وقام من بعده المقداد بن الأسود الكندي فقال: معشر المسلمين أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول: ((علي مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، فالفائز من تولاه والكافر من عاداه)) ثم جلس.

وقام من بعده عمار بن ياسر فقال: يا معاشر المسلمين ناشدتكم الله وبحق رسول الله عليه أفضل الصلاة والسلام ألستم تشهدون أن النبي صلى الله عليه وآله قال: ((يا آل ياسر ابشروا موعدكم الجنة)) وقال: ((عمار مع الحق والحق مع عمار حيث ما دار عمار دار الحق معه)) وقال: ((ياعمار تقتلك الفئة الباغية، يكون آخر زادك من الدنيا قعب من لبن)) فقالوا: بلى، والله نشهد بذلك، ثم أقبل بوجهه إلى أبي بكر فقال: يا أبا بكر، ارجع عن فعلك، واقبر شرك، والزم منزلك، وإنك على رد الأمر على من جعله الله له ورسوله، ولا تركن إلى الدنيا، ولا يغرنك من قريش أوغادها، فعن قليل ترتحل من دنياك، وما ربك بظلام للعبيد، ثم جلس.

وقام من بعده أبي بن كعب وقال: يا معشر المسلمين، ألستم تشهدون أن رسول الله صلى الله عليه وآله رقا المنبر يوم غدير خم، وقام علي إلى جانبه، وحط يده اليمنى وشالا أيديهما حتى راى بياض آباطهما، ثم قال: ((يا معشر الناس، من كنت نبيه فهذا علي وليه، ألا من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره واخذل من خذله)) ثم جلس.

وقام من بعده قيس بن سعد بن عبادة فقال: يا أبا بكر ألست تشهد أن النبي صلى الله عليه بوم كنا بين يديه فأقبل علينا بوجهه وقال: ((ياأبا بكر من أحب علياً فقد أحبني، ومن أبغض علياً فقد أبغضني، ومن أبغضني فقد أبغض الله، ومن أبغض الله كان حقيقاً على الله أن يكبه على منخريه في نار جهنم)) فقال: بلى أشهد بذلك، ثم قال: يا معشر المسلمين، أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ((أنا حرب لمن حارب علي، وسلم من سالم علي)) ثم جلس.

وقام من بعده أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا معاشر المسلمين، ألستم تشهدون بأن النبي صلى الله عليه قال: ((هذا ابن التيهان ما كذبني[222] منذ آمن بي، ولا نافقني منذ صدقني)) قالوا: بلى، نشهد بذلك، ثم قال: يا معشر المسلمين، أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول: ((علي سفينة من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق)) أو قال: ((في النار)) ثم جلس.

وقام من بعده سهل بن حنيف فقال: معاشر المسلمين إني سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول: ((علي باب حطة من دخلها كان آمناً)) ثم جلس.

وقام من بعده أبو بريدة الأسلمي فقال: معاشر المسلمين، أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وهو يقول: ((علي أخي وابن عمي، ووارث علمي، وحامل رايتي يوم القيامة، والخليفة من بعدي، المؤمن من بايعه والكافر من  خالفه)) ثم جلس.

وقام من بعد خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين وقال: يا معاشر المسلمين، ألستم تشهدون بأن النبي صلى الله عليه قبل شهادتي وحدي، ولم يزد معي غيري؟ قالوا: بلى نشهد بذلك، فقال: أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول: ((ألا إن الله ربكم، ومحمداً نبيكم، والقرآن إمامكم، والإسلام دينكم، وعلي عليه السلام هاديكم، فوالا الله من والاه، وعادا من عاداه)) ثم جلس.

وقام من بعده أبو أيوب الأنصاري فقال: يا أبا بكر، ألست تذكر هذه الآية يوم أنزلت: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا} فقمت أنت وصاحبك فقبلتما بين كتفيه وقلتما والله أصبحت مولانا، ومولا كل مؤمن ومؤمنة، فقال: بلى، قد كان ذلك، فقال: إني أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول: ((علي عين الله في خلقه، وولايته الصراط المستقيم، والحجة على الأمة بعدي)).

فلما أن سمع أبو بكر نزل عن المنبر، ودخل منزله فمكث لا يخرج إلى الناس ثلاثة أيام، فلما أن كان في اليوم الرابع أتاه عمر وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وسالم مولى حذيفة، والأشعث بن قيس، وأبو موسى الأشعري، وقنفذ مولى عمر مع  كل رجل منهم عشرة رجال، شاهرين أسيافهم، حتى أخرجوه من منزله، وعلا المنبر، فخطب وجعلوا يدورون في المدينة وهم يقولون: والله لئن عاد أحداً إلى مثل ما تكلم به بالأمس لنعلونه بأسيافنا، فأمسك القوم للقوم عند ذلك ولم يردوا جواباً، ومن تدبر ما أخص الله به أمير المؤمنين عليه السلام من الآيات المتقدمة الكريمة، ونظر بعين البصيرة إلى ما ورد فيه من الآثار من رسول الله صلى الله عليه وآله علم، أن الصحابة لا يجمعون على خلاف تلك النصوص، لكون ذلك إجماعاً على الخطأ، فيتحقق أن مثل هذه الأحاديث الواردة بالإنكار منهم على من تقدم علياً عليه السلام لا ثقة بهم، وأن مثلهم لا يغفل عن مثل هذا الأمر الأعظم، ولا ينسى تلك النصوص ولا يعرض عنها، بل هذا مما يلزم تنزيه جملتهم عنه، ووقوع الخطأ من البعض لا يلزم الكل، مع إنكار هؤلاء العلماء والحجاحجة، ولا سيما مع شهادة  الكتاب الكريم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، بأن إجماعهم حجة، وأنهم الدلالة الكبرى، وأن الله لا يجمعهم إلا على رضاه، فيعلم حينئذٍ أن هذه الأخبار وإن كانت أخبار آحاد فإن ما تضمنته لابد أن يقع من ثقته فيهم، فكيف يسوغ لمن يدعي الحق، وينتحل الإسلام أن يدعي أن علياً عليه السلام هو وأتباعه لم يدعوا النص، ولم يظهروا الارتكاز على من قال بالعقد والاختيار، وهو لأئمة الهدى وأتباعهم المهتدون، يزوون هذه الأحاديث وأمثالها، وإجماعهم عليهم السلام معلوم على وقوع الانكار، وكيف يدعي مدع من أهل الإسلام أنهم أجمعوا على إمامة أبي بكر[223] مع مثل هذه الأخبار والحكايات، ومع إجماع أهل البيت عليهم السلام على أنهم ما أجمعوا عليها، وهذه الأمة بخلاف من تقدم من الأمم من حيث إجماعها حجة، فإذن هذه الأخبار وما شاكلها من أرجح الأخبار؛ لأنها موافقة للكتاب والسنة، ولإجماع العترة عليهم السلام، ولما يقتضي به الظن الجميل في أصحاب الرسول عليه السلام، وذلك كله موقع للقطع على الجملة أنه لا إجماع معلوم تقع به الحجة على إمامة أبي بكر.

236 / 292
ع
En
A+
A-