شبهة: قالوا إن الصحابة أجمعت على إمامة أبي بكر وبايعوه واتبعوه، ولم يكونوا ليجمعوا على الخطأ.
والجواب عن ذلك أنه لا إجماع من جميعهم على إمامته بل تنزيههم عن الإجماع على إمامته أولى، لما بيناه من الأدلة القاطعة على أن الإمام هو علي عليه السلام دون أبي بكر ودون صاحبيه، فلو أجمعت الصحابة على ذلك لكانت قد أجمعت على خلاف الله تعالى، وخلاف رسول الله صلى الله عليه وآله، بل هذه الدعوى باطلة؛ لأن ذلك لو وقع منهم لكان إجماعاً على الخطأ، وإجماعهم على الخطأ لا يجوز، فوجب أن يتأول جميع ما يشتبه على من لا بصيرة له من وقوع الإجماع على موافقة أدلة الكتاب والسنة؛ لأنها معلومة، والقول بهذا الإجماع يؤدي إلى بطلانها، وبطلانها محال لا سيما مع ما عرف أن الأصل هو الإجماع، ومدعيه يحتاج إلى بيان أن الصحابة أجمعوا على إمامة أبي بكر قولاً ونصاً من غير تنازع، أو فعلاً، أو تقديراً مقروناً به العلم بالرضى من كافتهم، وهذا مما يبعد ويتعذر العلم به والمعرفة له مع ما يروى في تلك الأيام مما قد بينا منه بعضاً في صدر كتابنا هذا، وفي اثنائه إلى هذا الحد، ومما نبينه الآن إن شاء الله تعالى، وسواء جعل هذا بنفسه وجهاً في بطلان إمامة أبي بكر وحده، أو جعل مسند إلى أن الإجماع على إمامته في الأصل هنالك، فإنه دليل ثابت.
ثم اعلم أن ما يدعي المخالف من الإجماع باطل، فإن المعلوم المشهور من حال الصحابة لمن عرف الأخبار، واقتص السير والآثار، أن المختلفين عن البيعة يوم السقيفة هم علماء الصحابة، وأعيان الإمامة الذين يرجع إليهم في الأمور المهمة من فتوى وغيرها، وأهل الورع والجد والاجتهاد من المهاجرين والأنصار، وأرباب الجهاد مع الرسول عليه السلام، والمتخلفون الذين أشرنا إليهم، منهم إمام المتقين وسيد المسلمين، وأمير المؤمنين عليه السلام، والسابق إلى الخيرات، والمتقدم إلى الغمرات، وعمه العباس بن عبد المطلب، وجميع بني هاشم، فإنه لا خلاف أنهم ما حضروا السقيفة[204] ومنهم الزبير بن العوام، وسلمان الفارسي، والمقداد بن الأسود، وعمار بن ياسر، وأبو الدرداء، وأبو ذر الغفاري، وعبدالله بن مسعود، وخالد بن سعيد، وأبو الهيثم بن التيهان، وأبي بن كعب، وسهل بن حنيف، وأبو بردة الأسلمي، خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، وأبو أيوب الأنصاري، وحذيفة وبلال بن حمامة، وكذلك أسامة ومن بقي معه من عسكره، وعمرو بن سعيد بن العاص في بعض الروايات، وعثمان بن حنيف في بعضها، ومنهم سعد بن عبادة، وقيس بن سعد بن عبادة، وجميع عشيرة سعد من الخزرج، وأهله، فكيف يصح دعوى الإجماع مع تخلف هؤلاء، ولولا بقي واحد من علماء الصحابة لما صح معه إجماع، فكيف بأكثر علمائهم، وكيف يتصور أو يعقل وقوع إجماع خرج عنه إمام الهدى، ووصي رسول الله صلى الله عليه الذي لا ينكر سابقته وفضله وعلمه، إلا من خلع دين محمد عليه السلام من عنقه، وذهب متبعاً رسن حمقه، واشتهار تخلف هؤلاء المذكورين كاشتهار وقوع بيعة من بايع أبا بكر مع أنا لو قدرنا مثلاً أن تخلفهم لم يشتهر كاشتهارها، بل هو مروي بأخبار الآحاد لم يصح إجماع معلوم مع ذلك؛ لأن أخبار الآحاد توجب الظن، ومع الظن والتجويز لا يثبت القطع على وقوع الإجماع، وحجة المخالف على إمامة أبي بكر بن عمه، هو وقوع القطع على الإجماع، وهذا مما لا سبيل إليه، بل من تأمل وقوع بيعة السقيفة ممن بايع عرف أن ذلك أمر لم يكن عن رأي وبصيرة، بل كان إيثار للهوى لما كان فيه من المبادرة والعجلة، والحمية والمناقسة في الدنيا، والسبق لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإخراج هذا الأمر عنهم، واغتنام فرصة اشتغالهم، وأن ذلك لم يكن عن اتباع حجة، ولا كان لشبهة وردت سوىطلب الإمارة والمنافسة في الدنيا، فإن أحاديث الموالف والمخالف لمن تأملها قاضية بذلك.
وروى ابن جرير في تأريخه على اجتهاده في تحسين الظن بالقوم أن الناس لما اجتمعوا إلى سقيفة بني ساعدة ليبايعوا سعد بن عبادة، بلغ ذلك أبا بكر فأتاهم وعمر معه، وأبو عبيدة بن الجراح، فقال: ما هو؟ فقالوا: منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: منا الأمراء ومنكم الوزراء، ثم قال أبو بكر: إني قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين عمر وأبا عبيدة، إلى أن قال: فبايعه عمر وبايعه الناس، فقالت الأنصار: لا نبايع إلا علياً، وهذا دليل على أن الصحابة لم يجمعوا، فكيف يصح ذلك مع خروج الأنصار مع علي عليه السلام، ومن قدمنا ذكره أولاً، وذكر الطبري أن الناس لما بايعوا بعد عمر استثنوا البيعة، ولا شك أنهم إذا استثنوا بيعة من بقي من أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ثم لم يبايع علي عليه السلام وحده، أو هو ومن تقدم ذكره فلا بيعة لمن بايع مستثنياً لهذا الشرط.
وروى الطبري في تأريخه أيضاً بالإسناد أن عمر لما علم أن قائلاً يقول: لو قد مات أمير المؤمنين يعني عمر لقد بايعت فلانا في قصة طويلة ذكر فيها، أن عمر صعد المنبر وخطب خطبة وحمد الله فيها، وأثنى عليه وذكرها إلى قوله: ثم إنه بلغني أن قائلاً منكم يقول: قد مات أمير المؤمنين بايعت فلاناً، فلا يغرر أحد أن يقول: كانت بيعة أبي بكر فلتة فقد كانت[205] كذلك غير أن الله وقا شرها، ثم ذكر قصة أبي بكر فقال على المنبر: إن علياً والزبير ومن معهما تخلفوا عنا في بيت فاطمة، وتخلفت عنا الأنصار بأسرها، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار، فانطلقنا نؤمهم، فلقينا رجلان صالحان قد شهدا بدراً، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟
قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار.
قالا: فارجعوا فاقضوا أمر نبيكم.
فقلت: والله لنأتينهم، فأتيناهم وهم مجتمعون في سقيفة بني ساعدة، وإذا بينهم رجل مزمل، قلت: من هذا؟
قالوا: سعد بن عبادة.
قلت: ماشأنه؟