في بطن كل صحيفة مسطورا

إلى غير ذلك من الفضائل التي يطول تعدادها.

وكان له عليه السلام من جودة الرأي وحسن التدبير[194] ورباطة الجأش، وثبات القلب ما شهرته تغني عن ذكره.

وله مقامات في جهاد أعدائه عظيمة، شاهدة بشجاعته وجوده، وهي مشهورة معروفة، من أوان شبابه إلى أن توفي إلى مرضات الله، نحو قيامه بجبل ميتك، محتسباً في سبيل الله تعالى، محارباً للسلطان علي بن حاتم من جهة، ولسيف الإسلام سلطان العجم من جهة، واستولى سيف الإسلام على كثير من المغارب، وأطاعه الناس كرهاً وخشية، وقريب جيوش العجم من جهة الإمام عليه السلام، وأحاطوا بالحصن مع تسلم أكثر أهل الجبل، وطاعتهم لسيف الإسلام، فلح على الإمام الخواص في التميل والانعراج، فأقسم عليه السلام لا تأخرت عن هذا المكان إلا غالباً أو مغلوباً، ثم أمر أخاه محمد بن حمزة وأصحابه بالنزول لحرب العدو، وهو مستقر مكانه، وقال لأصحابه: لا تحاربوهم حتى يبدونا بالحرب، وكان محمد رحمه الله قوي الدين، شديد الورع، كاملاً فاضلاً، فما حاربهم حتى بدؤه بالحرب، وكان لا يملك نفسه عن الإقدام، فلما تلاحم القتال زحف في طائفة من الناس، فلم يزل يقاتل وهم ينكشفون عنه حتى تأخر عنه كثير من أصحابه، والإمام عليه السلام ثابت مكانه، ثم قرب سيف الإسلام بنفسه من تلك الجهة، وفسد الناس على الإمام فما أثر ذلك فيه، حتى قال له الناس: يا هذا قد ركنت على الجنة فما بقيت تخاف الموت، فيقول: أنا أخوفكم من النار، وطلع من العسكر قدر أربعمائة، وطلع حفيظ موضعاً منيعاً، وصار الإمام عليه السلام في أوساط القوم، وما معه إلا أصحابه، فأمرهم بأخذ ما كان لهم، وأخذ عليه السلام قوساً كانت له، ولحق بأصحابه وقال لأصحابه: قد فعلنا ما أمكننا، ولزم لهم الطريق قوم من قدم، فقرب منهم عليه السلام بنفسه، في مكان ضيق لا يجوز فيه إلا الرجل الواحد لضيقه، فرموه بالحجارة و هو لا يظهر الريبة منهم، ومد يده عليه السلام فسلموا عليه ولاطفهم وسالمهم، وسألهم عن شأنهم، ومضى بأصحابه عنهم سالماً، ونحو ما هو مشهور معروف، يوم هران وهو واد طويل وقف لهم فيه البدو، وهم رماة فانهزم أصحابه عنه فلزم على أعقابهم وهو يحمل على العدو، وتطلع فرسه في عرض الجبل وتعمدوه بالرمي لما شغلهم عن أصحابه فما أصابه شيء من ذلك، ولا أصاب فرسه، وكان حاسراً لا عدة على رأسه، فقال في بعض قصائده:

وفي يوم هران ألم أحم حاسراً

 

ذوي الزرد الموضون يوماً مبهما

ولما لم يتمكن عليه السلام من لبس الدرع قال: اللهم لا درع إلا سترك، ولا........إلا نصرك، فستر الله عليه، وحمى أصحابه، وسلموا بصبره وإبلائه، ونصر الله له، وراح العسكران ينشران حق ذلك المقام وهو في نفسه لا يعده شيئاً.

207 / 292
ع
En
A+
A-