فأما القول بالوفق أو بتفضيل العباس أو عمر فلم يقل به أحد في ذلك الزمان، ولا هو محكي في شيء من المقالات، ولا هو مروي في شيء من الأخبار، حتى ذهب إليه أبو الهذيل، وبايعه أبو علي وأبو هاشم، فبان أنه مخالف لإجماع الصحابة، وأيضاً فإنما يقوله أهل التوقيف محال؛ لأنهم يقولون بأنهم لا يقطعون على أن أبا بكر أفضل من علي، ثم يقولون أن أبا بكر أفضل من عمر، وعمر أفضل من عثمان، ويتوقفون في علي وعثمان أيضاً، وإذا توقفوا فيه كانوا قد جعلوهما كالمتقاربين، وذلك يدل على أن أبا بكر لا يساويه علي عليه السلام؛ لأنه أفضل ممن هو أفضل من عثمان، وهذا يناقض القول بالتوقف في أبي بكر وعلي، وفيه دلالة على بطلان هذا القول، وثبوت الإجماع على أن علياً عليه السلام هو الأفضل؛ لأنها إذا بطلت أقوال الأمة كلها في التفضيل، ولم يبق إلا قول من فضل علياً عليه السلام وجب أن يكون هو الحق، وإلا كان الحق قد خرج عن أيدي الأمة، وذلك لا يجوز، ولما ثبت من أنهم لا يجمعون على أقوال كلها باطلة، فقد ظهر هاهنا بعد ما ادعاه المخالفون من فضل غير علي عليه السلام من الصحابة، وظهر أنه الأفضل بهذا أفتى بغيره مما قدمناه، ومما سيأتي وهو أظهر من أن يخفى، ولقد أبعدت المعتزلة في هذه الدعوى كما أبعد أبو هاشم، ومال عن طريقة الصواب لما احتج أهل مذهبنا على أن علياً عليه السلام هو الأفضل بآية المبالهلة، حيث جعل الله تعالى نفسه نفس النبي صلى الله عليه وآله بقوله: {وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ}.
قال أصحابنا: وإذا صار مثل نفسه صلى الله عليه وآله فلا أحد أفضل من رسول الله، ولا أكثر ثواباً منه، ولولا الإجماع على أن النبي صلى الله عليه وآله أفضل منه لكانت الآية متناولة لذلك، فإنها تقتضي تفسير النبي صلى الله عليه وآله أن نفس علي كنفسه صلى الله عليه وآله في كل وجه إلا ما خصه دلالة، ولهذا صار دلالة على إمامته، فقال أبو هاشم: لم يقصد بذلك الفضل، وإنما قصد القرب بالنسب، وهذا قول ساقط ظاهر البطلان؛ لأن العباس بن عبد المطلب أقرب من علي نسباً، فلماذا خص علياً بذلك[232] دونه، والعباس قيل أسلم قبل ذلك بثلاث سنين.
|
قالوا وقد نص عتيق لعمر |
بالأمر نصاً شاع فيهم وظهر
ولم يكونوا منكرين ما سطر
قلنا إلى كم يدعون الإجماع
في ذاك من متبوعهم والاتباع
وقد سمعتم بالكثير قد شاع
فطار في صحائف وأسماع
شبهة: قالوا أليس أن أبا بكر نص على عمر، وأقامه مقامه، ولم يكره ذلك أجد من الأمة، ولا تخلف منهم متخلف عن عمر، فلولا أن طاعة أبي بكر واجبة لكان لا يجوز انعقاد الإجماع على طاعة عمر لمكان نص أبي بكر عليه، فلما انعقد الإجماع عليه علمنا أن طاعته إنما وجبت لمكان الاختيار وذلك يبطل النص.
والجواب عن هذه الشبهة من وجوه: