فما راجعه أبو بكر بجواب في البيعة حتى هلك، وهذه الرواية كرواية كثير من أهل البيت عليهم السلام أنه لا بيعة هناك، وإذا كان كذلك فجوابنا عن هذه الشبهة وما أشبههما هو ما قدمنا من أنه لا بيعة عند كافة أهل البيت عليهم السلام، ولا صحة للمسح الذي يحكى عند أكثرهم وأكثر شيعتهم، وعلى هذا لا إمامة للأول ولا للثاني ولا للثالث؛ لأنه لا إجماع مع خروجه عليه السلام عن ذلك، بل لو صح ما يرويه بعض المخالفين، والموالفين، من وقوع البيعة على وجه الإكراه، فإن وجودها كعدمها، وهي بيعة بمنزلة الأولى، في أنه لا حكم لها، ولا دلالة، فإنه عليه السلام لو صح أنه مد يده مبايعاً بعد هذا من غير أن يمدوها ما كانت بيعة؛ لأنه لا يمين، ولا بيعة، ولاطلاق، ولا حكم شرعي مع الإكراه، كما قال تعالى: {إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً} فقال لاإكراه في الدين، أي لايثبت حكمه، وهو بمنزلة ما لم يقع، إذا كان هناك إكراه، ولا خلاف في امتناعه عليه السلام عن البيعة، بل الأخبار المتواترة قاضية بذلك، والإجماع مطبق عليه، وإنما اختلفوا في مدة[214] الإمتناع من الحضور إليهم، وترك الاجتماع بهم، ووقوفه في منزله عليه السلام، فروى بعضهم أنه اعتزل القوم فما حضرهم ستة أشهر.
وروى بعضهم أنه ما زال معتزلاً إلى أن ماتت فاطمة عليها السلام غاضبة على أبي بكر، وأوصت أن لا يحضرها هو وعمر عند دفهنا، وكانت قوة لأمير المؤمنين عليه السلام، لما لها من التعظيم والجلالة في قلوب المؤمنين.
وقال بعضهم: وهو أقل ما قيل اعتزل أربعين يوماً، هذا هو المروي في امتناعه من بعض، جعلوه امتناعاً من الحضور، وجعله المخالف امتناعاً عن البيعة كما قدمنا آنفاً عنهم، فجعلوا ذلك مدة الامتناع عنهما كما قال أبو هاشم بأنه عليه السلام تأخر عن البيعة أربعين صباحاً.
ورووا عن الزهري وغيره أنه تأخر ستة أشهر.
وقال قاضي القضاة: تأخر لاستيحاشه منهم حيث استبدوا بالأمر، ولم يتربصوا بإبرام العقد حضوره، وإنما تأخر أياماً يسيرة، ولعله كان أربعين يوماً، ولم يكن أبو بكر يلتمس منه المبادرو، وهذا كما ترى أقاويل ملفقة وأحاديث ترهات باطلة، فإن التأخر منه عليه السلام معلوم لا يدفع ذلك دافع، ولا يخالف فيه مخالف، ودعوى البيعة دعوى باطلة من حيث أنه لا حجة عليها، بل كثير من الروايات ناطق بأنه لم يبايع أصلاً، وإنما لبسوا على العامة، وفي بعضها أنه بايع كرهاً كما قدمنا، وليس في شيء منها أنه بايع عن اختيار، ولمن نظر بعين الحق في هذا كله دلالة واضحة على أنه عليه السلام لو علم صحة إمامة أبي بكر لما تأخر عنها الوقت اليسير مع كونه السباق إلى الخيرات، والباعث عليها، والفاعل لها مع كونه العالم والحجة، فكيف يغفل عن معرفة هذا وهو الوصي، وكيف لا يعرف أمر الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بل هذه الوحشة لعلمه بأنه صاجب الأمر بحكم الله وحكم رسوله عليه السلام، وأن القوم انتحلوا ما ليس لهم، وأنهم سلكوا غير طريق الحق، وركبوا من المنافسة في هذه الدنيا الفانية، وحمله على الوحشة التي ذكرها المخالف، حمل له على أقبح الوجوه، ومثله عليه السلام لا يدع الواجب والأمر المهم في الدين لمثل هذه الترهات، ولقد نسبه القاضي إلا أمر قبيح من حيث نسبه إلى ما لا يجوز من تركه لما يحب من الأمور الدينية المهمة؛ لأجل ما تنفر عنه نفسه من استبدادهم بالرأٍي دونه، بل لو قال بعض المسلمين مثل هذا في قاضي القضاة ولا استنكرت المعتزلة، ولنزهوه عنه، فكيف في المعصوم السباق إلى كل خير وطاعة، وإن كان قاضي القضاة قد قال: إنما تأخر عليه السلام عن البيعة لاشتغاله بتجهيز الرسول عليه السلام هذا هوالمذكور في شرح المقامات، عما ذكر في المعنى، وفي المحيط، فقد ناقض في كلامه أو بدا له من اعتقاد، وهذا إلى اعتقاد آخر وهو المشبهة التي ذكرها شبهة داحضة، فإن اشتغال أمير المؤمنين عليه السلام بذلك يكفي في الوقت اليسير، والتأخر على قولهم كان شهوراً، وأقل قولهم أنه تأخر أربعين يوماً، ثم لو قدرنا أنه اشتغل في تجهيز رسول الله عليه السلام، أربعين يوماً، على بعد ذلك واستحالته، ولقد كان يكفي في ذلك أن يرسل رسولاً[215]، أو يكتب كتاباً إلى أبي بكر بأني داخل تحت أمره، راض بإمارته، ومصوب لتقدمه، ويكون هذا مكان سخطه عليه، وادعا الظلم منه، وكان يقول لمن طلب البيعة قد بويع أبي بكر وهو الخليفة، وأنا متبع له، وإنما صرفني اشتغالي بتجهيز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما لو نظر المخالف بعين الصواب والبصيرة، لعلم أن اشتغاله