أحدها: أنا قد بينا في غير موضع في هذه الكتاب امتناع أصحاب أبي بكر من قبول اختيار عمر، وإنكارهم عليه في اختياره، وذكرنا كراهة المتوبع حقاً، وهو أمير المؤمنين علي عليه السلام لتقدم الأول والثاني والثالث، وإنكاره لأمره هو ومن معه من المؤمنين.
الثاني: أن قول المخالف أن الصحابة أجمعت على ذلم دعوى لا بنية عليها، إلا أن يرجع بذلك إلى مثل قوله أولاً في أبي بكر من أن القوم كانوا بين مطيع له قائل به وبين ساكت عنه، والسكوت يدل على الرضى، فقد تقدم بطلانه لما بيناه مكن صرف السكوت إلى غير الرضى لا سيما مع استحكام أمر عمر وشدة وطأته وحدة شوكته.
والثالث: أن معاوية لم يظهر من أحد فيه نكير على الوجه الذي يريد صاحب الشبهة من الظهور والاشتهار والمقاساة بعد مهادنة الحسن بن علي عليهما السلام، فكما لم يدل ذلك على الرضى من كافة المسلمين بصحة ما كان يفعله معاوية وعلى الإجماع من كافة المؤمنين على الاعتراف بغمامته، والانقياد له كذلك ما نحن فيه، فإنه قد ظهر من أمير المؤمنين أولاً، ومن الصحابة لاحقاً به مما قد أوضحناه، وإمامة عمر تبع لإمامة أبي بكر، فإذا لم يثبت الأصل فالفرع بأن لا يثبت أولى، ولهذا فإن ظالماً متى اغتصب أرضاً فبنى فيها أساس دار فأنكر علهي المسلمون ذلك فقهرهم واستولى عليها، فلما كان بعد مدة أصلح السقوف على الحوائط التي كانت، واتم العمارة والمسلمون مستعملون السكوت الأول تقية ومخافة، فإنه لا يقال بأنه قد صار محقاً في ذكل لمكان السكوت، وجه ينصرف إليه، ومتى قيل إن ما ذكرتموه من أمر معاوية غير مستقيم لأنه قد كان المعلوم من حال جماعة من أعيان الصحابة والتابعين كراهة ذلك كما وردت الأخبار.
قلنا: فكذلك جوابنا فارضوا منها أيها المخالفون لنا بمثل هذا الذي قلتم، فإن العترة بإجماعها روت عن أمير المؤمنين عليه السلام ومن تابعه من المؤمنين أنهم كانوا كارعين لتقدم أبي بكر، ولتقدم عمر، ولقتدم عثمان كما قدمناه أولاً، وذكرناه الآن في الجواب عن هذه الشبهة غير راضين باستيلائهم على أمره عليه السلام، فلا يكون في ترك النيكير على ذلك الوجه كما ذكره المخالف دلالة[233] على الرضى والتسليم، ورواية العترة بأجمعها تدل على القطع كما تقدم، ولو أنها مثلاً لم تدل على القطع ولم تكن مقتضية للعلم، فأقل أحوالها أن تكون مقتضية لغالب الظن، وذلك يمنع من القطع على رضائهم بولاية القوم وتقدمهم، يزيد ذلك بياناً ووضوحاً أن خالد بن الوليد ما رضي بإمامة عمر ولا أطاعه في أمره، ولا خاطبة بأمير المؤمنين، ولا بايعه إلا أن مات، وكذلك ما روي أن أبا بكر قال لعبد الرحمن بن عوف لما استخلف عمر كلكم قد ورم أنفه من ذلك، يريد أن يكون الأمر له، وكذلك ما روي من تفرق الجماعة عن أبي بكر، لما خشوا بأنه مستخلف عمر، وأتوا علياً عليه السلام فقالوا: إن أبا بكر مستخلف عمر، وقد علم الناس إسلامنا قبل اسلام عمر، وفي عمر بقية التسليط إلى غير ذلك مما قدمناه من الحكايات المشهورة التي رواها الموالف والمخالف، وذلك يؤذن بوقوع النكير في أمر عمر كما كان في أبي بكر هذا، والأمر على ما ذكرناه من تشدد عمر وأصحابه، بحيث لو زاد النكير ظهوراً لم يؤمن وقوع