ومن كتاب الكامل المنير قال: وحديث عبد الله بن بريد قال: جمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سبعة رهط وأنا ثامنهم فقال: ((أنتم شهداء الله في الأرض، أبديتم أم كتمتم، قال: يا أبا بكر قم فسلم على علي بامرة المؤمنين، فقال أبو بكر: عن أمر الله وأمر رسوله؟ قال: نعم، هو الذي أمرني، قال علي: اللهم اشهد، ثم أمر عمر بن الخطاب فقال مثل ما قاله أبي بكر عن أمر الله وأمر رسوله؟ قال: نعم، قال علي اللهم اشهد، ثم قال للمقداد بن الأسود فقام ولم يقل مثل ما قاله الأولين فأتاه فسلم عليه، ثم قال لأبي ذر فقام فسلم عليه، ثم قال لحذيفة فقام فسلم عليه، ثم أمرني فقمت فسلمت عليه وأنا أصغر القوم سناً، وأنا ثامنهم))، فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا غائب، فلما قدمت وجدت أبا بكر قد استخلف، فدخلت عليه فقلت: يا أبا بكر أما تحفظ تسليمنا على علي بن أبي طالب صلوات الله عليه بأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بامرة المؤمنين؟ فقال: بلى، فقلت: ما لك فعلت الذي فعلت؟
قال: إن الله تعالى لا يحدث أمراً بعد الأمر، ولم يكن الله ليجمع الخلافة والنبوة في أهل بيت، فانظر إلى هذا الخبر وأمثاله، فالحق واضح بين بحمد الله.
فأما دفع المخالف لنا بأنها أخبار آحاد فجوابنا عن ذلك أن نقول: إن كل من روى الإجماع على البيعة التي يدعونها يروي هذه الأخبار، فإن كانت هذه الأخبار لا تُقبل، فكذلك أخبار البيعة لا تُقبل، ومتى لم تُقبل فلا إجماع هناك على بيعة أبي بكر، وإذا لم تثبت خلافته بطلت خلافة عمر لكونها مبنية عليها، وصح أن الإمام هو أمير المؤمنين قبلهما، وإن كانت هذه الأخبار صحيحة هي وما شاكلها لم تصح إمامة أبي بكر أصلاً، فكيف ما دارت القضية فالحجة لنا بحمد الله، وكذلك الحق لا يزال غالباً لا مغلوباً.
الوجه الثاني من جواب الشبهة أن هذا الكلام إنما يتوجه على الإمامة من حيث قالوا بأن النص على علي عليه السلام جلي، يعلم المراد به كل أحد، وأن المخالف مرتكب الخلاف ما علم من دين الرسول صلى الله عليه وآله ضرورة، ولهذا يعظم الأمر فيه مع أنهم يعتذرون في ذلك بأن علياً عليه السلام خاف على نفسه الهلاك، فلزمته هاهنا التقية والابقاء على نفسه، وعلى الجماعة التابعة له التي هي في قلة مع ما تخشى من أعداء الإٍسلام لقرب العهد بالكفر إن افترقت كلمة المسلمين كما روي عن عبيد بن جعد قال: سمعت علياً عليه السلام[224] يقول: لقد ظلمت الحق، ولولا عهد الناس بالكفر لجاهدتهم، ولكن اصبر حتى يحكم الله لي وهو خير الحاكمين.
فأما الزيدية الذين يذهبون إلى أن النصوص على أمير المؤمنين عليه السلام استدلالية إذا نظر فيها علم وجوب طاعته إذا أمر وتوجه الأمر عليه بشرط السلامة، وأن لا يكون هناك ما يؤدي إلى الفساد، وتشتيت الشمل، وقد أيضاً يخفى المراد بما هذه حاله من النصوص على البغض، ويلتبس الحال فيه، فالواجب في مثل هذا عندهم وهو التنبيه على مواضع الاستدلال بها دون إظهار التكبر على الوجه الذي ذكره مورد الشبهة؛ لأنهم لا يرون المقدم على خلافها مرتكباً لكبيرة بحيث يقطعون على ذلك، بل يجوزونه ويجوزون كون ذلك صغيرة لجواز أن يلبس عليه الأمر فيظن أنه مصيب فيما أقدم عليه، فالحال فيه كالحال فيمن خالف آيات الوعيد، ومن أنكر كون القياس حجة شرعية، وما جرى مجرى ذلك مما فيه مسرح للالتباس والاشتباه، فكما أن ذلك يكفي فيه التنبيه والمناظرة اللطيفة كذلك ما نحن فيه، ألا ترى إلا ...........في كون الإجماع حجة مع ما يتعلق بذلك من اثبات الأحكام الكثير في النفوس والأموال والفروج، ومذهب الحسن البصري إلا أن الفاسق منافق يبطن الكفر ويظهر الإسلام، وخالفه واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، ومثل ذلك جرى بين أبي علي وأبي هاشم من الخلاف في المسائل الكثيرة التي الحق فيها واحد، ولم يظهر من أحد من العلماء أنه قال في مثل ما هذه حاله أن ترك الانكار على الوجه الأعلى من المشاقة والمباينة، والإنكار الظاهر الشهير يدل على الرضى به، ويدل على القول بمثله لما وقع في ذلك من التنبيه والمناظرة اللطيفة، ما يكفي في مثل ما هذه حاله، فإذا كان أمير المؤمنين عليه السلام يعلم من حال القوم أنه إذا ادعى الإمامة منعوه، وإن حاربهم وقاتلهم لم يقو عليهم لكثرتهم وقوتهم، وكثرة الضغائن، والإحن من المنافقين والمشركين، وغيرهم عليه مع أن ذلك يؤدي إلى تسليط الكفار وأعداء الإسلام على المسلمين لم يجب عليه إظهار الإنكار على الوجه الذي ذكره صاحب الشبهة، وادعا الإمامة على ذلك الوجه الظاهر بل يكون له السكوت انتظاراً للتمكين.
