وأما عبد الرحمن فقد علم أنه يميل مع عثمان إذ هو صهره، ومع سعد إذ هو ابن عمه فأدار في ذلك رأيه في إزالة علي عليه السلام من الخلافة.
واعجب من هذا أنهم سمعوا بشهادته لهؤلاء الستة أنهم من أهل الجنة فلا تقولون له ألا تتقي الله يا إنسان، بل أطرقوا وأهطعوا اتباع كل ناعق، وسيقة كل سابق، فحرص القوم على إزالة أمير المؤمنين واسقاطه، فأبا الله[240] عز وجل إلا رفعته وعلوه؛ لأن تبيان رب العالمين لا يهدمه هادم، وأمره لا يعدوه أحد، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، فهذه رواية الرجلين المذكورين في كتاب الكامل المنير، وفي كتاب المنير أيضاً.
وهذه رواية أخرى وذلك أن أصحاب الشورى وهم ستة منهم علي عليه السلام لما اجتعموا انفرد كل واحد منهم بصاحبه ناحية، وقام عبد الرحمن بن عوف إلى علي بن أبي طالب عليه السلام فخلا به، فقال له عبد الرحمن يا أبا الحسن ما تقول تقوم بهذا الأمر بعهد الله وميثاقه، وعلى أن تسير بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن تعمل بكتاب الله تعالى وسنة نبيه بالعهود والمواثيق، وعلى أن لا تأخذك في الله لومة لائم، فقال علي بن أبي طالب عليه السلام: أما أن أكون أعطيك أيماناً فالله أجل في عيني وأهيب في نفسي، وأعظم في صدري من أن أعطيك ما ذكرت رغبة فيما أنتم فيه، وهذا الذي ذكرت من غير أيمان هو الواجب عليّ.
ثم قال: أم والله إنكم لتعرفون من أولى الناس بهذا الأمر قديماً وحديثاً، وما منكم من أحد إلا وقد سمع ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله، فإن صدقت صدقتموني وإن كذبت كذبتموني، أنشدكم الله هل فيكم أحد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله: ((أنت أفضل من أخلف بعدي في القضاء من جميع القوم)) فهل قالها صلى الله عليه وآله لأحد منكم غيري؟
قالوا: اللهم لا.
قال: أنشدكم بالله هل فيكم أحد سد رسول الله صلى الله عليه وآله أبواب الناس في المسجد وفتح له في المسجد باباً، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ((إني والله ما سددت أبوابكم، وفتحت بابه، بل أمرني الله بذلك)) فهل فتح باب أحدٍ من الناس غيري؟
قالوا: اللهم لا.
ثم قال: أنشدكم بالله هل فيكم أحد قال له الله ................. في المسجد جنباً مع رسول الله صلى الله عليه وآله غيري؟
قالوا: اللهم لا.
قال: أنشدكم بالله هل فيكم أحد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ليس بفرار يفتح الله على يديه، فلما أصبح نضر لها الناس فأتى بي وأنا أرمد فتفل في عيني وقال: اللهم اذهب عنه الرمد، ثم دفع إليَّ الراية، ولم يدفعها إلا أحدٍ غيري)).