإسناده عن الزهري، والزهري ممن لا يتهم في أمر المشائخ قال: حدثنا عبدالله بن كعب أن الحسن بن علي عليهما السلام جاء إلى عمر بن الخطاب وهو على منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يخطب الناس يوم الجمعة فقال له: انزل عن منبر جدي، فقال له عمر: يابن أخي تأخر، والحسن عليه السلام يردد ذلك عليه ويجذبه عن منبر جده حتى قطع خطبته، ونزل عن منبره، وأقام الصلاة، ومثل هذا الخبر مروي عن الحسين بن علي عليه السلام، وقد تقدم حديث ذلك، فدل على استمرار الميل والإنكار من زمن أبي بكر إلى زمن عمر، فإن الحسن والحسين عليهما السلام لا يجاذبان عمر على النزول عن منبر جدهما إلا ومعهما علم من أبيهما صلوات الله عليهم أجمعين.
وأما تزويج أم كلثوم من عمر فلا اعتراض علينا به لوجهين:
أحدهما: أن التزويج ممن ليس بإمام جائز، فلا يدل ذلك على أنه راض بإمامته، ولا على أنه قائل بها، فإنا لا نقول بأن تقدم عمر عليه ونصبه لنفسه إماماً يوجب تحريم المناكحة بينه وبين المسلمين، بل يختص[247] هذا بالإمامية القائلين بأن عمر كفر بذلك، وارتد عن الإسلام، فكان تزويج أمير المؤمنين عليه السلام له مبطلاً عليهم ذلك المذهب، ما لم يكن ثم اكراه على التزويج.
الثاني: ما أجاب به الإمام المنصور بالله عبد الله بن حمزة عليه السلام السائل عن هذه المسألة في الجواب الكاشف للإشكال حيث قال عليه السلام: وأما تزويجه لعمر فنحن نروي امتناعه وكراهته لذلك حتى غضب عمر، وجاء العباس رضي الله عنه فقال: أنا عمه وأنا زوجك، فأجاز علي عليه السلام فعل العباس رضي الله عنه لما وقع الإكراه، وليس فيه أكثر من أن ما لم يجز قبل الإكراه جاز بعده، وليس حكم ما هذا حاله حكم الزنا وشرب الخمر؛ لأن عمر اجتهد في أنه يجوز له زواج بنت فاطمة، وعلي عليه السلام يقول: لا يجوز ذلك، فأكرهه عمر على ما اعتقد جوازه كما أكرهه على الانقياد له ولصاحبه في ثبوت إمامتهما، فانقاد له عليه السلام مشكوراً مأجوراً.
فأما من يعتقد جواز شرب الخمر فإنه يكون كافراً بالإجماع، وهذه مسألة اجتهاد فلا يطلق عليه لفظ الزنا، ولا تبطل أحكامه، ولا يلحق بالمنكرات في حال من الأحوال، فإذاً لا يصح استدلالهم بما ذكروه على إمامة عمر، ولا على أصلها يعود الشيء إليه من إمامة أبي بكر.