وأما قوله أنه يتبين بذلك أن لا نص بذلك فقد أريناه النصوص الكثيرة فيما تقدم، وبينا وجوه دلالتها على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام، بما يشفي غليل الصدور، ويوضح ملتبسات الأمور.
وأما قوله: وإلا كانت الأمة قد أجمعت على الخطأ، وذلك لا يجوز فقد أريناه أن الإجماع بأوضح دلالة، فإن أمير المؤمنين عليه السلام ومن تقدم ذكره من المؤمنين لم يتركوا أمر الرسول عليه السلام، ولم يعدلوا عنه إلى غيره كما قدمنا ذلك، فأما من عداهم فعنه جوابان:
أحدهما: أنه لم يظهر لنا أنهم قد اضطروا إلى قصد الرسول عليه السلام في تلك النصوص، فخالفوه مع ذلك، ويجوز أن يكونوا تركوا الاستدلال بقوله عليه السلام، وعدلوا عنه لشبهة دخلت عليهم، أو لأمور دهمتهم عند اجتماع الأنصار في السقيفة، وطلب بعضهم البيعة لسعد بن عبادة، فلما سئلوا عن ذلك قالوا: خشينا أن نكون كالغنم بلا راعي، لما عظم عليهم من موت الرسول عليه السلام[225] ولما نالهم من الفزع والجزع من أعداء الإسلام، ثم لما وقعت البيعة من بعض لأبي بكر لم ينعموا النظر، فاستمروا عليه، وربما أن يعلم البعض قصد النبي عليه السلام فيحمله الحسد وطلب الدنيا على ترك علي عليه السلام، واتباع أبي بكر، ولهذا الوجه لا نقطع بفسق أحد من الصحابة ما لم يعلم من أحدٍ منهم ارتكاب كبيرة.
ومن جواب الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان عليه السلام للشرفاء من سليمان قال عليه السلام: ومما نزل فيه أيضاً أنه لما اجتمع قوم ممن كان يسر بغضه علي عليه السلام، فقالوا: ما رضى محمد أن يكون على ما هو عليه حتى جعل الأمر بعده لابن عمه، فتقاسموا أن لا ولي الأمر بعده لنقتلنه، فعلم بذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لهم: ((قد فعلتم فاعتذور إليه)) وحلفوا ما قالوا، فأنزل الله تعالى في ذلك ما يقول عز وجل: {يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلاَّ أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُنْ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ}.