عليه السلام بأمر الرسول عليه السلام وكون ذلك اختصاصاً به منه صلى الله عليه وآله لأمير المؤمنين، وأهل بيته من جملة مناقبه عليه السلام الداعية إلى تقديمه، والموجبة لانتظار الصحابة الصحابة له بذلك، ووقوفه عليه فإن المأثور بالإسناد الموثوق به إلى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما اشتدت علته، وحجب على الرجال ثلاثاً، وخلى به النساء، فلما كان في اليوم الرابع فتح عينيه وقال: ((ويحكن ادعن لي حبيبي وثمرة فؤادي)) فقالت حفصة: ادعو له عمر، فدعي له ثم قال: ((ويحكن ادعن لي حبيبي وثمرة فؤادي)) فقالت عائشة: ادعو له أبا بكر، فدعي له فقال: ((ويحكم ادعن لي حبيبي وثمرة فؤادي)) فقالت فاطمة عليها السلام: ادعو له زوجي علي بن أبي طالب ما أراه يدعو غيره، فدعي فلما نظر إلى علي جذبه فاعتنقه وقبله وقبل بين عينيه ثم قال: ((السلام عليك يا أبا الحسن، إذا أنا مت فاغسلني أنت، فإنه لا ينظر أحد جسد محمد غيرك إلا ذهب بصره، وليكن من ينقل إليك الماء من أهل بيتي مسدود العينين، فإذا فرغت من عسلي فكفني بثوبين أبيصين وبحبرة يمانية)) قال عليه السلام: فإذا فرغنا من غسلك وتكفينك من يصلي عليك؟ قال: ((يا سبحان الله، إذا فرغتم من شأنبي فامهلوني على شفير قبري ساعة، فأول من يصلي عليَّ رب السماوات والأرض، والصلاة من الله الرحمة، ثم جبريل وميكائيل وملائكة سماء سماء، فإذا فرغتم من ذلك فامهلوني قليلاً قليلاً، ثم يتقدم من أهل بيتي فليصل على الأقرب فالأقرب بغير إمام، ثم الحدوني في لحدي، واحثوا عليَّ التراب، أوصبكم بالوصية العظما بفاطمة والحسن والحسين)) فكان أمير المؤمنين عليه السلام هو الذي يغسله وجبريل يعاونه ويقلبه له، والفضل بن العباس ينقل الماء إليه، وهو المشدود العين.
وروينا من مناقب الفقيه ابن المغازلي رفعه إلى السائب بن يزيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يحل لمسلم ينظر مجردي أو عورتي إلا علي)).
وعنه أيضاً رفعه إلى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لا يحل لرجل يرى مجردي إلا علي)).
وروينا ذلك عنه ولقد بعد المدافع بهذه الحجة في الميل عن الحق، بل لو أنصف لكان اختصاص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لعلي عليه السلام بهذه المنزلة العظماء، ولأهل بيته عليهم السلام أقوى دلالة على أنه عليه السلام أولى بما وراها من أمر الأمة؛ لأن أمره صلى الله عليه وآله أهم من أمر الأمة، واختصاصه عليه السلام به من جملة ما يدل على اختصاصه بأمر الأمة، ألا ترى أن المعتزلة جعلوا ما ادعوه لأبي بكر من أمره بالصلاة دليلاً على استحقاقه الخلافة، وهي دعوى لا صحة لها، كما قدمنا ذلك فهذا الاختصاص لعلي عليه السلام بالتغسيل والتكفين والنزر إليه دون سائر الناس[216] ومعاونة جبريل عليه السلام بأمره، مع قوله في هذا الخبر بأنه يحبيبه وثمرة فؤاده، وإعراضه عن أبي بكر وعمر، وقد دعيا له عن أمرهما بما أمره به عليه السلام من جميع ذلك فيه نهاية التعظيم والشرف، والتنبيه لأهل العقول السليمة من الحمية المنزهة عن العصبية، المعرضة عن اتباع السلف، وشبه الخلاف على أنه عليه السلام ولي الأمر، ثم يزيد ذلك وضوحاً وصيته التي جعلها الوصية العظما بفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، وكانت كما قال بعض أئمة الهدى ممن قد قدمنا ذلك عنه أول حرمة هتكت في الإسلام، حيث منعوها فدكاً، وتوعدوها تحريق بيتها، وتوعدوا زوجها أخا رسول الله عليهما السلام بضرب ما فيه عيناه إن لم يبايع أبا بكر، فالله المستعان لقد سلبت المعتزلة في أمره عليه السلام التوفيق، حيث مالوا عن سواء الطريق، فعارضوا الله ورسوله بأدلتهم وحججهم، فصارت أدلتهم هنالك شبهات، وحججهم ترهات كما ترى مثل هذه التعليلات الفاسدة، والاعتراضات على الحق الباردة التي لم يكن تليق بأمثالهم، ولا تصدر عن أشكالهم، كل ذلك بسبب ال التحي عن الطريق الصواب، والميل عن أنظار ذي الألباب، والإعراض عن حجج السنة والكتاب، وسعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون، ولقد كان الاشتغال بأمر رسول الله عليه السلام وتجهيزه، والأمر الذي هو أهم ما يبدأ به، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام في كلامه لرأس اليهود.
ثم يقال: هل هذه المقالة ومن طابقهم ما يقولون أكان تجهيز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم واجباً إلى أن يدفن أن لا؟
فإن قالوا: لا، فقد تعدوا، وإن قالوا: نعم هو واجب، قيل لهم: فهل كانت بيعة أبي بكر واجبة أو لا؟