وتوفى عليه السلام يوم الخميس لاثني عشر يوماً من شهر المحرم سنة أربع عشرة وستمائة بكوكبان، وكان في غاية التجلد والصبر على المرض لقوة يقينه، حتى أنه يروى أنه كان في حال النزاع الشديد وهو مجتب بثوبه حتى فاضت نفسه، وهو كذلك رضوان الله عليه، ثم نقل عليه السلام إلى بكر فأقام فيه مدة، ثم نقل إلى الموضع الذي قد صار منسوباً إليه، ودفن فيه فرضوان الله عليه وسلامه.

وله عليه السلام في معنى كتابنا هذا ما يشفي غليل الصدر، ويوضع لأهل البصائر ما التبس من الأمور، ونحن نذكر من ذلك طرفاً يدل على غيره مما لم نذكره، وهو موجود لطالبه بحمد الله ومنه.

قال عليه السلام في كتاب شرح الرسالة الناصحة: انظر أيدك الله بفكر ثاقب كيف يسوغ لمسلم انكار فضل قوم تبدأ بذكرهم الخطب، وتختم بذكرهم الصلاة، حتى لا تتم صلاة مسلم إلا بذكرهم، وذكرهم مقرون بذكر الله سبحانه، وذكر رسول الله صلى الله عليه وعليهم، أين العقول السلمية، والأفكار الصافية من هذا.

وقال عليه السلام[196]: هم أعلام الدين، وقدوة المؤمنين، والقادة إلى عليين، والذادة عن شرخ الإسلام والمسلمين، وبهم أقام الله الحجة على الفاسقين، ورد أعداء الدين، وهم القائمون دون هذا الدين القويم، حتى تقوم الساعة ينفون عنه شبه الجاحدين، وإلحاد الملحدين، وفي ذلك ما روينا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وعليهم أجمعين أنه قال: ((أهل بيتي كالنجوم كلما أفل نجم طلع نجم)) فكما أنا نعلم أنه لا يجوز أفول نجم إلا بطلوع نجم آخر حتى تقوم الساعة نعلم أنه لا يمضي منهم سلف صالح إلا عقبه خلف صالح، وقد قال الله لنبيه صلى الله عليه وآله: {إِنَّمَا أَنْتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} فمعنى الآية والله اعلم: أن الله جل ذكره جعل في كل وقت من أهل بيته صلى الله عليه وآله هادياً لقوم ذلك الوقت، وقد روينا عن أبينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من كان في قلبه مثقال حبة من خردل عداوة لي ولأهل بيتي لم يرح رائحة الجنة)) ولا نعلم لهم أشد عدواة ولا أعظم مكيدة لدين الله ونبيه صلى الله عليه وآله ممن أنكر فضل عترته، وساوى بينهم وبين غيرهم.

وقال عليه السلام: ولا يرد الحوض إلا من خلصت مودته لهم، ولا تخلص مودة من أنكر فضلهم، وجحد حقهم، وساوى بينهم وبين غيرهم، كيف يكون شيعياً لآل محمد عليه وعليهم السلام من أنكر فضلهم، وجحد حقهم، وقيس العلم بزعمه من غيرهم.

وقال عليه السلام في الجواب الكاشف للإشكال والفرق بين الشيع والاعتزال: وسألت عمن يرضي عن الخلفاء، ويحسن الظن بهم وهو من الزيدية، ويقول: أنا أقدم علياً عليه السلام، وأرضى عن المشائخ ما يكون حكمه، وهل تجوز الصلاة خلفه؟

والجواب عن ذلك أن هذه المسألة غير صحيحة، فيتوجه الجواب عنها؛ لأن الزيدية على الحقيقة هم الجارودية، ولا نعلم في الأئمة عليهم السلام بعد زيد بن علي عليه السلام من ليس بجارودي وأشياعهم كذلك، وأكثر ما نقل وصح عن السلف هو ما قلنا عن تلفيق واجتهاد، وإن كان الطعن والسب من بعض الزيدية ظاهر، وإنما هذا رأي المخلصين، وإنما هذا قول بعض المعتزلة يفضلون علياً عليه السلام، ويترضون عن المشائخ، فليس هذا يطلق على أحدٍ من الزيدية؛ لأنا نقول قد صح النص على أمير المؤمنين عليه السلام من الله ومن رسوله صلى الله عليه وآله، وصحت معصية القوم وظلمهم وتعديهم لأمر الله سبحانه، وإن كانت جائزة المعصية والترضية، فما أبعد الشاعر في قوله:

فويل تالي القرآن في ظلم

 

الليل وطوبا لعابد الوثن

209 / 292
ع
En
A+
A-