قالوا: اللهم لا.

قال: أفيكم من من قال فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما)) غيري؟

قالوا: اللهم لا.

ثم قال: أناشدك الله يا عثمان، وأنت يا طلحة، وأنت يا زبير، وأنت يا عبد الرحمن، ما كنتم عشرة رجال عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأبو بكر وعمر وأنتم أيها الأربعة وسلمان الفارسي، وأبو ذر، والمقداد بن الأسود، وبريدة بن زيد الأسلمي فقال رسول الله عليه وآله السلام لأبي بكر: ((قم يا أبا بكر فسلم على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب)) فقال أبو بكر: بأمر من الله ورسوله؟ قال: ((نعم)) ثم قال لعمر مثل مقالة أبي بكر بأمرٍ من الله ومن رسوله؟ قال: ((نعم)) ثم قال لك يا عثمان فقلت مثل مقالتهما، ثم قال لجميعكم فلم تقولوا مثل ما قالوا، بل سلمتم ورضيتم؟

قالوا: اللهم نعم قد كان ذلك، وجميع ما قلت لا ينكر ولا يجحد.

ثم قال: الله بيني وبينكم.

قال مصنف كتاب الكامل المنير بعد هذا الحديث: قد علمت الأمة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم آخا بين أصحابه، فاختار بعضهم لبعضٍ على قدر فضائلهم وسوابقهم ومنازلهم، فآخى بين أبي بكر وعمر، وبين طلحة والزبير، وبين عبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان، وبين سعد بن أبي وقاص ومعاذ بن جبل، وآخى بين نفسه صلوات الله عليه وآله وسلم وبين علي بن أبي طالب عليه السلام، إذ لم يكن كفو في جميع أهل الأرض غيره، و لانظير له فيهم غيره، فكان كل واحدٍ منهم براً بأخيه، مطيعاً له هواه مائلاً إليه، يؤده لا يؤثر عليه غيره، فكان النبي عليه السلام أبر الخلق بأخيه، لا يتقدمه أحد عنده في ثقته وبره إياه، وإفضائه بأسراره إليه، وهو أولى الخلق بذلك صلوات الله عليه، حتى إذا حضرته الوفاة أوصى إليه بقضاء دينه، وإنفاذ عداته، وغسله وحنوطه وكفنه، دون الأمة كلها لا يختلف في ذلك أحد، فقام علي رضي الله عنه بهذا كله  دون الخلق مع ما عهد إليه من ولاء الأمة فيه من الولاء في غدير خم، فلما توفي صلوات الله عليه وآله وسلم اشتغل علي عليه السلام بجهاز أخيه، واشتغل أبو بكر وعمر بطلب[238] مقام علي من رسول الله عليه وآله السلام، فدعا كل واحدٍ منهما الناس إلى بيعة أخيه كا دعى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيعة أخيه، فلم يطيع إذ دعا إليها وأطيع عمر إذ دعا إلى أخيه أبي بكر، فقام أبو بكر مقام علي عليه السلام، وكان طلب الخلافة عندهما أولى من جهاز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومواراته في قبره والحزن عليه، وعظم المصيبة، فلما حضرة أبو بكر الوفاة دعا الناس إلى بيعة عمر أخيه، ورد الأمر إليه، وكذلك قال أمير المؤمنين عليه السلام يوم بيعة أبي بكر لعمر حين قال لعلي عليه السلام: أيها الرجل لست بمتروك أو تبايع، وكان من قول علي لعمر: أجلبت جلباً لك شطره، اشدد له الأمر اليوم ليرده عليك غداً، فقل للخوارج لمن قال بمقالتهم: أليس قد جلب عمر لأبي بكر ورد عليه أبو بكر فقام عمر مقام أخيه بالخلافة، فلما حضرته الوفاة نظر إلى من بقي من الأخوة الذين آخى بينهم النبي عليه السلام ممن يصلح للخلافة عندهم، فإذا عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف أخوان، وإذالا طلحة والزبير إخوان، وإذا علي بن أبي طالب عليه السلام وسعد بن أبي وقاص ليس واحد منهما لصاحبه بأخ، فعلم عمر أن كل واحدٍ من هؤلاء الأربعة يدعو إلى أخيه لا يؤثر عليه أحد، وعلم أن عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي واقاص أبناء عم دهريان، كل واحدٍ منهما صهر لصاحبه، مع الإخوة، فأمر الخمسة واحد من افخوة والقرابة والصهر، وبقي علي بن أبي طالب عليه السلام ليس له في القوم أخ ولا صهر  ولا قريب، ولا من يعتضد به، ولا من يدعو إليه غير أن الزبير قد كان دعا إلى بيعة علي يوم بيعة أبي بكر، وخرج سيفه وقال: لا أبايع إلا علياً، فصاح عمر اقتلوا الكلب يعني الزبير، فوثب إليه أسيد بن الحصين وسلمة بن أسبم فانتزعوا السيف من يده، فخاف عمر شدود الزبير وميله إلى علي عليه السلام لتلك الفعلة، ووثق بهؤلاء الأربعة أنهم لا يدعون إلى علي عليه السلام لذلك جعلها شؤرى، والدليل على ذلك قوله: إن اجتمع ثلاثة وثلاثة فالحق في الفرقة التي فيها عبد الرحمن بن عوف، وذلك أنه علم انه يدعو إلى أخيه عثمان بن عقان، وإن اتفق أربعة وخالف اثنان فاضربوا أعناق الاثنين؛ لأنه علم أن علي بن أبي طالب والزبير سيخالفان، وأن علياً سيدعوا إلى نفسه، وسيجيبه الزبير، كما خالفا عليهم يوم بيعة أبي بكر، وإلا فما دليل عمر أن الحق في الفرقة التي فيها عبد الرحمن بن عوف إذا لم يكن أمر من الله ولا من رسوله، ثم حكم فيهم بجكم آخر أن يصيروا الستة أصحاب الشورى في بيت ويتشاوروا فيه ثلاثة أيام لا يدخل عليهم أحد، فإن مضت ثلاثة أيام ولم يقيموا رجلاً منهم فاضربوا أعناقهم جميعاً، وصيروا على ضرب أعناقهم ابنه عبد الله، واستخلف على الصلاة صهيباً الرومي، فكامن يصلي بالمهاجرين والأنصار فقال صاحب الكتاب: فإذا كانت الصلاة فيما زعموا عندهم عمود الدين، وهي أفضل الأعمال، وهي دليلهم على أبي بكر إذ زعموا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمره بالصلاة، فقد دلهم عمر على صهيب إذ امره بالصلاة، فكانت حاجتهم إلى الشورى مع أن تصحيح فعال عمر في الشورى وصرفه الخلافة عن علي بن أبي طالب[239] صلوات الله عليه ومحبته أن تصير إلى عثمان بن عفان من جهة عبد الرحمن بن عوف، أنه لما اجتمعوا فاحتج عليهم أمير المؤمنين عليه السلام بما قد ذكرنا فلم يقبلوا من قوله شيئاً، فقال عبد الرحمن لأصحاب الشؤرى صيروا الأمر في يدي على أن أخرج منها نفسي، وأصير الخلافة إلا رجل منكم ترضون به جميعاً، يعمل فيها بكتاب الله عز وجل وسنة رسوله، فخلا عبد الرحمن بأخيه عثمان فقال له: أصيرها إليك على أن تعمل فيها بكتاب الله وسنة رسوله، وتسير فيها بسيرة أبي بكر وعمر، وتجعل مصر طعمة لي ما بقيت، فأجابه إلى ذلك لقوله يعمل فيها بكتاب الله وسنة رسوله، وأوضح سيرة أبي بكر وعمر ولم يرد غير سيرتها؛ لأنه علم أن علياً عليه السلام لا يسير بسيرتهما، ثم خلا بسعد فقال له: أصيرها إليك على أن تحكم فيها بكتاب الله تعالى وسنة رسوله، وتسير فيها بسيرة أبي بكر وعمر، وتجعل لي مصر طعمة ما بقيت، فأجابه إلى ذلك، ثم خلى بطلحة بن عبيد الله فقال له مثل مقالته لصاحبه فأجابه إلى ذلك، ثم خلا بالزبير بن العوام ثم قال له مثل مقالته لأصحابه، فأجابه إلى ذلك، ثم خلا بأمير المؤمنين عليه السلام فقال له: أصيرها إليك على أن تحكم فيها بكتاب الله وسنة رسوله، وتسير فيها بسيرة أبو بكر وعمر، وتجعل مصر طعمة لي ما بقيت؟

