فالجواب عن ذلك من وجوه:
أحدها: أن العترة أجمعت على أن علياً عليه السلام ومن اتبعه من المؤمنين ما رضوا ببيعة أبي بكر قبل ولا بعد، وإجماعهم حجة كما تقدم بيان ذلك.
والثاني: أنكم مسلمون لوقوع التنازع والإختلاف، وهذه بعد ذلك دعوى، فهلم الدلالة.
والثالث: أنما عولتم عليه من ترك النكير وصرفه إلى الرضى لا يصح، مع هذا التشدد العظيم من عمر وأشباهه في بيعة أبي بكر، مع ما يؤيد ذلك من قلة الأنصار لعلي عليه السلام، وكثرة الإحن عليه، والحسد له، وظهور الضغائن[211] التي أخبره بها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قدمنا ذكر ذلك، ولهذا قال له عمه العباس: امدد يدك أبايعك، فيقول الناس: عم رسول الله بايع ابن أخيه، فلا يختلف عليك اثنان.
قال عليه السلام: لو كان عمي حمزة حياً، أوأخي جعفر باقياً، مبيناً بذلك ضعفهم وقلتهم في جنب القوم، وقد اعتذر عليه السلام لضعفه عن ذلك ستة من أنبياء الله تعالى عدهم وسماهم ضعفوا وعجزوا عن مثل ما عجز عنه، وقد تقدم الخبر.
وقد روى سادات ائمة الهدى وغيرهم من موالف ومخالف الوعيدة بإحراق بيت فاطمة عليها السلام، أو هدمه على ما تقدم، فكيف يصح ادعا هذا الإجماع ومثل هذا يكفي في المنع عن العلم، فإنهم لم ينكروا، لأن أقل الأحوال هذه الأخبار، لو سلمنا مثلاً أنها أخبار آحاد تجويز صدقها فلا يحصل العلم معها بعدم الإنكار، ثم لو سلمنا تسليم جدل أنه لم يوجد من أحدٍ من إنكار، فإن السكوت لا يدل على الرضى إلا إذا لم يكن صرفه إلى وجه سواه، وهاهنا وجه يمكن صرف السكوت إليه، وهو لو أنهم أظهروا النكير لافترقت الكلمة، واشقتا العصاه، وتفرق شمل المسلمين، وتحزبوا أحزاباً، يؤكد ذلك قول علي عليه السلام، في جوابه لأبي سفيان: طال ما طلبت للإسلاك الغوائل، وقوله لعمه العباس، حين أهش لكلام أبي سفيان مهلاً يا عم، فإنه فاسق يدعوا إلى تفريق الكلمة، وفي ذلك كما ترى من وهن الإسلام، وما لا يخفى على ذي بصيرة مع كثرة المنافقين، وقلة عدد المسلمين في جنب المشركين، وارتداد العرب حول المدينة، وكثرة تشدد المبايعين لأبي بكر، والمتابعين له، وقد ذكر أمير المؤمنين عليه السلام في كلامه لرأس اليهود أنه ما ترك الأمر إلا لهذا المعنى، وصرح بذلك، وقد قدمناه مفصلاً، وفي ذلك كله وجه يتضح به العذر في الإنكار، وإظهار الخلاف، ولو قدرنا أنه لم يقع منهم إنكار، فكيف يقال مع هذا أنه لا وجه للمسلمون إلا الرضى، ومتى استمرت الحال هكذا لم يكن في استمرارها دلالة على الرضى؛ لأن الأحوال الموجبة للسكوت في أول الأمر لو قدرنا وقوعه دائمة مستمرة من بعد، على وجه أقوى مما كانت عليه قبل، فإن أمر القوم استحكم وظهر ظهوراً، بحيث لو سمع من واحد من جماعة الحق التي حكاها أمير المؤمنين في كلامه لرأس اليهود، حيث قدمنا ذكر ذلك نكير لنزل به من المكاره أعظم مما كان قبل، والذي قد ظهر أولاً من الامتناع من البيعة والإنكار في صرف الأمر عن علي عليه السلام، ولحوق الوحشة بقلبه هو دلالة على فقد الرضى، وقد أنكروا بألسنتهم وبغضهم بالسيف كما فعل الزبير كما تقدم بيان ذلك حتى إذا قهر وأكفاهم ما في القلوب، وإذا ثبت ذلك فلا دلالة في السكوت على الرضى، ولهذا فإن سكوت من سكت عن النكير لإمارة معاوية وخلافته عند استحكام أمره، وقهره للمؤمنين عليها، فإن السكوت هناك لا يكون دلالة على الرضى بإمامته، لما كان هناك ما يمكن صرف السكوت إليه، وهو الخوف من معاوية، والمحاذرة من شره، وكذلك ما نحن فيه تبيين ذلك أن أمير المؤمنين عليه السلام، لما وجد الأعوان، وتفانا كثيرة ممن قهره أظهر كثيراً مما كان في قلبه على المنابر، وجاهد أعداء الله، وأظهر أمره[212] وقاتل الناكثين مرة والقاسطين حيناً، والمارقين تارة، وكذلك غيرهم، فأما ما يدعيه بعض المخالفين أو كلهم من أن علياً عليه السلام قد بايع أبا بكر، فقد ادعوا ذلك، وربما قال بعضهم: كانت بيعته كرهاً بعد موت فاطمة عليها السلام.
وقال بعضهم بعد ستة أشهر، وقال بعضهم: أتى به ملبياً، وقيل: بل في عنقه حبل، وتوعدوه بالقتل، وقيل: له: إن لم تبايع ضربنا عنقك.
فالجواب عن ذلك أن العترة مجمعة على أنه عليه السلام ما بايع أبا بكر بيعة عهد ورضى، وإجماعهم حجة واحبة الإتباع، كما تقدم بيان ذلك، وأكثر أهل البيت عليهم السلام ينفى وقوعها مسحاً وغيره، ومن ذكرها منهم مسحاً على وجه الإكراه مع قول علي عليه السلام: اللهم اشهد، فذلك مما لا حكم له ولا اعتبار به، وقد قدمنا في صدر كتابنا هذا ما وقع منهم من التشدد في البيعة على علي عليه السلام، وامتناعه عن ذلك، كما رواه أئمة الهدى عليهم السلام، وأما رواية غيرهم، فروى صاحب كتاب المحيط بالإمامة.
قال بإسناده إلى قيس بن مسلم، يرفعه إلى عمر بن الخطاب، أنه قال لعلي عليه السلام، حين دعي للبيعة فأبى، فاختر إحدى ثلاث، إما أن تدخل فيما دخل فيه المسلمون، وإما أن تأذن بحرب، وإما أن تأخذ براد شهر.
وروى أبو الحسن أحمد بن يحيى البلاذري وهو ثقة عند العامة وأصحاب الحديث بإسناده، قال : بعث أبو بكر عمر بن الخطاب إلى علي عليه السلام حين قعد عن بيعته وقال: ائتني به بأعنف العنف، فلما أتاه جرى بينهما كلام، فقال له علي: اجلب حلباً لك شطره، والله ما حرضك على إمارته اليوم إلا ليؤمرك غداً، وما تنفس على أبي بكر هذا، ولكنا أنكرنا ترككم مشاورتنا، وقلنا: إن لنا حقاً لا تجهلوه، ثم أتاه فبايعه.