فإنما الشرع طريق الكل

 

لولاه لم يقض بحسن الفعل

شبهة: قال بعض المخالفين إن الإمامة تجب لدفع الضر عن النفس، فإذا غلب على الظن أنه يندفع بنصب واحدٍ كان واجباً، ألا ترى أن قوماً أحاط بهم  العدو وغلب على ظنهم أنهم أقاموا واحداً منهم سلموا منه فإنه يلزمهم ذلك.

والجواب أن هذا نبأ على أن طريق وجوب الإمامة العقل، وذلك باطل؛ لأن ما ذكره المخالف ليس باستدلال على نفس  المسألة، فإن الذي هو التنازع ليس هو أن الرئاسة هل تثبت بالعقل أو بالشرع، وإنما هي مسألة رئاسة الإمامة، وهي التي تحتاج إليها في إنفاذ أمور شرعية نحو إقامة الحدود، وأخذ الزكوات كرهاً، وتجييش الجيوش لقتال الكافرين والمنافقين والفاسقين، وهذه الرئاسة المخصوصة في هذه الأمور لا تعلم بالعقل، بل تعلم بضرورة العقل، أن العقلاء قبل ورود الشرع ما يفزعون إلى نصب رئيس يتشرطون فيه أوصاف الأئمة ومنصبهم، ولهذا نجد من لا يعرف الشرائع لا يعرف هذه الرئاسة، وإنما الذي ذكره المخالف في كلام ورئاسة ليس بعامة نحو الرئاسة على العاقلة والقرية والقبيلة، وما أشبه ذلك، ومعلوم أن العقلاء لا يشترطون أوصاف الأئمة في هذه الرئاسة.

ثم يقال للمخالف إنما ذكرته من تولية واحد لدفع الضرر إذا أحاط بهم العدو ليس من الإمامة[230] في شيء؛ لأن ذلك الواحد إن كان يقصد إلى ما يقصد إليه الإمام من إقامة الجمعة، وإنفاذ الأحكام، أحكام الإمامة لم يجز توليته على الإطلاق، وإنما يجوز ذلك إن كان من منصب الإمامة، وكان مختصاً بأوصافها، وإن أردت الإمارة فذلك أمر غير الإمامة.

شبهة للمخالفين: قالوا فإذا كان الحق لعلي عليه السلام فلِمَ لم يبادر إلى السقيفة قبل وقوع العقد لأبي بكر ليورد حجته وينازع في الأمر؟

والجواب عن ذلك أنه عليه السلام اشتغل بالأمر الأهم، وبدأ بالحق الأعظم، الذي أضاعوه واشتغلوا عنه بالمنافسة في الدنيا، وهو تجهيز رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم لو قدرنا أن ذلك كان يمكنه برسالة فإنه يجوز أن يكون أحسن بهم الظن، وأنهم لا يعجلون إلا بعد نظر وتدبر، ولا سيما ما قد علموا فيه من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإنهم مع ذلك لا يعدلون عنه.

ويقال للمخالف: أليس قد روى علماؤنا وعلماء مخالفينا قول أبي بكر في أول خطبة بعد عقد من عقد له الأمر وليتكم ولست بخيركم، وإني لا أتكلم بها جهلاً، فإن كان صادقاً في قوله فلقد أخطأؤا في توليته، وإعراضهم عن من هو خير منه، وإن كان كاذباً في قوله فكيف يولون كذاباً يعلو منبر رسول الله صلى الله عليه وآله، ويعلن بهذا الكذب الصراح في جميع الصحابة، وعلى كل حال فهذا الخبر دليله على أنه ليس هو الأفضل بإجماع الصحابة أجمعت على ذلك، وإجماعهم حجة، يبين ذلك ويوضحه أن أبا بكر لما قال ذلك على المنبر بمحضر من الصحابة لم يخالفه أحد منهم، ولا أنكر عليه أحد، وإنما روي أن بعضهم قال: أنت أحق بهذا الأمر، ونحن لا نقيلك، وليس هذا رد عليه أنه خيرهم، وليس لقائل أن يقول إنه أراد بذلك التبكيت للنفس وترك العجب؛ لأن هذا لا يصح من حيث أنه يكون كذباً منه، وليس في الكذب تواضع بل فيه الضعة والنقص، ورسول الله صلى الله عليه وآله كان أزهد الخلق وأورعهم، فقال: ((أنا سيد ولد آدم ولا فخر)) وكذلك أمير المؤمنين عليه السلام قال على المنبر: سلوني قبل أن تفقدوني في الحديث الطويل، وقد تقدم وكان لا يزال يدعي الفضل على غيره، واحتج بذلك علماء الدين على أن الفاضل ينبغي أن يشهر فضل نفسه لا على وجه التزكية لنفسه، ولكن لأنه تتعلق بذلك أحكام شرعية في الاستفتاء منه، وقبول قوله، وإجابة دعوته إلى طاعة الله تعالى، وإنفاذ حكمه، والرجوع إليه عن المهمات، وتلبيته إذا دعا عند الملمات في الدين، وغير ذلك مما ذكره قاضي القضاة، وغيره من علماء الدين، فلو حمل قول أبي بكر عل ذلك لكان حملاً له على أقبح الوجوه، ولكانت الصحابة لا تقاره أيضاً على ذلك؛ لأنهم كانوا يذكرون فضائلهم ولا يقولون هذا القول أبداً، وإنما سكتت الصحابة لأنه صادق فيما قاله من أنه ليس بأفضلهم، ولا خيرهم فيبطل بذلك قول من يفضله، ومن فضل عمر فهو عن ذلك أبعد، فإن المعلوم الظاهر أنه قال لأبي عبيدة بن الجراح: امدد يدك أبايعك، فقال أبو عبيدة: ما لك في الإسلام فهة غير هذا، أتقول لي وأبو بكر حاضر، وأشار إلى أن أبي بكر[231] أفضل منه، ولم يجعل عمر أفضل ولا قال أنا أفضل وأولى بهذا الأمر، على أن تفضيل عمر قول خارج عن قول الصحابة والتابعين، وإنما الذين فضلوا هم قوم من الخطابية قد سبقهم الإجماع بخلافه، وقد فضل قوم العباس بن عبد المطلب وقالوا: هو الأفضل بعد الرسول عليه السلام، ومن المعلوم الظاهر أن قولهم هذا خارج أيضاً عن قول الصحابة والتابعين، وأن هذا القول موضوع لبني العباس فقط، وقد سبقه إجماع العترة والتابعين، ومن المعلوم أن العباس لم يكن من السابقين ولا من المهاجرين، ولا من فقهاء الصحابة، فكيف يفضل علي عليه السلام.

وأعجب من ذلك قول من ذهب من المعتزلة إلى الوقف فيهم؛ لأنه قول باطل؛ لأن الصحابة والتابعين إلى زمن أبي الهذيل كانوا على فرقتين، فرقة قالت بتفضيل علي على أبي بكر وغيره، وكانوا يسمونهم الشيعة، وفرقة قالت بتفضيل أبي بكر وكانوا يسمونهم العمرية والعثمانية، والشيعة تسميهم النواصب.

242 / 292
ع
En
A+
A-