فإن قالوا:لم تكن واجبة قبل فعلها، قيل لهم: فلماذا اشتغلوا بما ر يجب عما ليجب على التعيين، وهو تجهيز الرسول عليه السلام إلى أن يدفن إلا ما لا يجب على التعيين، وإن قالوا: كانت واجبة بيعة أبي بكر بعينه، قيل لهم: فهل وجبت لئلا يبايع الأنصار أولاً؟ فإن قالوا وجبت لهذا، قيل لهم: ليس بأن تجب بيعته لئلا يبايع لسعد بن عبادة، ولا من أن يجب أن يبايع سعد لئلا يبايع أبا بكر بن أبي قحافة، وأولي الأمر من أن تجب بيعة من النساء والمماليك، لئلا يبادر إليها أبو بكر إن كان لا علة إلا أن يسبق إلى البيعة، وإن قالوا: وجبت لا لذلك، قيل لهم: فهل وجبت بيعته على عمر وأبي عبيدة ومن سبق إلى بيعته كبشير بن سعد لدلالة أو لا لدلالة؟ فإن قالوا: لغير دلالة، قيل لهم: فإن ما لا دلالة عليه فهو بدعة وضلالة، ولم تكن بارة تجب لغير دلالة أولا من أن لا تجب، ويكون عدولهم عن تجهيز رسول الله صلى الله عليه وآله الذي هو واجب معصية أخرى، وإن قالوا: للدلالة، قيل لهم: فهل دلت على أن بيعة أبي بكر أولى من تجهيز رسول الله عليه السلام أو لا، فإن قالوا: للدلالة قيل لهم فهل دلت على أن بيعة أبي بكر أولى من تجهيز رسول الله عليه السلام أو لا، فإن قالوا لم تدل على أنها أولا، قيل لهم: فكان الأولى تجهيز رسول الله صلى الله عليه وآله؛ لنه لا أحد يقول كانا سواء في الوجوب قبل البيعة[217] وإن قالوا: دلت علىأن بيعة أبي بكر أولى من تجهيز رسول الله هه قيل لهم: هذا غاية الحيف على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإنها لو كانت أولى لكانت أفضل من تجهيزه والإجماع مطبق على أن بيعة ألي بكر لا تقارب تجهيز رسول الله صلى الله عليه وآله في الفضيلة عند القائلين بهذا، وهي باطلة عند أمير المؤمنين عليه السلام، وعند أهل البيت كافة عليهم السلام، وعند كثير من الأمة، فكيف يقال أنها أفضل من تجهيزه؟
ثم يقال لهم: أخبرونا أيا المخالفون عل كانت تجب على الناس بيعة أبي بكر عند بيعة عمر وأبي عبيدة أو لا؟ فإن قالوا: لا تجب عليهم، قيل لهم: فلِمَ اشتغلوا بما لا يجب، وحملوا الناس عليه واضطروهم إليه، وأتوا بالأفعال التي هي ظلم ما لم يكن في واجب، ونحو كسر سيف الزبير، والاستخفاف بسلمان، وغير ذلك مما تقدم، وإن قالوا: كان قد وجبت بيعته، قيل لهم: فهل كانت وجبت علىالناس بما وجبت على عمر وأبي عبيدة، والحمسة أو وجب لا بما وجبت عليهم؟
فإن قالوا: وجبت بما وجبت عليهما، أو على الثلاثة أو على الخمسة على حسب مذاهبهم، قيل لهم: فهل وجبت على هؤلاء المذكورين من حمسة أو دونهم بالكتاب والسنة، أو الإجماع أو لدلالة العقل، أو بالضرورة، فإن ادعوا الضرورة فقد باهتوا، وإن ادعوا شيئاً من الأدلة المتقدمة قيل لهم: ليس في الكتاب ولا في السنة ولا في الإجماع ما يدل على وجوب بيعة أبي بكر على عمر، ولا على أبي عبيدة، ولا على أحدٍ، ولا يجدون سبيلاً إلى ذلك، والإجماع الذي يدعوتنه متأخر عن البيعة عندهم، وإن قالوا: وجبت على الناس بغير ما وجب على هؤلاء المتقدمين من خمسة أو أقل، قيل لهم: فهل وجبت على الناس بغير بيعة عمر، والأربعة أو ذويهم على حسب مذاهبهم ضرورة أو استدلالاً، فإن قالوا: ضرورة فقد باهتوا، وإن قالوا باستدلال قيل لهم: فليس في العقل ولا في الكتاب ولا في السنة ما يدل على أن الخمسة أو ذويهم إذا بايعوا رجلاً فقد وجبت إمامته، وإن قالوا بلإجماع قيل لهم: فليس الخمسة أو دونهم أهل الإجماع.