الفتنة المؤدية إلى هدم قواعد الإسلام، لا سيما مع ما حصل في أيام عمر من الفتوح التي بها يقوى منه وتشتد وطأته، وانتشر لذلك الإسلام، فلم يكن لظهور الإنكار بحيث يريد على حد الواجب وجه، فإذا كان قد جرى في أمره من الإنكار ما قد ذكرناه لم يجب تكراره، وكذلك فالمعلوم من حال عمر في آخر أيامه أنه كان يرجع إلى أمير المؤمنين في المهمات، فلا يكاد يقطع أمراً إلا بمشورته، نحو ما رواه المخالف والموالف من قول عمر: ما من معضلة إلا وشهدها ابن أبي طالب، ونحو قوله: لا أبقاني الله لمعضلة ليس لها ابن أبي طالب، وقوله: لولا علي لهلك عمر، ونحو ما روي أنه قال: عجزت النساء أن تلدن مثل ابن أبي طالب، وفي بعض الروايات عنه أنه قال لعلي عليه السلام: لولاك لافتضحنا، وذلك ثابت في مثل هذه المسائل التي سئل عنها أبو بكر، والمسائل التي سئل عنها عمر، فلم يعرفا جوابها، وأجابها عليه السلام وفي غير ذلك، وكان المعلوم من حال عمر أنه كان إذا أراد امضاء حكم صعد المنبر، وجمع الصحابة واستشارهم، وكان يقول: رحم الله امرءاً عنده في هذه مشورة أو رأي أظهر ذلك، فلما كان طريقته كما ترى فإنه إذا لم يحكم بما ليس من الدين لم يجب إظهار النكير عليه، لما في اظهاره من الاختلاف والتفرق، وتشتيت الكلمة، ووهن الإسلام.
ومتى قيل إنما ادعغى في أمر ابي بكر وعمر جميعاً أنه جرى على مثل ما جرى عليه أمر معاوية في اجتماع الخلق على ذلك، فقد أبعد فإنا نعلم ضرورة أن أعيان أهل البيت وغيرهم كانوا ساخطين لأمر معاوية، ولا يمكن القطع على كارهة زاحد من الصحابة للأمر الذي عقد لأبي بكطر وعمر، وإنما يروى كراهة بعضهم بالاحاد.
فالجواب عن ذلم أنا إنما جمعنا بينهما من وجه جامع وهو أن سكوت من سكت عن المبالغة في النكير في إمامة أبي بكر وعمر لا تدل على الرضى لما كان هناك وجه يمكن صرف المبالغة لغة في السكوت إليه، وهو خشية الفرقة التي تعود بالضرر على الإسلام، كما أن سكوت من سكت عن المبالغة في الإنكار[234] على معاوية لا يدل الرضى لما كان لسكوته وجه يمكن صرفه إليه وهي المحاذرة من أن يؤدي ذلك إلى منكر أعظم، ومضرة أوفى.........، وأحد شروط انكار المنكر أن يعلم من يتوجه عليه ذلك أو يغلب على ظنه ن كان إنكاره لا يؤدي إلى وقوع منكر أعظم منه أو مساوء.
فأما قول المخالف أن من أعيان أهل البيت عليهم السلام وغيرهم من كان كارهاً لأمر معاوية، وأن ذلك معلوم ضرورة.
فالجواب عن ذلك مثل ما قدمناه آنفاً عن مثل هذا الاعتراض في أبي بكر وهو أنا كذلك نقول فإن أهل البيت عليهم السلام مجمعون أن علياً عليه السلام، ومن تابعه من المؤمنين كانوا كارهين لولايته، غير منقادين لها عن رضى، فإن كان خبرهم مقتضياً للعلم بذلك فهو الغرض، وذلك هو الصحيح كما تقدم من أن إجماعهم حجة، وأن إجماعهم يقتضي العلم، وإلا فلا أقل من أن يقتضي غالب الظن.
ثم يقال للمعترض وكذلك ما كان من جماعة بني هاشم ظاهر فإنه ما حضر أحد منهم السقيفة، ولا رضي بما كان فيها، ولا يصح أن يدعي على أحد منهم أنه بايع بعد ذلك طائعاً، ولا أنه سلم الأمر تسليم رضى به، وقد قلنا أن السكوت له وجه يمكن صرفه إليه.
|
فقال في الشورى لنا دلالة |