شبهة: فإن قيل: لو كانت الإمامة بالنص لكانت الإمة قد أحمعت على الخطأ؛ لأن من لم يدع النص وهو علي عليه السلام وأتباعه لم يظهروا النصوص، ولا ادعوه، ولم يظهروا الإنكار على من قال بالعقد والاختيار، وهم يعلمون أن الأمر عظيم في باب الإمامة، ومن مواقعة المناكير العظيمة، من إقامة الحدود، وأخذ الأموال، وسفك الدماء، فكان يلزم أن ينكروا ذلك إنكاراً ظاهراً، وأن يظهروا النص على غير الإمام، فلما لم يقع منهم ذلك دل على أن النكير لم يكن، وأنه لا نص وأن الصحيح هو العقد والاختيار.
والجواب عن ذلك أن نقول: أما ما ذكرته أيها المخالف من أنه لم يقع إنكار، ولا تعيين منصوص عليه، فذلك ظاهر البطلان والسقوط، لما بيناه أولاً من إنكار من أنكر، وتعيينهم للإمامة في علي عليه السلام، وما جرى هنالك من التشدد، والمنازعة والمشاجرة، فلا يستقيم لك[220]إنكار ذلك منهم، بل روى ذلك المؤالف والمخالف.
وأما قولك إنه كان يلزم أن ينكروا ذلك انكاراً ظاهراً لما في الإمامة من الخطأ من مواقعة المناكير العظيمة.
قلنا: عنه جوابان:
أحدهما: أنه قد وقع من ذلك الواحب فما فوقه من شهر سيف الزبير، وانتهى الأمر بسبب الانكار الظاهر والمنازعة الشديدة، والتصريح بأن علياً عليه السلام هو الإمام إلى كسر سيف الزبير، وضرب سلمان وعمار، والوعيد بإحراق بيت فاطمة عليها السلام، كما روى ذلك أئمة الهدى وغيرهم من موالف ومخالف، وقد قدمنا ذلك مفصلاً، ونحو ما حكاه الرواة من منازعة أمير المؤمنين لهم آنفاً، في جواب الشبهة التي قبل هذه حيث بين لهم أنه أولى بالأمر منهم، ونحو قوله عليه السلام: احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة.
وقول العباس: وما أنتم يا قريش من شجرة نحن أغصانها، وأنتم جيرانها.
وقول عمر لعلي: لا والله حتى تجزوا رقابنا بالمناشير، حيث قال له عليه السلام: نحن أولى برسول الله وبما ترك، ونحو ما وقع من إنكار الجماعة الذين تكلموا مع أبي بكر في المسجد، وخوفوه بالله، ونهوه عن التقدم على من له الأمر، وهو أمير المؤمنين عليه السلام، وذلك ما روى الإمام المتوكل على الله أحمد بن سليمان عليه السلام في كتاب حقائق المعرفة قال: لما بويع لأبي بكر وارتقا المنبر منبر رسول الله صلى الله عليه وآله، وكان ممن قعد عن بيعته اثنا عشر رجلاً، ستة من المهاجرين وستة من الأنصار، فكان من المهاجرين خالد بن سعيد، وأبو ذر وعمار، والمقداد وسلمان، وأبي بن كعب، وكان من الأنصار قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي، وأبو هيثم بن التيهان، وسهل بن حنيف، وأبو بردة الأسلمي، وخزيمة بن ثابت ذوا الشهادتين، وأبو أيوب الأنصاري، فقال بعضهم لبعض: قوموا إلى هذا الرجل فانزلوه من منبر رسول الله صلى الله عليه، فقال بعضهم: إن هذا الرجل اتفقت عليه هذه الأمة، ولكن انطلقوا بنا إلى صاحب هذا الأمر حتى نشاوره ونستطلع رأيه، فانطلق القوم حتى أتو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام فقالوا: يا أمير المؤمنين، كنا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله، ورأينا هذا الرجل قد صعد منبر رسول الله صلى الله عليه وآله فأردنا أن ننزله عنه، فكرهنا أن ننزله دونك، ونحن نعلم أن الحق لك.
فقال عليه السلام: أما إنكم لو فعلتم ما كنتم إلا حرباً لهم، وما كنتم إلا كالكحل في العين، أو كالملح في الزاد، وقد اتفقت هذه الأمة التاركة قول نبيها الذين باعوا آخرتهم بدنياهم، وقد شاورت في ذلك أهل بيتي، فأبوا إلا السكوت لما يعلمون من وغر صدور القوم، وبغضهم لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله، ولكن انطلقوا إليه فاخبروه بما سمعتم من قول نبيكم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولا تتركوه في شبهة من أمره، ليكون ذلك أوكد في الحجة، وأبلغ في العقوبة إذا لقى الله وقد عصاه، وخالف أمر نبيه، فانطلق القوم في يوم جمعة في وقت صلاة الظهر حتى جثوا حول منبر رسول الله صلى الله عليه وآله، فأقبل أبو بكر فصعد المنبر فقال المهاجرون للأنصار: قوموا فتكلموا بما سمعتم من قول نبيكم صلى الله عليه فقال الأنصار للمهاجرين: بل أنتم قوموا فتقدموا، فإن الله قدمكم علينا في كتابه فقال: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ} فكان أول من تكلم خالد بن سعيد، فقام قائماً على قدميه[221] وقال: معاشر المسلمين، أنشدكم الله وبحق رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، تشهدون بأن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لي: ((هذا خالد صديق قومه))؟ فقالوا: بلى، والله نشهد بذلك، فقال: يا معشر المسلمين، وأنا أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول: ((علي قائد البررة، وقاتل الكفرة، وهو أحق بالأمر بعدي)) ثم جلس.
وقام بعده أبو ذر الغفاري فقال: يا معاشر الناس: أنشدكم بالله وبحق رسول الله صلى الله عليه تشهدون بأن رسول الله صلى الله عليه قال: ((يرحمك الله ياأبا ذر تموت وحدك، وتدفن وحدك، وتحشر وحدك، وتحاسب وحدك، وتدخل الجنة وحدك، يكرم الله سبعة نفر يلون غسلك ودفنك)) قالوا: نشهد والله بذلك، قال: فأنا أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول: ((علي أخي وابن عمي، وأبو سبطي، والحجة من بعدي)) ثم جلس.
وقام سلمان الفارسي فقال: يا معشر المسلمين، أنشدكم بالله وبحق رسول الله صلى الله عليه تشهدون بأن رسول الله صلى الله عليه قال: ((سلمان منا أهل البيت)) قالوا: بلى والله نشهد بذلك، فقال: فأنا أشهد أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وهو يقول: ((علي إمام المتقين، وقائد الغر المحجلين، والأمير من بعدي)) ثم جلس.