ويقال لهم أيضاً: فهل علم عمر وأبو عبيد ة وأبو بكر أن أبا بكر أولى بالإمامة من غيره حين نازعوا الأنصار فيها أو لا؟
فإن قالوا: لم يعلموا، قيل لهم: هذه منازعة بالباطل، وتوثب على غير الحق، وعمل بالظن في الإمامة التي هي من أعظم أركان الدين، وإن قالوا: علموا أن أبا بكر هو الأولى حين نازعوا الأنصار قيل لهم: فلم عرضها أبو بكر على عمر وعلى أبو عبيدة، ودها الأنصار إلى ذلك وعرضها كل على صاحبه، ولو كان فهذا يدل على أنهم اعتمدوا أن يجعلوها في غير أهلها، وتعمدوا ذلك وتعمدوا أن يجعلوها لأبي بكر من غير علم أنه أولى، وما هذه حاله لا يصلح أن يقال إن الصحابة أجمعت عليه، وكيف تجمع على الخطأ وعلى ما لا يصح أن يكون عليه دليل، أو يقال لهم: أخبرونا أيها المخالفون: لِمَ بادروا إلى بيعة أبي بكر، ولم ينتظروا أمير المؤمنين عليه السلام وبني هاشم، ومن ذكرناه من فضلاء الصحابة، هل ذلك إلا لأن هؤلاء المتروكين لا يعتد بهم، أو لأنهم[218] تبع لهم، أو لأنهم يكفون من دون اجتماعهم معهم، أو لأن هنالك نصاً على أبي بكر.
فإن قالوا: لا يعتد بهم، فقد جعلوا هؤلاء الرؤساء في الإسلام الذي يعرف فضلهم، والاعتداد بهم الخاص والعام ممن لا يعتد بهم، ومن بلغ إلى هذا الحد فلا ينبغي مناظرته؛ لأنه لم يعرف ما يعلم ضرورة من الدين، وإن قالوا لغيره بل الأولى أن يقال إن غيره له تبع، وإن قالوا لأنهم يكفون من دونهم اجتماعهم فذلك باطل؛ لأنه لا يصح الإجماع مع خروج واحدٍ من هؤلاء فكيف بجميعهم، ومن اعتقد أنهم يكفون دون رؤساء الإسلام، وسادة الصحابة وعلمائها، فقد بعدوا أن قالوا للنص فهو باطل بما تقدم، وبما يأتي إن شاء الله تعالى.
وإن قالوا: لأنهم بايعوه ويجب على سائر الناس طاعة أبي بكر بعد بيعتهم، قيل لهم: فهل علِمَ أمير المؤمنين عليه السلام ومن تخلف معه أن طاعة أبي بكر تجب عليهم بعد بيعة هؤلاء أولا؟
فإن كان كذلك كان تخلفهم عنه ومنازعته فسقاً في الصحابة، فلا خطاب له، وإن قالو: لم يعلموا ذلك، قيل لهم: فكيف يعلم صغار الصحابة وعوامهم وجوب طاعة أبي بكر إن كانت معلومة مثل المغيرة بن شعبة، وبشير بن سعد، وغيرهم، وعمر بن الخطاب، ويجهلها هؤلاء، وأين هؤلاء وأشكالهم من أمير المؤمنين وابن مسعود، وأبي الدرداء، وأبي ذر الغفاري، وسلمان وعمار وغيرهم ممن ذكرنا أولاً، فقد بان بعد ما يذكرونه في ذلك.
وقال لهم هل وجبت طاعة أبي بكر وثبتت إمامته ذلك الوقت أو لا؟
فإن قالوا: لا حتى تجتمع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قيل لهم: فلم قعد في مقعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قبل ذلك، ولم أمر ونهى وأوجب على الناس اتباعه، وحل وعقد، وولى وعزل، وأنفذ الأحكام الإمامية، وأكره الناس على بيعته، وتوعد الناس هو وأصحابه، وأحدثوا الحوادث المتقدمة، واضطروا أمير المؤمنين إلى بيعته على قول من رواها، وإن قالوا: ثبتت إمامته ذلك الوقت بعينه ببيعة الخمسة أو دونهم، وهم عمر ومن معه، قيل لهم:............إجماع الصحابة تثبت أم لا؟