قال: أنشدكم الله هل فيكم أحد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: ((كذب من يزعم يا علي أنه يحبني ويبغضك)) فهل قال ذلك لأحدٍ غيري؟

قالوا: اللهم لا.

قال: فمن شهد ذلك منكم فما أسميته، ثم نهض صلوات الله عليه وآله وبين هذا الحديث والحديث الذي قبله وبين الحديث الذي رويناه في صدر الكتاب شيء من اختلاف، وكأنه عليه السلام يحدث معهم لكل واحدٍ في موقف من أيام الشؤرى، وهي ثلاثة أيام على ما روي، والله أعلم.

وحديث الشؤرى ليس أحد ينكره، والمخالف ينشره ويذيعه، ليبين به كيف ابتدأ خلافة عثمان من عمر، وفيه دلالة واضحة على أن أمير المؤمنين عليه السلام هو الأفضل في الثواب، والأولى بالحق والصواب، والأجدر بأمر الأمة، والأحب إلى الله وإلى رسوله، والذي هو الأكمل في جميع الخصال والمودة، ولن يخفى ذلك إلا على من أعمى الحيف بصيرته، فهل ترى أيها الناظر بعين البيان البصيرة[243] حضوره عليه السلام في الشؤرى كان إلا لمثل هذا الموقف العظيم الذي أوضح به الحجة، وأقام له عليهم الحجة، فواعجباً لمن يجعل الحجة له عليه السلام بزعمه حجة عليه، هل هذا إلا قول من تجاهل، وغر نفسه بالله الغرور، وكيف تخفى الشمس على ذي بصر سليم، أو يشتبه مثل هذا على ذي عقل قويم.

وكان من كلامه عليه السلام في أيام الشؤرى أن قال عليه السلام: فمكث القوم أيامهم كلها حتى أن كلاً منهم ليخيطها لنفسه، وأنا ممسك فإذا سألوني عن أمري وناظرتهم في أيامهم وأيامي، وأوضحت لهم ما لم يجهلوه من وجوه استحقاقي لها دونهم، وذكرتهم عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وتأكيده ما أكد لي من البيعة في أعناقهم، دعاهم حب الإمارة، وبسط الأيدي والألسن، والأمر والنهي، والركون إلى الدينا إلى الاقتداء بالماضين قبلهم، وتناول ما لم يجعل الله هم، فإذا خلوت بالواحد منهم بعد الواحد فذكرته أيام الله، وحذرته ما هو قادم إليه وصائر إليه، التمس مني شرطاً بطائفة من الدنيا صيرها له، فلما لم يجد عندي إلا المحجة البيضاء، والحمل على كتاب الله وسنة رسوله ووصيته، وإعطاء كل أمري ما جعل الله له، ومنعه ما لم يجعل الله له، انتبذ من القوم منتبذ فأزالها إلى ابن عفان طمعاً في التبجح معه فيها، إلى آخر كلامه عليه السلام في ذلك، وقد قدمناه مستوفا في موضعه.

فأما الإجماع الذي يدعيه المخالف هاهنا فالدليل على إبطاله مثل ما مضى في دعوى الإجماع أن علياً عليه السلام وأتباعه غير راضين بذلك، بل كان الحق عندهم تسليم الأمر لصاحبه أمير المؤمنين عليه السلام، ولهذا لما عقد عبد الرحمن بن عوف لعثمان.

قال علي عليه السلام: حياته حياة.........دهراً، وليس هذا أول يوم تظاهرتم فيه علينا، فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون، والله ما وليت عثمان إلا ليرد الأمر إليك، والله كل يوم في شأن، وروى ذلك الطبري في تاريخه، وكان من كلام المقداد ما قدمناه في صدر كتابنا هذا في ذلك اليوم.

فقال سعد منذ مات انقطعا
على عتيق منذ مات لا لعا

 

خلافه وصار قولاً مجمعا
فهل خلاف بعد سعد بدعا

259 / 292
ع
En
A+
A-