روينا هذه الجملة سماعاً من كتاب المراتب، وفي رواية أخرى فكتب الحجاج بذلك على عبد الملك بن مروان، فأمر له بعشرة آلاف وعبيد الله بن عمر قاتل علياً عليه السلام، وكان من أتباع معاوية وأنصاره بصفين، روى ذلك الطبري في تأريخه، ولما قتل أبوه جرد سيفه، وقتل ابن أبي لؤلؤة.............، وهو رجل أعجمي بغير ذنب وقال: لا أدع أعجمياً إلا قتلته، فأراد أمير المؤمنين علي عليه السلام قتله فهرب إلى معاوية، وشهد صفين معه هناك، وقتل هناك، وأبو شحمة بن عمر ضربه أبوه الحد على شرب الخمر وعلى أمر آخر.

وروي أنه كان يجلده وهو يقول: يا أبتاه مت، فيقول: مت إلى أن مات، وأبان بن عثمان شهد الجمل مع عائشة، وخالف أمير المؤمنين، وسعيد بن عثمان كان عاملاً لمعاوية ثم عزله معاوية، وأقبل برهن كانوا في يده، وألقاهم في أرض كانوا يعملون فيها بالمساحي، فأغلقوا يوماً باب الحائط، ووثبوا عليه فقتلوه، والوليد بن عثمان كان صاحب شراب وقنوة، وقتل أبوه وهو محلق في حجلته، وهذه الجملة التي من ورا قولنا كتاب الطبري منقولة له من كتاب المعارف لابن قتيبة، وهو ممن يميل إلى المشائخ ويصوبهم ويقدمهم.

وروى أبو الحسين أحمد بن موسى الطبري أن أبا لؤلؤة عندما قتل عمر قال عبد بن الله بن عمر: هذا لم يقتل أبي إلا بأمر مولاه هرمز وهرمز هذا من ملوك فارس، وكان عمر قد عزم على قتله، فقال له هرمز: تأمر لي بشربة ماء فلما صار الكوز في يده قال له: أنا في ذمة الله وذمتك حتى أشرب هذا الماء الذي في هذا الكوز، قال له عمر: نعم، فضرب بالكوز الجدر فانكسر، وكان زجاجاً واستراق الماء، وعزم عمر على قتله فقال له أمير المؤمنين: لا يجب لك لأنك أمنته من القتل حتى يشرب الماء الذي في الكوز وهو لم يشربه، فقال عمر: خدعني، فقال له علي: كنت لا تنخدع له، فأسلم هرمز على يدي على فلزم مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، واعتكف فيه وحسن إسلامه حتى قتله عبد الله بن عمر، فلما قتله عبيد الله بن عمر بلغ الخبر إلى علي عليه السلام فأخذ السيف وخرج في طلب عبيد الله فهرب منه إلى معاوية، فقتله علي عليه السلام بصفين[202] ولم يطلب عليه السلام قاتل عمر أبا لؤلؤة ليقتله، وكذلك لم يطلب قتله عثمان ليقتلهم.

وذكر أحمد بن موسى أنه يسمى هرمز، وفي غير هذا الحديث أنه الهرمزان، وذكر الثعلبي في تفسير قوله تعالى: {وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا} بالإسناد، قال الثعلبي: قال ابن عباس رضي الله عنه وأبو العالية، ومجاهد والسدي: نزلت هذه الآية في عبد الله بن عمر.

وقيل: في عبد الله بن أبي بكر قال له أبواه: أسلم وألحا عليه في دعائه إلى الإيمان، فقال: أحيوا لي عبد الله بن جدعان، وعامر بن كعب، ومشائخ من قريش حتى أسألهم عما يقولون، فأين المساواة بين أولاد الجماعة هيهات ما أقبح الجهل بضاعة، أين هؤلاء من سيدي شباب أهل الجنة، ورضيعي الكتاب والسنة، يابعدهم عن هؤلاء المذكورين آنفاً من أئمة الهدى، وشموس التقى، وحماة الإسلام والمسلمين، والطيبين لأهل الدنيا والدين، وإذ قد أتينا على بيان جمل من أحوال الفريقين من الآباء والأبناء، وذكرنا ما ظفرنا به، وقت تأليف هذا الكتاب من أقوال أهل البيت عليهم السلام، ومن لم نظفر له منهم بقول في القول مفصل فقوله كقول آبائه في الجملة، وهم متأولون عليه، وبعضهم ينسج على منوال بعض، وهم بين مكفر للقوم مفسق، ومهلك مضلل، وقد قدمنا ذلك مفصلاً.

واعلم بعد ذلك أن المخالف لنا من المعتزلة ولآبائنا عليهم السلام لا يخلو أن يقول بأن الأئمة من لدن محمد عليه الصلاة والسلام هو أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان ثم علي عليه السلام، ثم أبناؤه الذين عددناهم إلى وقتنا، فيكون قد جمع بين الأضداد، وقرن بين الصلاح والفساد، وكيف يعتقد صحة إمامة قوم يقولون في أئمته الثلاثة ما قد سطرناه من الأقوال القاصمة للظهور، ومن الظاهر الجلي إجماعهم على أنهم ليسوا بأئمة، وأنهم ظالمون لأمير المؤمنين فيما أتوه، ومتعدون عليه، وهل يجتمع أولياء الله وأعداؤه، وقد أسمعنا قول الإمام المنصور بالله حيث سأله السائل عمن رضي عنهم، ويقول بإمامة علي مقدماً عليهم، حتى قال عليه السلام: وإن كانت جائزة المعصية والترضية فما أبعد الشاعر في قوله:

فويل تالي القرآن في ظلم

 

الليل وطوبا عابد الوثن

أو يقولون بأن الأئمة هم الثلاثة، ثم معاوية فمن بعده من أئمة الضلال إلى يومنا هذا، فيكون قد خلع من ربقة الإسلام، وانتظم في سلك المعاندين الطغام، أو تقول الأئمة من قريش على سبيل الجملة، وليسوا بها ولا هؤلاء ولا أدا ذلك إلى انقضاء التكليف، ومقارنة انقضائه بغير إمام، وخرج بذلك عن حوزة الإسلام، أو يقول بأن الأئمة حقاً في حينه الثقلين الذين أمننا الرسول عليه السلام من افتراقهما إلى ورود الحوض عليه، وأن أولهم بعد الرسول بلا فضل هو إمام المتقين، وأخو رسول رب العالمين علي عليه السلام، ثم أولاده المطهرون المذكورون في كتابنا هذا، فقد اهتدى وأفلح، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها، ونحن الآن متكلمون في الموضع الرابع مما وعدنا به في كتابنا هذا بمشيئة الله وعونه، وهو في إبطال حجج المخالفين على إثبات إمامة القوم، وفساد شبههم على حسب الاختصار والانجاز، وعمدة أمرهم إنما هو إمامة أبي بكر إن ثبتت، فلذلك نبدأ بالكلام عليها[203] ونجعل ذلك الأصل، فإن أساس البيان إذا انهدم انهدم بعده ما تفرع عليه وبالله التوفيق، وبيده الحول والقوة.

219 / 292
ع
En
A+
A-