فالجواب الثاني أن المتبعين لأبي بكر هم بعض الأمة، وهم ممن يجوز عليهم الخطأ والمعصية، فإنك إذا تأملت أمرهم كشف لك عن قلة الرأي، والتسرع إلى أمر لا قاعدة له، ألا ترى إلى تركهم للأمر الأهم، وهو أمر رسول الله صلى الله عليه وآله، ومبادرة أبي بكر وعمر، وأبي عبيدة إلى سقيفة بني ساعدة، واستبدادهم بالأمر دون بني هاشم، وهم لحمة رسول الله صلى الله عليه وآله، وأشرف الخلق بعده، ثم انظر إلى قول أبي بكر لهم: بايعو أحد هذين إن شئتم -يعني عمر وأبا عبيدة- فقال الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: الأئمة من قريش، ثم مد عمر يده، فبايع أبا بكر وبايعه أبو عبيدة، وامتنع سعد بن عبادة، فقال عمر: اقتلوا سعداً قتل الله سعدا، فأي اختيار هاهنا يا مدعي الاختيار مع كراهة من كره ذلك، أم أي عقد هاهنا عقد لأبي بكر غير الرجلين، ثم وقع الإكراه بعدهما فلم يذكر العقد إلى على وجه الاستظهار، وإلا فلا أصل في الشرع للعقد الذي اعتبروه، ولا للاختيار الذي ذكروه كما قد هيأ ذلك، والله عز وعلا يقول: {وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} ويقول: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} ويقول سبحانه: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً مُبِيناً} يبين ذلك ويوضحه أن أبا بكر أوصى بالخلافة لعمر على كره مما ذكرنا أولاً من كبار الصحابة، بل روي أن الأكثر منهم كان كارهاً لم يبايع لعمر بعد ذلك، ولم يطلب الاختيار، فإن كان الاختيار فرضاً واجباً فقد عصى من عهد وعصى صاحب العهد؛ لأنه سلك غير الطريق الشرعية بزعمهم، وإن كانت الإمامة ثبتت بالعقد فقد أخطأ وعصى من اختاروا، وإن قالوا تثبت بهما جميعاً فذلك لا يصح؛ لأنه ليس في الكتاب ولا في السنة، ولا في الإجماع ما يدل على ذلك، وقياس نص إمامة على إمام كما قاله بعضهم على الولايات الشرعية لا تصح؛ لأنها مختلفة الأصول، فإن بعضها للولي وبعضها لا يصح ذلك منه، ألا ترى أن للوصي أن يوصي إلى الغير، وليس للوكيل أن يوكل ولا لولي النكاح أن يولي غيره بعد موته[226] فليس بأن تقاس الوصية والعهد بالإمامة على بعضها أولى من البعض الآخر، على أنه إنما كان للوصي أن يوصي بحكم الشرع، ولا دلالة على أن للإمام أن يعهد إلى إمام، وتكون إمامته ثابتة بالعهد فقط، أو بالعهد والاختيار جميعاً، بل ذلك مجرد مذهب المخالف فقط، وليس له حجة إلا ما يدعيه من الإجماع، وقد انهدم، وكذلك الباطل تنهدم أصوله كما رام صاحبه إقامته والحمد لله، وإنما الاختيار الذي ادعوه وذهبوا إليه بدعة في الدين ليس بمشروع في الإسلام، وكيف ترا الحاضرين بالسقيفة أصابوا الحق إن كان الأمر في قريش كما قال المخالفون، أليس رؤيتهم أن الأنصار أرادوا الأمر فيهم فاخطأوا، وهذا عمر يقول مرة: ولو كان سالم مولى حذيفة حياً ما تخالجني فيه الشكوك، واخطأ عمر في ذلك، وهدم قاعدته التي بنا عليها بزعمه، وهذا أبو بكر وعمر وأبو عبيدة يحملون الناس كرهاً على بيعة أبي بكر باختيار رجلين أو ثلاثة، فاخطأوا على هذا الأصل الفاسد، أبو بكر مع ذلك يقول: وليتكم وليست بخيركم، فاخطأ في تقدمه مع ذلك، واخطأوا في اتباعه، ويستبدون مع ذلك بالأمر دون أهله ودون مشورتهم، ولو كان ذلك عن إجماع من المسلمين كما زعموا، وعقد واختيار عن رضى كما هذوا بذلك لكانت البيعة باجتماعهم، وفي مسجد رسول الله صلى الله عليه، ولم تكن كما قال عمر: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقا الله شرها، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه، وإذا قال قائل إن هؤلاء من أمة محمد اخطأوا فهم ممن يجوز عليه الخطأ، وليسوا بكل الأمة، وما هؤلاء من أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام بأكثر من أصحاب موسى عليه السلام حيث يقولون مرة: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون، وكذلك بعض أصحاب محمد صلى الله عليه وآله في غزوة تبوك نظروا إلى سمرة خضراء فتبادروا من جانب الطريق يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط، وذات أنواط شجرة كانت قريش تعبدها، وتعلق عليها الحلي والحلل، وفي ذلك يقول الله عز قائلاً: {أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ} الآية، وكذلك عمدت بنو إسرائيل إلى العجل يعبدونه طاعة للسامري، وقالوا: هذا إلهكم وإله موسى، وتركوا هارون ومن معه حين قال هارون عليه السلام: {يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَانُ} فاستضعفوه عليه السلام وأطرحوا قوله، وكذلك هذا العصبة من أصحاب محمد صلوات الله عليه نصبوا أبا بكر لهم خليفة بغير حجة ولا بصيرة كما قد ترى، وأطاعوه فهو كما قال بعض أئمة الهدى فيما قدمناه عجلهم، وخالفوا وصي رسول الله صلى الله عليه وآله وولي أمرهم واستضعفوه عليه السلام، فنجا هو والمؤمنون المتبعون له عن معصيتهم، فكان هذا تصديقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وآله: ((لتركبن سنن من قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة)).