فقال له أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام صلوات الله عليه: بل أحكم فيها بكتاب الله وسنة نبيه، وانظر في شرطك في مصر، فإن كان يصير لكل رجل من المسلمين مثل مصر صيرت لك مصر، وإلا فليس لك عندي إلا ما لأقصى رجل من المؤمنين وأدناهم، فأعاد عبد الرحمن الشروط كلها على القوم، فأجابوه بجوابهم الأول، ما خلا أمير المؤمنين عليه السلام إلا بما كان قاله له، فجعل يسألهم ثلاث مرات، فيجيبونه بجواب واحد، ويسأل أمير المؤمنين صلوات الله عليه فيجيبه بجوابه الأول.

ثم قال عبد الرحمن لأخيه عثمان ابسط يدك أبايعك فبسط يده فبايعه.

وقال أبو الحسين أحمد بن موسى الطبري بعد ذكر عهد عمر: ثم قال للمهاجرين والأنصار إن اتفقوا في هذه الأيام على إمامة رجل منهم فهو إمامكم، وإن لم يتفقوا واختلفوا فاضربوا رقابهم، فهذا عبد الرحمن بن عوف أميني عليكم، ثم قال: إن اتفق أربعة منهم على إمامة رجل فكره واحد منهم فاقتلوه، وإن مال معه آخر فاقتلوه، وإن افترقوا نصفين فكونوا أنتم في الحزب الذي يكون فيه عبد الرحمن بني عوف، وإنما أرد بقوله إن انفرد واحد فاقتلوه يعني علياً عليه السلام؛ لأنه علم أنه لا يساعدهم، وأراد بالثاني الزبير إذ هو ابن عمته، وأراد بالثالث طلحة إذ هو صديق للزبير.

253 / 292
ع
En
A+
A-