فإن قالوا: ثبتت بإجماع الصحابة حين بايعه الخمسة أو دونهم، قيل لهم: أفليس أمير المؤمنين ومن معه من المهاجرين والأنصار من خيار الصحابة، بل هم كبار الصحابة، فلِمَ لا يعتد بهم في الإجماع، ولم يصح الإجماع مع خروج واحد من علماء الصحابة، فضلاً عن هؤلاء، وإن قالوا: ثبتت إمامته تلك الحال، وإن لم تجمع الصحابة، قيل لهم: قد خرجتم عن دليلكم؛ لأنكم استدللتم على إمامته بإجماع الصحابة، وهذا المدلول إذا حصل وهو إمامة أبي بكر فلابد أن يكون الدليل حاصلاً؛ لأنه يدل دلالة الوقوع، ولا يدل الإجماع على أنه كان إماماً؛ لأنه إنما يثبت إماماً بالإجماع عند المخالفين، فكيف يصح ما قلتموه عند ذلك، فأما قول قاضي القضاة[219] أن أمير المؤمنين كان ناظراً في الاختيار هل هو طريق الإمامة أو لا، فذلك لا يصح؛ لأن عندهم أن كون الاختيار طريقاً إلى الإمامة مما هو ظاهر عند الصحابة، وكيف يجوز أن يعرفه المغيرة بن شعبة وأصاغر الصحابة، ولا يعرف أمير المؤمنين ومن معه طريق الإمامة، وقد عرفها أصاغر القوم وعوامهم، هذا ما لا يعقل ولا سيما مع قولهم أن الاختيار إنما يعرف أنه طريق الإجماع، وأيضاً فإن كان الاختيار لا يعلم أن الإمامة ثبتت به إلا بإجماع من الصحابة على إمامة أبي بكر، وأنهم اختاروه وجعلوا طريقة إمامته الاختيار، وقد علم خلاف هذا الإجماع بما قدمنا من اختلافهم فيه، فإذاً لا تثبت الإمامة ولا طريقها لملعتزلة.

ومما يدل على خلاف ما ادعوه من رضى علي عليه السلام أنه ما زال مغضباً متوجعاً متألماً لمكان ظلمهم، وأخذهم حقه، روى ذلك عنه الموالف والمخالف، وكما رواه الإمام المنصور بالله عليه السلام في كتاب معاوية إلى أمير المؤمنين في قوله لكل الخلفاء حسدت، وعلى كلهم بغيت، وقوله: كنت تقاد للبيعة كما يقاد الحمل المحشوش.

وروي عليه السلام جوابه عن أمير المؤمنين عليه السلام فكان من قوله: وذكرت ابطائي عن الخلفاء، وحسدي إياهم، والبغي عليهم، فأما البغي فمعاذ الله أن يكون، وأما الكراهة فوالله ما اعتذر إلى الناس من ذلك، إلى غير ذلك مما ذكره في خطبته الشقشقية، وغيرها من خطبه ومقاماته، فكيف يكونون عنده أئمة، ويكون متبعاً لهم، وهو يقسم بالله ما يعتذر إلى الناس من كراهتهم، ويقول: تقمصها ابن أبي قحافة وفي العين قذا، وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهبا، متى كان هذا يجتمع كل ذلك، رواية المنصورة بالله عليه السلام كما قدمناه.

وكتب نهج البلاغة مسموع مشهور، لا ينكره إلا معاند يريك الهوى.

وإن تقل لو كان نص يوجد
لكنهم لما ادعوا لم يجدوا
قلنا بلى نادوا على الأشهاد

 

في حيدر لا ظهروا وأوردوا
فالحق ما اختاروا إذاً وعقدوا
وأظهروا النصوص على العباد

 مبثوثة لرائح وغاد

 

لكنهم مالوا عن الرشاد

234 / 292
ع
En
A+
A-